2019-10-22

من القماشة ذاتها

د. حسن مدن

بالكاد كان صوت المراسلة التلفزيونية يسمع، وهي ترد على أسئلة من يحاورها في استوديو القناة، جراء كثافة الغازات المسيلة للدموع التي أطلقتها قوات الأمن على المتظاهرين أمام السراي الحكومي وسط بيروت، ويدها تشير إلى عشرات، وربما مئات، الآلاف من المحتجين والمحتجات قائلةً: هؤلاء هم أنفسهم من انتخبوا رموز المنظومة السياسية الفاسدة التي يطالبون اليوم برحيلها.

ولشدة حنقها من القسوة التي أظهرتها قوات الأمن في سعيها لتفريق المحتجين أوشكت المندوبة أن تقول: لو أعيدت الانتخابات فإن الكثيرين من هؤلاء سينتخبون الوجوه نفسها.

شحنة من اليأس، شحنة كبيرة، حملتها كلمات المندوبة. ليس لأنها قالت، محقة، إن المحتجين هم من انتخب للبرلمان وجوه الفساد وخرجوا إلى الشوارع ناقمين عليها، فذلك لا يخلو من الصحة، رغم أن في شوارع بيروت والجنوب والشمال وغيرها من مناطق لبنان شباناً وشابات محتجين لم يدلوا بأصواتهم في أي انتخابات.

الجزء الأكبر من شحنة اليأس تظهر في قولها: لو أعيدت الانتخابات سيجري اختيار الوجوه نفسها!

فكرتُ في ذلك. لا يخصّ الأمر لبنان وحده. ألم تمتلئ ساحة التحرير في بغداد بمئات آلاف المحتجين ضد النخبة الفاسدة الحاكمة للعراق في التظاهرات التي دعت إليها القوى المدنية العابرة للطوائف، مطالبة برحيل هذه النخبة؟ بعد ذلك بقليل أو كثير، لا يهمّ، جرت انتخابات نيابية، وسط مشاركة واسعة، وحمل الناخبون الوجوه نفسها، أو من هم على شاكلتها إلى البرلمان الجديد، وفق «خلطة» المحاصصة الطائفية سيئة الذكر، التي يعانيها العراق، كما لبنان.

لا يرمي كلامي هذا إلى التشكيك في جدوى وأهمية وحيوية ما يجري في لبنان والعراق، وفي أي بلد عربي آخر لم تجد الناس فيه مفراً من النزول إلى الشوارع غاضبة، فمهما كانت قدرة المنظومة الفاسدة على المناورة لاحتواء الضغوط الشعبية، فأنا مؤمن بعمق بقدرة الشعوب على إحداث التغيير المنشود آجلاً أو عاجلاً.

في لبنان وفي العراق وفي بلدان عربية كثيرة ثمة حاجة لتغيير جدي وجذري في آليات العمل السياسي التي أرستها منظومة الفساد، ومن بينها الأنظمة الانتخابية التي صممت بطريقة متقنة تحول دون وصول الأصوات النزيهة إلى البرلمان والحكومة، أو الحدّ من إمكانية ذلك بأقصى ما يمكن، وبطريقة تضمن إعادة تدوير وجوه الفساد والاستبداد نفسها، فالأب يورث ابنه في البرلمان، فيما الأب نفسه ورث المقعد عن أبيه، وإن غاب وجه ما فإن بديلاً من القماشة ذاتها جاهز ليحل مكانه.

هذه القماشة باتت بالية بما يكفي ومنذ زمن. انتهى عمرها الافتراضي وآن أوان تمزيقها، والتعويل ليس بقليل على قدرة الشبان العرب من الجنسين، في لبنان وفي غير لبنان، في أن يحيكوا بوعيهم وتصميمهم قماشة مختلفة من طراز جديد.