2019-10-29

فئة الدم.. انتفاضة وطنية

سمير دياب

البعض من المحللين والمنظرين، يملكون خاصية التحليل والغرق في التفاصيل حتى يستسلمون لها، وتصبح هاجسهم، وينسون أسباب الأزمة الوطنية، ويعطون أبعاداً لطبيعة الانتفاضة حتى يكادوا يتهمون نصف شعبهم من الفقراء تحديداً بالمؤامرة. وهم ذاتهم، قبل أيام كانوا يشكون من قلة حركة الناس، ويصفونهم بأبشع نعوت الخمول والبلادة و"الخواريف".. وبعد الانتفاضة يسارعون لاتهامهم بقلة الوعي والعفوية وبانقيادهم وراء أجندات خارجية تريد شراً بالوطن.

وأكثر من ذلك، يهولون بأن البلد واقف على كف عفريت، هذا العفريت الذي حضر منذ 11 يوماً فقط، ولم يكن قبلاً. ثم هبط وتسلل بين الجماهير يحمل مشروعاً تفتيتياً مدمراً، وكأن أطراف السلطة السياسية كانت تتصدى له منذ ثلاثين عاماً ولم يستطع النفاذ من خلالها أبداً، وها هو اليوم ينفذ من خلال بعض المؤسسات المشبوهة لتهييج مليون مواطن ومواطنة ليحقق هذا العفريت مآربه. البعض من هؤلاء يكتفي بالتوصيف مشكوراً طبعاً، والبعض الآخر يكمل في رفع لواء الفهم لوحده، ويعتبر نفسه "غوغل" متنقل يعرف تفاصيل كل شيئ، وخاصة في القضايا المحورية العالمية التي تجري والمسائل السرية منها تحديداً، وكأنه، هو من قام بها، ونسي أن يبلغ عنها لفركشتها قبل استفحال الأزمة؛ بحيث يصبح بعدها الدليل المعرفي في التخويف والتخوين لإثبات نظرية الحذر والارتياب على الوضع برمته.. ولاسيما الوضع الأمني والشروع في الحرب الأهلية، دون أن يلتفت هؤلاء ولو بنظرة خاطفة لاتهام أرباب النظام بالوصول إلى هذا الوضع، أو يكلف نفسه بالوقوف على فقر وجوع وقهر وبطالة وهجرة أغلبية الشعب اللبناني أو إبداء الحرص على أمنهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وكأن الأعداد المؤلفة من الشرائح الاجتماعية المفقرة التي ملأت الساحات والشوارع لا تقرأ كما يقرؤون، ولا تفهم وتحلل كما يفهمون ويحللون، ولا تحرص على هواجسهم كما يحرصون، وبالتالي يصبح الشعب عندهم هو المدان، وليس سياسات تقاسم المغانم والمحاصصات والفساد.. التي أوصلت الشعب والوطن إلى هذا المستوى من التدهور والانهيار والالتحاق والتبعية، أو كأن الطائفية لم تفعل فعلها في تفتيت الشعب اللبناني إلى كيانات مذهبية متنابذة، أو كأن الأحزاب السياسية الطائفية التي لم تعد تمارس دورها سوى في حماية النظام السياسي القائم ومسك السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية وسواها.. وتمارس سياسة التحكم بكل مفصل من مفاصل الحياة اليومية بما فيها التحكم بمصير البشر والحجر بريئة. وكأن الاتفاقات على قوانين انتخابية طائفية تلبي تأبيد سيطرتهم غير مسؤولة. وكأن السياسات الاقتصادية الريعية المعتمدة التي مارسوها على مدى عقود بالتضامن والتكافل بغرض فتح صناديق النهب والفساد والتوظيف الزبائني والذي أملح الانتاج الاقتصادي الوطني، والأملاك العامة التي تحاصصوها لم تسد كل منافذ الهواء والحياة...

لن نطيل عن التنمية ومشاريعها الوهمية، وعن انعدام الخدمات العامة من كهرباء وسكن وماء وطبابة وتعليم ونقل وبيئة وغيرها.. ولن نتحدث عن فرامانات قوانين الايجارات التهجيرية وبدع الضرائب المستحدثة.. لنصل إلى الحديث عن الشعب اللبناني من جنوبه إلى شماله. أليس هذا الشعب بقواه الوطنية والديمقراطية من قاوم المارينز والأطلسي والاحتلال الصهيوني على مدى 25 سنة، ودفع التضحيات من دمه وعرقة وأرضه وجوعه.. مقدماً قضية التحرير الوطنية على القضايا الاجتماعية والسياسية لسنوات طويلة جداً؟ وبعد التحرير، أليس من حق هذا الشعب، إلى جانب هذه التضحيات المترافقه مع انتمائه الوطني ويقظته ومواقفه المبدئية الثابته في مواجهة العدو الصهيوني والإمبريالية الأميركية ومخططاتها ومشاريعها التفتيتية في المنطقة أن يطالب من يحكمه طيلة عقود زمنية من ربط القضية الوطنية بالقضية الطبقية، وأن يطلب السير في الأمرين معاً من أجل تحصين الساحة الوطنية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتأمين كرامته والعدالة الاجتماعية والمساواة والتغيير الديمقراطي.. لمنع أي خرق يمر عبر الانقسامات الطائفية أو المذهبية من قبل أعداء لبنان، ومن أجل وضع لبنة أساسية نحو بناء الوطن الديمقراطي المقاوم؟

 أم أن هذا الطرح مشبوه كونه على نقيض فكري وسياسي واجتماعي من طروحات أرباب النظام السياسي الطبقي القائم، وكون هذا الطرح إلى جانب المنتفضين من الفئات الاجتماعية المفقرة؛ عمال ومزارعين وموظفين ومهنيين ومتقاعدين ومتعاقدين وشباب ونساء وشيوخ ونسبة عالية من العاطلين عن العمل يطالبون بما لا يستحقون؟

في وقت يصر أرباب النظام السياسي مجتمعين على عدم التنازل قيد أنملة عن امتيازاتهم الطبقية والطائفية والمالية.. فبدل استقالة الحكومة كأمر طبيعي تم الاتفاق على تقديم ورقة اقتصادية هي في ظاهرها مهدئ للغضب، وفي مضمونها خصخصة ما تبقى من مؤسسات عامة .

 العالم يبكى واقع حال الشعب اللبناني في وقت يعزف أرباب النظام معزوفة التشكيك والتشبيك وعظائم الأمور. كفى، أيها المشككون، لقد أثبت الشعب اللبناني لنفسه أولاً، ثم لحكامه ثانياً، أنه يمتلك الثقة بنفسه، ويمتلك من الوحدة الوطنية ما يكفي لزعزعة أرباب النظام السياسي الطائفي، ويمتلك من الوعي الاجتماعي والسياسي ومن طرح المبادرات ومن الحرص الوطني ما يفيض اثباته.

لقد قام أيها السادة هذا الشعب ليحقق حلمه وحلم أولاده وأحفاده في بناء وطن ديمقراطي لم تستطع كل الحكومات السابقة على مدى 30 سنة أن تبني لبنة واحدة منه، بل عمدت إلى وضع الدستور جانباً، وإقامة فدراليات سياسية طائفية أغرقت الوطن وشعبه في الجهل والتخلف والديون والتبعية، ثم عمدته بالفقر والبطالة والتهجير والهجرة وأغرقته بالنفايات... تحالف النظام السياسي الطائفي المالي القائم عليه، وعد أن يقدم إجراءات وآليات عمل ملموسة لسلة الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت أكثر من ضرورية وواضحة على لسان الملايين من أبناء هذا الشعب من جنوبه الى شماله وبقاعه وجبله وساحله وبيروته. وتبلورت أكثر عبر الأوراق الاصلاحية التي تضمنت مقترحات عملية وملموسة من المنتفضين للبدء في عملية خطة الانقاذ الوطنية الحقيقية، وهي غير خافية على أحد.

* عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني