2019-10-24

نفاق اسرائيل في دعمها المزعوم للاكراد!

 * طلال الربيعي

تكتب صحيفة The Times of Israel في عددها الصادر البارحة, October 24 2019, قائلة

"دعا مسؤول في -القوات الديمقراطية السورية- إسرائيل يوم الاثنين إلى اتخاذ إجراءات ضد التوغل العسكري التركي في شمال سوريا."

Syrian Kurdish military official calls on Israel to take action against Turke

https://www.timesofisrael.com/syrian-kurdish-military-official-calls-on-israel-to-take-action-against-turkey/
كما أعرب المسؤول, الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته, عن ثقته في أن الشعب اليهودي لن يهمل محنة الأكراد في شمال سوريا, متذرعًا بتاريخه في الاضطهاد. ويبدو ان هذا المسؤول الديموقراطي (فوق العادة!) يتمتع بذاكرة انتقائية, فهو ينسى او يتناسى ان تاريخ الاضطهاد هذا سخرته اسرائيل نفسها لطرد شعب آخر وقتل اعداد هائلة من افراده. وهذا يذكرنا بما قاله الطبيب النفسي الثوري فرانتز فانون بتحول الضحية الى مجرم وتكراره الجريمة التي ارتكبت بحقه وكأنه اشبه بقدر مكتوب (ونفس الشئ ينطبق على حكام بغداد ما بعد الاحتلال الذين يعيدون ارتكاب جرائم صدام): لذلك كان ينبغي ان يكون الحل هو معالجة وتأهيل ضحايا الهولكوست نفسيا واجتماعيا ووظيفيا وليس تأسيس دولة اسرائيل التي قادتها هم من عتاة السايكوباثيين!

ولكن المسؤول السوري هو احد ديموقراطيي العم سام الذي هو نفسه فعل من قبل ما فعلته اسرائيل بقتله وتشريد الملايين من سكان امريكا الاصليين من اراضيهم.

فحسب احدى الدراسات العلمية, ان المستعمر الاوربي قتل حوالي 56 مليون من سكان امريكا الاصليين من عام 1492 الى عام 1600.

Earth system impacts of the European arrival and Great Dying in the Americas after 1492

https://www.science-dir-ect.com/science/article/pii/S0277379118307261#!
والسكان الاصليون ماتوا اما بسبب قتلهم بالسلاح او بسبب جلب المستعمر معه امراضا لهم لم يعرفها السكان الاصليون من قبل وبالتالي كانوا غير محصنين مناعيا ضدها. ودراسات اخرى ترفع عدد الضحايا الى 100 مليون للفترات التي تمتد ايضا الى ما بعد 1600, هذا اضافة الى القضاء على احدى اجمل الحضارات التي عرفها التاريخ والتسبب ايضا في شتى الامراض النفسية في من تبقى منهم على قيد الحياة بسبب العطالة وفقدانهم لجذورهم وتاريخهم وبسبب التمييز العنصري ضدهم ومقتل غالبية اهاليهم وعوائلهم مما سبب فيهم مشاعرا هائلة بالاحباط والعجز والحزن العميق.
لذا لاغرابه ان تتعاطف الرأسمالية مع الصهيونية فتاريخهما الاسود يربط الاثنين بوشائج لا تنفصم. ولكن هذا الديموقراطي السوري -صناعة العم سام- هو من جوقة الذين يقرؤون التاريخ كما يحلوا لهم وهم يمتلكون قدرة لا تضاهى في خداع انفسهم وشعوبهم والتسبب بالتالي في كوارث لا تعد ولاتحصى لأتباعهم.

وكدلالة واضحة على الارتباط المشبوه لهذا "الديموقراطي" بالدوائر الامبريالية والصهيونية هو رسالته النصية الى صحيفة التايمز أوف إسرائيل, التي يقول فيها:
"
يجب على دولة إسرائيل أن تعمل لوضع حد لهذه الحرب التي تقتل النساء والأطفال وتطرد المدنيين من منازلهم". ونحن من حقنا ان نسأل لماذا لا يسأل هذا "الديموقراطي" بدوره نفسه: اليس هذا بالضبط ما تفعله اسرائيل ايضا مع الفلسطينيين طوال عقود طويلة؟

طوال 2000s, دعمت إسرائيل القوات الكردية عسكريا, بما في ذلك التدريب في سوريا والعراق. وقام عسكريون إسرائيليون بادارة عمليات سرية قد تزيد من زعزعة استقرار المنطقة بأكملها, وفقًا لتقرير نشر في مجلة نيويوركر.

Israelis using Kurds to build power base

https://www.theguardian.com/world/2004/jun/21/iraq.syria
وفي نفس الوقت تقريبا, باعت اسرائيل 170 دبابة من طراز M60T بقيمة 688 مليون دولار إلى تركيا, وفقًا لقاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI).
SIPRI Arms Transfers Database

https://www.sipri.org/databases/armstransfers
كان العام الذي تم فيه الإعلان عن هذا البيع هو عام - 2002 - وهو نفس العام الذي حظر فيه رئيس الوزراء التركي آنذاك بولنت إيسفيت الفصول الدراسية باللغة الكردية في المدارس والجامعات في جميع أنحاء البلاد. وتم اعتقال أكثر من 100 كردي للاحتجاج على هذا التغيير. وفي ذلك العام أيضًا, حظرت هيئة مراقبة البث الإذاعي التركية محطة تلفزيونية مؤيدة للأكراد لمدة عام, وأضاف الاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني - الحزب الانفصالي الكردي الذي يخوض تمردًا مسلحًا ضد تركيا منذ أوائل الثمانينات - إلى قائمته السوداء من المنظمات الإرهابية بناء على طلب تركيا. كل ذلك جرى دون انتقاد من إسرائيل!

Chronology for Kurds in Turkey

https://www.refworld.org/docid/469f38e91e.html
في عام 2009 كانت تركيا أكبر عميل للأسلحة الإسرائيلية. في نفس العام, حظرت المحكمة الدستورية التركية حزب المجتمع الديمقراطي, الحزب القومي الكردي الرئيسي في تركيا, وحاكمت قادته فيما بعد بتهمة الإرهاب. إجمالاً, تم إلقاء القبض على 1400 عضو من اعضاء حزب واحتجز 900 في الحملة الحكومية ضد الحزب.
Dozens of Turkey s pro Kurdish BDP members arrested again

https://ekurd.net/mismas/articles/misc2010/2/turkeykurdistan2525.htm
ومع ذلك, لم يكن القمع التركي بحق القومية الكردية هو الذي سبب في قطع العلاقات العسكرية بين إسرائيل وتركيا في ذلك العام. كان رئيس الوزراء التركي وقتها رجب طيب أردوغان صريحًا في معارضته لعملية "الرصاص المصبوب"- في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 شنت إسرائيل عملية "الرصاص المصبوب", وهو هجوم عسكري هائل استمر 22 يومًا على قطاع غزة. كانت شراسة الهجوم غير مسبوقة في النزاع المستمر منذ أكثر من ستة عقود بين الإسرائيليين والفلسطينيين, مما أسفر عن مقتل نحو 1400 فلسطيني اكثرهم من المدنيين. وعندها ذهب أردوغان إلى حد القول إن الحرب ستضر بالعلاقات العسكرية بين البلدين.

واصلت إسرائيل تصدير الأسلحة إلى تركيا في عام 2010, ولكن بحلول عام 2011 كان هناك انخفاض في المبيعات في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة والذي أدى إلى مقتل ثمانية مواطنين أتراك, مما أدى إلى تعليق العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية التركية. على هذا النحو, كانت الهجمات العسكرية الإسرائيلية المحددة ضد الفلسطينيين ومؤيديهم هي التي أدت إلى قطع العلاقات العسكرية الإسرائيلية التركية, وليس عنف الدولة التركية المستمر ضد الأكراد.

Turkey confirms it barred Israel from military exercise because of Gaza war

https://www.theguardian.com/world/2009/oct/12/turkey-israel-military-gaza
اذن كيف يمكن أن نفسر هذا الدعم الإسرائيلي للشعب الكردي في كل من الممارسة والخطابة في الوقت الذي تسلح فيه اسرائيل أحدى القوى الرئيسية التي تضطهد الشعب الكردي؟ الجواب بسيط إلى حد ما: لقد دعمت الحكومات الإسرائيلية الشعب الكردي عندما كان امرا مفيدا لهم، ودعمت مضطهديه عندما كان ذلك يخدم مصالح إسرائيل السياسية والاقتصادية بشكل أفضل. في بعض الأحيان - خلال معظم الألفية الثانية, على سبيل المثال - قامت إسرائيل بالاثنين في نفس الوقت.

إذا كان دعم السلطات الكردية في العراق يخدم مصلحة إسرائيل في إضعاف النفوذ السوري والإيراني في المنطقة ، فهذا أمر عظيم.

Israelis train Kurdish forces

http://news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/5364982.stm
وإذا تمكنت إسرائيل من جني الأرباح من بيع طائرات بدون طيار لتركيا, بما في ذلك طائرات هيرون التي استخدمت في غزو تركيا لشمال العراق الكردي في عام 2008 , فهذا أمر عظيم ايضا!

Turkey accuses Israel of selling them defective drones

https://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-5295266,00.html
صرحت وزيرة العدل الاسرائيلية السابقة أيليت شاكد بوضوح بدعمها للأكراد, قائلة: "يجب أن ندعو علانية إلى إقامة دولة كردية تفصل إيران عن تركيا, دولة تكون صديقةً لإسرائيل".

لماذا تدعم دولة كردية؟ بحيث تكون حليفًا ودودًا لإسرائيل بين إيران وتركيا. إن الدعوة إلى الاستقلال للشعب المحتل هي سخرية للغاية لكونها تأتي من إسرائيل التي تحرم ملايين الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير تحت سيطرة الاحتلال.

يجب أن يكون هذا بمثابة تذكير بأن موقف إسرائيل من الأكراد ليس مدفوعًا بالنزعات الأخلاقية بل بالمصلحة الذاتية. طالما استمرت إسرائيل في احتلال ارض ملايين الفلسطينيين وقمعهم فإنها لا تستطيع العمل من أجل تحرير الشعوب الأخرى وتزعم أنها مدفوعة بالرغبة في "فعل الشيء الصحيح"!

مفكر وكاتب عراقي