2019-10-27

حل أزمة مستشفى المطلع ليست لدى وزارة الصحة ولكن لدى وزارة المالية ورئيس الحكومة

نادية حرحش

لا تحتاج وزيرة الصحة بأن تضيف عبئا على أحمال وزارتها التي يتحول يوميا وضعها إلى الأسوأ. المشكلة طبعا ليست بالوزارة الحالية ولا بمن يترأسها، فالمشكلة متفاقمة تعيد تكرار نفسها على مدار العقود، بين غياب للكفاءات والاستثمارات البناءة، ومبدأ وضع الانسان المناسب في المكان غير المناسب في كل مرافق السلطة وتفشيه، ولكن تتجلى مأساويته عندما يتعلق الامر بالصحة، لأن الاستهتار واحتقار حياة الانسان الفلسطيني تصبح على المحك.

أزمة مستشفى المطلع تتعلق بعدم التزام وزارة المالية وبالتالي رئاسة الوزراء بدفع ديونهم المتراكمة لصالح مستشفى المطلع على مدار سنوات، وصلت الى مئات الملايين.

تراكم الديون هنا، هو تنصل السلطة من دفع ديونها لمستحقيها وهو مستشفى المطلع، هذا طبعا بالإضافة الى تنصل السلطة بما عليها الالتزام به بشأن المستشفيات في القدس في هذا الصدد.

قامت وزارة الصحة بنشر بيان توضيحي بشأن مستشفى المطلع تقترح من خلاله ان "أي مريض لا يستقبله مستشفى المطلع في القدس، بسبب الازمة الحالية، عليه مراجعة دائرة التحويلات للحصول على تحويلة الى مكان آخر في مشافينا الحكومية او الخاصة".

هناك استكمال للبيان يمكن الرد عليه بصفحات، ولكن لهول المصاب اكتفي بالفقرة الأولى من البيان.

والرد على الفقرة الثانية  المتعلقة بالديون:" أن ديون مستشفى المطلع متراكمة منذ السنوات الماضية، وتعمل الحكومة على جدولتها وفق الموارد المالية المتاحة، مشيرة إلى أنه ورغم الأزمة المالية الصعبة التي نمر بها، إلا أن الحكومة تعطي الأولوية الأولى لمشافي القدس فتقوم بتحويل مبلغ مقطوع بشكل شهري من فاتورة التحويلات الطبية للمستشفيات المقدسية ومن بينها مستشفى المطلع، لنحافظ على هذه المؤسسات الوطنية" بعبارة واحدة: "جدولة الديون وفق الموارد المتاحة لا يجب ان تكون لغة وزارة صحة، ربما ما يجب عمله هو جدولة ماهية عمل ودور وزارة الصحة

في سياق سابق عن تدهور الوضع في مرافق الصحة الفلسطينية، ردت وزيرة الصحة دفاعا عن المستشفيات والنظام الصحي (اثر المطالبة بإغلاق المستشفى الذي تورط بجريمة قتل الشابة اسراء غريب) أوردت في حينها ما يلي :"تطالب الكاتبة بإغلاق المستشفى بدل إصلاح المستشفى وهي لا تعلم بأن فلسطين ينقصها 50%من أسره مستشفيات بما يتطابق مع المواصفات العالمية نسبه الى عدد السكان وأكيد انها لا تعلم بأن نسبه اشغال الأسرة بالمستشفى 150% وأكيد لا تعلم بان قوائم الانتظار للمرضى تبلغ الى عام 2021 ونحن بصدد تقييم ذلك وأكيد لا تعلم بأنه المشفى الحكومي الوحيد في منطقه بيت لحم وان من يرتاد المشافي الحكومية هم الطبقة الفقيرة والمحتاجة من ابناء شعبنا."

قبل يومين انتشر فيديو بصوت وصورة والدة الشابة حنين هاني ادعيس التي توفيت في رحلة العذاب في المستشفيات الفلسطينية حتى حصولها على تحويله لمستشفى بالأردن. رحلة الشابة حنين ادعيس الى الموت بوصف أمها الدامي للقلوب والحارق للعروق إذا ما تبقى في هذه العروق دم جارٍ، يشبه وصف عذاب القبر وما يتبعه من عذاب جهنم لما نقرأه من تصورات بهذا الخصوص.

حنين ادعيس عاشت عذاب ما بعد الموت إذا ما كان للعذاب وصف يمكن رؤيته وتشخيصه ولكن بينما كانت تنبض بالحياة. وصف الام المكلومة لما جرى بالمستشفيات الفلسطينية هو أكبر شاهد على ما يجري من انتهاك واستهتار لحياة الانسان تجعل موته وحياته سيان. لا بل تجعل من حياته طريق للموت المفجع من خلال المرافق الصحية الفلسطينية. حنين ادعيس لم يتم وضعها بالمستشفى بسبب عدم وجود الاسرة، وتم تعيين عملية لها بلا معرفة لما تعاني منه، استكشاف بفتح البطن، عودة الى البيت بانتظار عملية برابيج وإبر ملتصقة بجسمها. حمامات قذرة بل أدنى احترام لإنسان. جراثيم يمكن رؤيتها بالعين المجردة. ارجاع الشابة الى البيت بعد العملية وبرابيج في بطنها يسحب ماء او يرجعها!!! التهابات تتفاقم في جسد الشابة. رحلة الام الشاقة في استجداء طبيب الى اخر، من تشخيص الى اخر، من استهتار الى اخر، من استخفاف واحتقار للحياة الى اخر. أسابيع من المعاناة التي يمكن وصفها بانها رحلة بداخل جهنم. وكأن النظام الصحي الفلسطيني متعاقد مع ملائكة العذاب في الاخرة. وكأن الرحمة هي نقيض ما يقوم عليه عمل موظفي الصحة.

قضية الشابة مرح العيساوي وإصابتها بفيروس انتهت من بعده حياتها بعد التبرع بالدم. لم ترفق الوزارة حتى اللحظة حتى بيان توضيحيا بشأن بيانها السابق المتضارب المعلومات مقابل بيان عائلة المرحومة مرح العيساوي. قضية مرح العيساوي ليست قضية عائلة مرح فقط. هذه قضية رأي عام. التبرع بالدم موضوع عام. ما الذي جرى مع مرح؟ ما هي ظروف التبرع بالدم؟ اين الخلل وكيف يمكن علاجه؟ نحن نتكلم عن موضوع قومي. الشعب كله يمكن ان يتبرع بالدم، كما الشعب كله يمكن ان يأخذ الدم المتبرع به. ما هي الإجراءات المتبعة؟ كيف تصاب شابة في عمر الورود وفي مستهل عطاء حياتها بينما تتبرع بدمها؟  

عشرات القضايا ان لم يكن المئات، تتراوح كما الأرواح المعذبة والمظلومة في سمائنا متوسلة إرساء الحق وتحقيق عدالة تحترم بها الانسان.

عن أي تحويل لمستشفيات فلسطينية في ربوع السلطة تتحدث وزيرة الصحة؟
عودة الى تصريح وزيرة الصحة. كيف تعرف الوزيرة مستشفى المطلع؟

نبرة اللغة المستخدمة تفيد بأن مستشفى المطلع ومستشفى "هداسا" في نفس الميزان من التبعية. وكأن المطلع تابع لمنظومة أخرى تقع في عالم اخر. علواااااه صار لسان الحال، لو تضم وزارة الصحة الإسرائيلية المستشفيات بالقدس الى مرافقها الصحية. ام هو بالأصل ما يتم التعامل به من قبل السلطة الفلسطينية بشأن المرافق الصحية وغيرها في القدس.

بينما يحارب ويصارع وينازع ارباب هذه المرافق من اجل الهوية الوطنية، وهنا المرافق الصحية كمستشفى المطلع هو مثال ضمن عشرات الأمثلة. فما يجري بالمدارس والمعاهد، الجمعيات والدكاكين حتى، من استصراخ من اجل عدم "اسرلة وصهاينة" المرافق المختلفة بالقدس، بينما تترك السلطة القدس ومرافقها وأهلها لتداس وتمضغ بين فكي سلطات الاحتلال، لتكون هي جزءا من عملية صهر المرافق الفلسطينية ضمن إسرائيل.

"علواااااه" تبدو سلطوية وليست أهلية التمني. فلو ارادت مستشفى المطلع التبعية للمرافق الإسرائيلية لكان الوضع ممكنا وجيدا منذ سنوات. ان تأتي الوزيرة وتصرح بهكذا تصريح يؤكد ان السلطة الفلسطينية لا تريد ان يكون لها علاقة أصلا بالقدس. وكل ما نراه ونسمعه ليس إلا إعلانات تعبوية فارغة، وهدر للأموال في توزيع المناصب. فوجود محافظ ووزير وما يتبعه من دوائر ومدراء وغيرهم بالقدس لا يختلف عن وجود شرطة جوية في السلطة.

ازمة مستشفى المطلع ليست كأزمة شركة الكهرباء ولا كأزمة الرواتب ولا غيرها من أزمات. أزمة مستشفى المطلع أقرب بأن تشبه بأزمة اموال المقاصة المستحقة للسلطة التي رفضت إسرائيل دفعها. أزمة مستشفى المطلع تتعلق بعدم دفع السلطة لديونها المستحقة للمستشفى مقابل التحويلات الطبية.

لا يمكن الوقوف عند مستشفى المطلع بدون الإشارة الى أهمية ما تقوم به المستشفى من اعمال وخدمات يمكن وصفها بالإنسانية أكثر من مجرد كونها طبية لمرضى الضفة الغربية وغزة. استطاعت مستشفى المطلع ان ترقى بخدماتها الطبية بما يحترم الانسان ويقدر حياته على مدار السنوات الأخيرة، بتجربة تستحق التقدير والدراسة من اجل التعميم.

انقطاع الدواء الخاص بمرضى السرطان بمستشفى المطلع، سيؤدي الى ما يجب ان نسميه "مذبحة" بحق اكثر من 300 مريض سرطان يخضعون للعلاج بالمستشفى.

أزمة مستشفى المطلع هي ازمة وطنية وإنسانية تحارب من خلالها المستشفى بطريقة غير مقصودة فساد منظومة السلطة وانحيازها الواضح ضد القدس من اجل تسليمها التدريجي والطوعي، بمرافقها لسلطات الاحتلال.

ازمة مستشفى المطلع هي أزمة القدس في مواجهتها "للأسرلة والصهينة" الممنهجة على مدار سنوات أوسلو.

أزمة مستشفى المطلع هي ازمة الكينونة الفلسطينية التي تحاول لملمة نفسها في نسيج واحد تبدده السلطة الفلسطينية كما يبدد بها الاحتلال.