2020-02-17

التطبيع مع الاحتلال والقطيعة مع الشعب!

نادية حرحش

بين صور لمسؤولين سابقين وحاليين، وبين خارطة لفلسطين أوسلو على غلاف نشرة لجامعة فلسطينية، كان الضجيج المصاحب للغضب الشعبي من الموقفين كمن يصيح في فراغ لا تكون محصلته سوى صدى لصوت يتبخّر في الفضاء الشاسع.

لم يعد يعرف الفلسطيني كيف يتحكم بلجام غضبه. فنحن مع أو ضد؟ هل ما يجري يخدم أم يسيء؟ هل نحن في صدد إعلان مقاطعة أو إعلان مقايضة؟ هل نحن في هجمة ضد التطبيع أم بموالاة من أجله؟

هل نحن مع المظاهرات ضد صفقة القرن أم ضدها؟

مشاهد لمتظاهرين بالشوارع ضد صفقة القرن تملأ شوارع المدن، بينما أصوات المكبرات في شوارع رام الله وكأننا في خطبة دينية، نجاح المظاهرات السلمية، وفي ذات الوقت قمع للمتظاهرين ضد ذات الصفقة بعد يومين في مدينة جنين.

نداء للمقاطعة بخطاب، وتوجيه للتطبيع بخطاب آخر!

دعوات للتقيّد بأوسلو والترحم عليها والبحث عن إيجابيات إن وجدت للتطبيق، ورجم لخارطة تجسّد بها أوسلو لفلسطين. خارطة تبدو جزءا من واقع  فاسد أنتجته أوسلو وصار حلما مرجوا بالتطبيق!

من نحن وما الذي نريده؟

هل نحن فلسطينيو أوسلو أم فلسطينيو ما قبل أوسلو؟ من المسؤول عن هذه المهزلة المفجعة التي صفّت قضيتنا؟

هل التنديد بصفقة القرن حكر على طرف بعينه؟!

هل الهجوم على حزب التحرير ضد صفقة القرن أكثر خطرا من ترك حزب التحرير يقود حملات ضد تحديد عمر الزواج ومحاربة سيداو؟

ما الأخطر سيداو أم صفقة القرن؟

أليست سيداو ضمن الـ ٨٣ اتفاقية التي هلل لها الرئيس والسلطة ومنظمة التحرير؟ أليس حزب التحرير بحربه ضد سيداو كان القائد والمسيطر على الشارع بإشراف بمباركة العشائر والقبائل سرا وعلناً؟

بينما يتم قمع تظاهرة حزب التحرير السلمية ضد صفقة القرن، خرج الوفد الرفيع لرفض صفقة القرن إلى تل ابيب، وجاء وفد مقابل باستقبال من شخصيات رفيعة أخرى إلى رام الله.

استقبال الهباش قاضي قضاة فلسطين، والتجوال مع وفد من الإسرائيليين الذي يصعب عدم تمييزهم، بينما يمشون بما يميز اليهودي المتدين و"الكيباه" الخاصة بالمستوطنين المتشددين- والله اعلم- الحقيقة لم يعد هناك داع للتفريق بين إسرائيلي وآخر، فكلهم بالصهيونية الفاشية شركاء.

في اليومين غلبت الصور، ولكن أهمها صورتين، فيما بين صورة قائمة المطبعين وصورة الخارطة المتجزأة لفلسطين؛ صورة لدعاية انتخابية انتشرت على عمارات تل أبيب، يظهر فيها قادة فلسطينيون راكعون، يرفعون أيديهما استسلاما وبعينين معصوبتين وبينهما عبارة تقول: السلام يصنع فقط مع الأعداء المنهزمون.

أما الصورة الثانية، فكانت للهباش يتوسط الوفد الإسرائيلي بمطعم برام الله، بينما تمتد المائدة الفلسطينية وعيون المتواجدين على الطاولة في انسجام مع شاشات هواتفهم النقالة، والهباش ينظر إليهم ويكلمهم ولسان حاله ربما يقول "لو كانوا فلسطينيين لأقمت عليهم الحد بسبب قلة الأدب وعدم احترام المقامات الرفيعة قدس الله سرها"!

الهباش كغيره من " القياديين" المشاركين بمهزلة التطبيع، أمس واليوم، سارع بتبرير فعلته وإعطائها الصبغة الوطنية العالية. وكما الآخرون، رموا بالمسؤولية في مرمى رئيس لجنة التواصل محمد المدني.

الأزمة ليست بفعلهم التطبيعي الذي يتناقض مع تصريحاتهم بالدعوة الى المقاطعة وإيقاف التنسيق الأمني ومحاسبة التطبيع. الحقيقة اننا تعودنا بأن نسمع منهم تصريحات تتناقض مع أفعالهم. ولكن ذلك كان سريعا، فلم تمضِ سوى بضعة أيام ما بين التصريح والثورة المعلنة ضد التطبيع والصفقة، ودعوة الناس للنزول إلى الشوارع وبين هذا الفعل الماسخ.

الهباش، ملك الفتاوي، هو نفسه الذي كفر السوداني لتطبيعه مع نتانياهو.

من ناحية، نهبُّ ونحارب المطبعين العرب والأجانب. نهجم عليهم هجوم النار المستعرة، حارقين بلهيب غضبنا كل ما ينتهك اعتقاداتنا. كيف لنا أن نلوم العرب والأجانب في تطبيعهم ونحن نتسابق على التطبيع.

في ظل هذه المهزلة التي لا بد أنه يراد منها ضرب الشارع الفلسطيني بنفسه مرة أخرى، بينما ننتظر فضيحة أخرى نتسلى بها، حتى موعد فاجعة تصيبنا وتخدّرنا لبعضة أيام، ونعود بعدها من جديد إلى حالة التخدير المهيمنة لنا.

صرنا كمن يسبح مع التيار وضده، لينتهي حالنا بنفس المكان؛ تعب وإرهاق واستنفاذ مطلق للطاقات ونحن في نفس المكان نراوح مع وضد.

بين من يطبع وبين من يسحج للتطبيع باسم الوطن والوطنية، وبين من يلطم ويجرّم ما يجري باسم الوطن والوطنية، يبدو أن ما يجري نهج متفق عليه لإهاء الشعب وإعيائه ليفقد البصر كما فقد البصيرة.

بينما نلهو في حسبة سياسية لقيادة مرحلة قادمة، يحاول أربابها إعادة تشكيل موازين القوى على الساحة للمشهد التالي؛ مشهد لواقع تشكّله صفقة القرن، وعليه فان السباق نحو استرضاء أرباب الصفقة قد بدأ!

الواقع يؤكد أن تواصل هؤلاء ووصالهم مع إسرائيل، يتم أولاً من أجل إسرائيل، وقطعهم وقطيعتهم للفلسطينيين مباحة وطبيعية، يلملمونها كما أرادوا ويشكلوا ملامحها كيفما شاؤوا!