2020-06-04

الشرط الضروري ليُثمر وقف العمل بالاتفاقيّات سياسيًا وميدانيًا

هشام نفاع

أكثر من 15 يومًا مضت اليوم على خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أعلن فيه "إن منظمة التحرير الفلسطينية، ودولة فلسطين قد أصبحت اليوم في حل من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الاميركية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الامنية."

هذه خطوة باتت أشبه بتحصيل حاصل، وهو ما قاله أبو مازن نفسه أيضًا حين أشار الى أن "رئيس حكومة الاحتلال (كرّر) ان الضم اولوية لهذه الحكومة، الأمر الذي يعني ضم اجزاء من أراضي دولة فلسطين لدولة الاحتلال، استنادا إلى ما يسمى "صفقة القرن"، التي نرفضها جملة وتفصيلا، ما يعني ان سلطة الاحتلال تكون قد ألغت اتفاق اوسلو والاتفاقات الموقعة معها كافة".

إذًا فبالتأكيد هناك مسوّغات قويّة لهذا القرار، لكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن آليّات التنفيذ. لا يبالغ المرء في التشاؤم لو ادعى إن آليّات التنفيذ ما زالت غير واضحة. وفي تفادٍ واعٍ لتبنّي خطاب التذمّر الرّائج، والسّهل، الذي لا يدفع من يُسمِعه ولا من يَسمعه للالتزام بشيء، وفي التفاف على عادة توزيع الاتهامات مجّانًا، يجدر القول إن صعوبة التنفيذ لا تعود لأسباب ذاتيّة فقط، وسأشير الى أهمّها فيما يلي، بقدر ما هي نتاجٌ مترتّب على الحالة الموضوعيّة.

المقصود أنّه لا يمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولا لسلطة حماس أيضًا، الإعلان عن وقف العمل بالاتفاقيّات مع إسرائيل وفي الوقت نفسه مواصلة التحدّث بهذه الصفة – سلطة هنا أو سلطة هناك. لأن السلطة الوطنية قامت على أساس تلك الاتفاقيّات، وحماس وصلت السلطة أيضًا من بوّابات الانتخابات التشريعيّة والمحليّة التي نُظّمت على أساسها.

أي أن الإعلان عن وقف العمل بالاتفاقيّات يستدعي منطقيّا أولاً وفورًا الإعلان عن حَل السلطة الوطنية و"تسليم المفاتيح للاحتلال"، كما جرت العادة لدى البعض على وصف الأمر بصوَريّة تبسيطيّة ساذجة. وهو ما يقتضي أيضًا بالتزامن التام إعلان حماس حلّ سلطتها أو "حكومتها" كما تسميها.

لكن الأخيرة اختارت في أوّل تعقيب لها على القرار الذي أعلنه الرئيس عبّاس، أن تواصل تكتيك المناكفة، وهذا التكتيك هو إفراز تلقائي ومقيت لحال علاقات الطرفين. فقد جاء في بيان لها يوم 20 أيّار، غداة الخطاب: "إن هذا التوجّه يؤكّد صوابيّة مواقف الحركة وقوى المقاومة من هذا الاتفاق المشؤوم قبل 27 عاماً، وهو توجًّه يفرض ضرورة الخروج من عبثية نهج المفاوضات العقيم". لكن حماس لا تشرح لأحد كيف يُعقل رفض الاتفاق بهذه القوّة، والمنافسة على السلطة في إطاره وتحت سقفه وبناءً عليه.

ويبقى السؤال المطروح بناء على ما سلف، هو: ماذا بعد إعلان وقف العمل بالاتفاقيّات وحلّ السلطتين؟

هناك كثير من المفاهيم والمصطلحات المهمة التي وردت في خطاب أبو مازن وفي بيان حماس المذكور وما تلاه من تصريحات للحركة. لكن كلمة واحدة غابت في الحالتين، تفاداها كثيرون كمان يلتفّون حول خطر يهدّد طريقهم، مع أنها كلمة تشكّل الشرط الضروري الحاسم لنجاح أيّ مشروع سياسي تحرّري يسعى للبناء على المواجهة الكبيرة المتمثّلة بوقف العمل بالاتفاقيّات وبعثرة جميع أوراق اللّعب التي تناور بها حكومة الاحتلال؛ ومع أنها أكثر المفردات التي يرددها الفلسطينيات والفلسطينيين بغالبيّتهم الساحقة حين تسألهم ذلك السؤال اللينيني البسيط والعميق: ما العمل؟

إنها ببساطة بكلمة واحدة: المصالحة. وبكلمتين: المصالحة الوطنية. وبكلمتين رديفتين: إنهاء الإنقسام. فلا يمكن لأيّ مشروع وطني فلسطيني أن يحقّق أيّ نجاح سياسي بدونها. وكل ما عدا هذا سيظل كلامًا غير قابل لأية ترجمة فعليّة ميدانية.