2020-03-30

رسالة إلى جيل الشباب... دروس من التاريخ في ذكرى يوم الأرض الخالد

* اليف صباغ

في ذكرى يوم الأرض الخالد، لا بد ان نستذكر تلك المرحلة التي سبقته وما لحقته أيضا، وما دروس الماضي إلا لاٌستخلاص العبر منها.

في مطلع الوعي السياسي او في عنفوان الشباب، عشنا مرحلة التحول، من افراد مقموعين وعائلة فلاحية تقاتل دولة صادرت أرضها، يحكم بينهما قانون سنته تلك الدولة ليسمح لها بمصادرة أرض تلك العائلة ومثيلاتها، ويقرر في ذلك قاضٍ عينته الدولة ليقضي بينها وبين ضحيتها، الى جماعة سياسية قليلة العدد، أعضاؤها مستهدفون من قبل أجهزة السلطة.

عمال وفلاحون ينهضون مع بزوغ الفجر، يروون الأرض بعرقهم او يبنون العمارات للمهاجرين او المستوطنين الجدد على أراضهم المصادرة، لا حبا بالمستوطنين، بل رغبة بالحصول على لقمة العيش لأطفال لم تُبق لهم "دولتهم" الجديدة أرضا يأكلون غلالها او ثمارها. عمالٌ في الشركات اليهودية يبنون العمارات لغيرهم صباحا وظهرا، وعند العصر يعودون لبناء بيوتهم الخاصة او إعانة جار او صديق يبني بيته الجديد بعد ان هدمته أمطار الشتاء في تلك السنة، وكم من بيت بُنِي بتعب وعرق الأصدقاء، لا دولة تبني لك ولا قدرة مالية لاٌستئجار مقاول، وحين سُئل أبو علي إبراهيم عن حاله رد بسخريته المعروفة فقال: "من الفرشة للورشة ومن الورشة لكمان ورشة والحمد لله". وحين يأتي يوم الراحة الاسبوعي تتزاحم الأيدي في فزعة عامة لصبَّة باطون عند أحد أبناء القرية، وما ان تنتهي "الصبة" حتى يسرع الشباب والصبايا للمشاركة في زفة عريس، وكم كانت تتعالى الأصوات، "يالله يا شباب، شدوا الهمة ! بدنا نلحق الزفة"!

لم يكن الترشح للمجلس المحلي او لنقابة من النقابات باسم الحزب الشيوعي أمرا سهلا، فهو يحتاج الى جرأة وتضحيات، بالتأكيد لن يُسمح لك ان تصبح معلما، وقد تحرم من العمل حتى في ورشات البناء. حتى ان قراءة صحيفة الاتحاد علنا او استلام المنشور الصادر ان الحزب الشيوعي أو ان تذكر لطلابك بان اليوم هو الأول من أيار، كانت أموراّ محظورة ، واذا جاءت ذكرى النكبة فهي، في قاموسهم العبري، "يوم الاستقلال" اما ترجمتها الى العربية فهي "عيد الاستقلال"، ولا بد من إقامة المهرجانات الرياضية والفنية في المدارس العربية للاحتفال بتلك الذكرى واطلاق النشيد السنوي: "بعيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي. عمّت الفرحة البلدان بين السهل والوادي" .... من لم يعش تلك الأيام او لا يفكر بتناقضاتها لن يفهم مأساة شعب عاش تحت الاحتلال وصفّق وغنى له في آن معا.

وإذا جاءت ذكرى الأول من أيار او انتخابات النقابات العمالية وأخرى برلمانية، كانت الاستعدادات تبدأ قبل أسبوع او أسابيع، في اجتماعات حزبية يتبعها توزيع المنشورات وصحيفة الاتحاد والغد والجديد، وتعليق الملصقات في ساعات الليل على الحيطان او أعمدة الكهرباء حيث توجد، مع التشديد على السرية عند التواصل مع الناخبين. لكن الايمان بحتمية طلوع الفجر وان طال الليل، والعمل لتغيير الواقع دون انتظار أحد من وراء الحدود كان الغذاء الروحي اليومي في صراع البقاء والتطور. فالواقع لا يتغير من تلقاء نفسه، بل يتغير بقناعات الناس وسلوكها، أما اتجاه التغيير فيحكمه عاملان أساسيان، ظروف موضوعية محيطة أو أحداث كبرى، وعامل ذاتي يقود عملية التغيير او يرسم اتجاهها، قد يكون هذا العامل الذاتي قوى رجعية تدعو الى الواقعية والاستسلام، وفق مقولة "العين ما بتقابل مخرز" او حزب ثوري ووطنيون ينشطون بوعي في هذا الواقع ويعملون على تغييره تغييرا ثوريا نحو مستقبل أفضل.

في تلك الأيام اندلعت حرب تشرين لعام 1973 وانتعشت الروح الوطنية والقومية، خلافا لروح النكسة التي رافقت حرب حزيران 67، وفي السنة التالية تجرأ بعض المعلمين ان يترشحوا لعضوية نقابة المعلمين ضمن قائمة الحزب الشيوعي. لم تتوقف ملاحقتهم ولكنها كانت أقل تأثيرا على معلمين قضوا سنين طويلة في سلك التعليم الرسمي، خاصة وان استبدالهم لن يأتي بجيل خنوع كما تربد السلطة الحاكمة. تمرد بعض رؤساء السلطات المحلية على مصادرة الأراضي وخنق قراهم، وخشيت الحكومة من فقدان السيطرة فأقامت لجنة لرؤساء السلطات المحلية العربية علها تستطيع من خلال هذه اللجنة تنظيم العلاقة وإعادة السيطرة على جمهور واسع مقموع أيقظته حرب تشرين، ولكن سرعان ما شعر أعضاء هذه اللجنة بقوتهم الجمعية المنظَّمة فتحولوا الى هيئة متمردة على السلطة الحاكمة، خاصة بعد انتظام الطلاب الجامعين ومن سبقهم من خريجين في الناصرة في هيئة وطنية تقدمية فحققوا مع توفيق زياد انتصارا تاريخيا في بلدية الناصرة، أكبر التجمعات السكانية العربية، فقاد زياد هيئة السلطات المحلية العربية عشية يوم الأرض الى اضراب تاريخي تحت شعار "الشعب قرر الاضراب"، تصدى خلاله الوطنيون لكتائب الشرطة الإسرائيلية المسلحة بالعنصرية والحقد والنار التي أُطلقت على صدور الشباب فاٌرتقي منهم ستة شهداء، خديجة وخير ومحسن ورجا وخضر ورأفت، هم شهداء يوم الأرض الخالد. كان ذلك اليوم يوم تعمد بالدماء الطاهرة، ولكنه يوم انعطاف تاريخي حقا.

لم يتغير الواقع في يوم واحد، بل بفعل التضحيات على مدار سنين طويلة حتى أصبحت "العين قادرة على مواجهة المخرز"، ولم يعد العميل قادرا على مواجهة المثقف الوطني، ولا بد ان يصل هذا التغيير الى القرى "البور" او المدن لمختلطة او مضارب البدو في النقب، حيث لا يوجد ناشطون حزبيون ويخشى الناس من شراء صحيفة الاتحاد او لا يعرفونها، إلا قلة قليلة، حتى ان بعضهم يخشى من أخذ المنشور علانية، واٌنتشر طلاب الجامعات العرب في يافا واللد والرملة، وفي التجمعات السكانية العربية في النقب، ينشرون الوعي ويحثون الشباب والصبايا على الالتحاق بالجامعات وركب التطور والحراك الوطني، يقدمون المساعدة التعليمية في المدارس ويتابعونها في الجامعات لمن يحتاجها. حركة جماهيرية صاعدة، شباب لا يكلّون يصنعون غدهم ويستنهضون النائمين، وكم تكون فرحتنا حين نحصل على صوت واحد او صوتين في قرية "بور" حكمها عملاء السلطة، او في عشيرة كان يحكمها شيخ ارتبط بحزب صهيوني ولكنه فقد السيطرة امام المد الشبابي المثقف، التقدمي والوطني، فكأنه صوت اخترق الصمت، وينئُ بصدى لاحق. في الطرف الآخر يبحثون ذلك الصوت الذي تحدى السلطة، أهو رجل أم امرأة، او شاب متمرد على واقعه او مثقف قرر ألا يصمت بعد اليوم؟ أما نحن فنعرفه أحيانا ولا نعرفه أحيانا أخرى، وان عرفناه نلتزم الصمت حماية له.

هكذا تغير الواقع ولم يكن بالمَجّان، فأقيمت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة عام 1977 تعبيرا عن هذا التغيير، لم تكن الجبهة تنظيما فوقيا يسعى للحصول على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، كما هو الحال في أيامنا، بل عملية تنظيم ميدانية لشعبنا تجسدت بإقامة جبهات محلية تسعي لتغيير طبيعة ونهج القيادات المحلية، ولوضع أسس جديدة للعلاقات بين الجمهور العربي والسلطة الحاكمة، علاقات ندية قائمة على أسس التحدي والتصدي للسياسة العنصرية، والمطالبة بالحقوق استبدالا لنهج الواسطة والتذلل والاسترضاء.

ضمن هذا النهج الجديد، أقيمت، قبل ذلك وبعده، لجان الطلاب العرب في الجامعات والمدارس الثانوية، لتكون رافدا للعمل الوطني والكوادر الوطنية لمرحلة نضالية جديدة. وكانت القوى الوطنية غير الحزبية بقيادة الشيوعيين الوطنين قد أقاموا لجان الدفاع عن الأرض، قطريا ومحليا، في كل قرية من قرانا، ولجانا للدفاع عن الأوقاف الاسلامية والمسيحية، ولجنة المبادرة الدرزية ضد التجنيد الاجباري، وهيئات أخرى... وتكللت كل هذه الخطوات في الدعوة الى عقد مؤتمر الجماهير العربية، الذي وُضعت أسسه السياسية في وثيقة السادس من حزيران 1980، والتي ابتدأت بالقول: "نحن جزء حي وواع ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني، هذا وطننا وليس لنا وطن سواه". لكن هذا المؤتمر حُظر بقرار من رئيس الحكومة، آنذاك، مناحيم بيغن بقوة قانون الطوارئ الانتدابي، والذي ما يزال فاعلا لغاية اليوم. إصرارا على ذلك النهج الوطني، أقيمت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي تبنّت وثيقة السادس من حزيران واقامت الى جانبها لجان متابعة فرعية، إضافة الى لجنة الدفاع عن الأراضي، لجنة فرعية لمتابعة قضايا التعليم وأخرى لمتابعة شؤون الصحة وثالثة لمتابعة قضايا الرفاه الاجتماعي... وانضوت لجان الطلاب الجامعيين العرب ولاحقا اتحاد الطلاب الجامعيين واتحاد الطلاب الثانويين تحت جناحي لجنة المتابعة العليا، وأقيمت لجان محلية للاكاديميين واتحاد للكتاب والفنانين العرب... الخ. كلهم كانوا يرون بلجنة المتابعة العليا عنوانا لهم كهيئة وطنية جامعة، تقود نضالاتهم الوطنية والمطلبية. وكان لهذه الهيئة والوطنية الدور الأكبر، ليس فقط في قيادة نضالاتنا في ذكرى يوم الأرض، بل في مواجهة خطر الفاشية الكاهانية في بداية الثمانينيات، وفي انتفاضة جماهيرنا الفلسطينية هنا، وقبل الجميع، إبان العدوان الإسرائيلي الوحشي على أهلنا في لبنان في حزيران 1982، فانطلقت الشرارة الأولى للمظاهرات ضد الحرب العدوانية والتصدي لسياسة المجازر التي قادها شارون في لبنان خلال العدوان ومنها مجزرة صبرا وشاتيلا.

جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى لعام 1987 لتدخل جماهيرنا الفلسطينية هنا مرحلة جديدة لتعزيز هويتها الفلسطينية، وترفع من سقف مطالبها الوطنية وليس المطلبية – المدنية فقط، وشكل العمل الوحدوي المنظم في الداخل نموذجا لعمل وحدوي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بإقامة القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الأولى، وبقي هذا المد الثوري مستمرا بالرغم من الظروف العربية القاتلة والظروف الدولية الرسمية غير المساندة، تعبيرا عن إصرار شعبنا في الحياة والحرية وإقامة دولته المستقلة، وعودة اللاجئين الى قراهم، بمساندة قوى التحرر في العالم.

وبما اننا لا نكتب التاريخ في هذه العجالة بل نهدف الى تذكير الجيل الشاب بما لم يعشه بنفسه، وهو يتعرض اليوم الى عمليات تضليل ممنهجة، وغسل دماغي يتعارض مع كل الأسس والقيم التي تبناها السابقون، في محاولة بائسة ترعاها وتمولها قوى اجنبية رجعية ومعادية لشعبنا، تحاول إعادتنا الى سنوات الاستجداء والواسطة واسترضاء العدو المتغطرس. تعمل هذه القوى جاهدة لتمحو انجازاتنا الوطنية، ويقودها اليوم أصحاب الياقات البيض والبدلات وربطات العنق، بدلاً من آبائهم أصحاب القمباز والحطة وعقال، يروجون لمقولات رجعية مثل "السياسة فن الممكن" او "علينا ان نكون واقعيين"، نسخا لمقولة رجعية سابقة "العين ما بتقابل مخرز". منهم ايضا من يستعين بالقرآن الكريم، كما استعان سابقوه، مستشهدا بالقول: "واذا فرعون طغى فاذهبا اليه وقولا له قولا لينا !"، ويهدف هذا الى تشريع سياسة الاسترضاء والتذلل أمام الحاكم الظالم، والعودة بنا الى مقولات عثمانية مسحناها من عقول الناس، مثل "بوس الكلب من فمه لَتِقضي حاجتك مِنه"....

كل هذا يفرض علينا اليوم ان نسترشد بدروس الماضي النضالي لا ان نستسلم للواقع الذي يقوده من لا يعرفون ذلك الماضي النضالي، ولم يكونوا شركاء في صناعة التغيير الذي ذُكِر أعلاه. من هنا، لا بد من تحديد متجدد لما يواجهه شعبنا من تحديات مصيرية، لا تقتصر على مواجهة فيروس الكورونا فحسب، ففيروس صفقة القرن وفيروس الاحتلال والرجعية العربية وخطر الفاشية يرتبطون معا ارتباطا عضويا. نعم لا بد من مواجهة كل هذه التحديات في آن معا، وهذا يتطلب منا الكثير من الصبر والتنظيم ووضوح الرؤية والمبادرة والشجاعة والاستعداد للتضحية.

ما يقلقني اليوم، هو تعاظم التحديات في الوقت الذي تبدو فيه احزابنا اقل جاهزية وتنظيما لمواجهتها، وهيئاتنا الوطنية الجامعة في الداخل الفلسطيني أضعف بكثير مما كانت عليه غداة يوم الأرض عام 1976. وما بعده، و"قيادة" تبحث عن نفسها أكثر مما تبحث عن مصالح الناس.

في بداية الثمانينيات واجهنا هجمة فاشية كانت خارج الحكومة، أما اليوم فسوف نواجهها وهي مركب أساسي من الحكومة الإسرائيلية القادمة.

ويبقى السؤال، كيف سنواجه كل هذه التحديات وهيئاتنا الوطنية الجامعة في الداخل مغيبة على الصعيدين القطري والمحلي، لمصلحة قائمة برلمانية محاصَرة في البرامان الصهيوني المعادي لنا منذ نشأته، وتعمل وفق قوانين صممها البرلمان/ الكنيست ليستقوي بها علينا؟ تغييب لصالح اشخاص قتلتهم النرجسية، وفي أفضل الأحوال لصالح أحزاب سياسية تصحو مرة كل أربع سنوات أو عشية كل انتخابات؟

* المستشار الاعلامي للجنة المتابعة العربية العليا