2019-09-15

خطوتان على طريق الامر الواقع

* عصام بكر

اعلان رئيس وزراء الاحتلال عزمه ضم المنطقة الممتدة على طول الاغوار وحتى شمال البحر الميت الذي قد يحلو للبعض قراءته على انه في سياق الدعاية الانتخابية لكسب المزيد من اصوات الناخبين الذاهبين لصندوق الاقتراع في السابع عشر من الشهر الجاري وفي معركة قد تقرر مستقبله السياسي بفعل التصارع الحاد بين مختلف الاحزاب لا سيما معسكر اليمين واليمين المتطرف، ومن الطبيعي في هذه الاجواء  المحتقنة ان يصدر مثل هكذا تصريحات هذا ما قد يوحى للبعض خصوصا ان الشخص يعاني ايضا وضعا مقلقا على ضوء استطلاعات الرأي التي تشير الى تذبذب، وربما تراجع مكانته جراء الوضع الامني والتوتر في الشمال والجنوب، ناهيك عن مسلسل الفضائح التي تلاحقه في ملفات الفساد والتي قد تنقله للسجن بدل رئاسة الحكومة، وهي عوامل كلها مجتمعة او منفردة قد تدفعه لاطلاق ما يدغدغ عواطف الجمهور الجانح نحو المزيد من التشدد والعنصرية في سبيل تعزيز فرص الفوز فاطلق ما اطلق من وعود بضم الاغوار بكاملها حال فوزه لتكون تحت السيادة الاسرائيلية للابد كما قال وهذا ما ذهبت اليه عدة تحليلات،  ووجد رواجا فعلا في اوساط لدى العديد من المحللين .

غير ان السؤال الذي يحتاج لاجابة واضحة هو هل هذه مجرد تصريحات للاستهلاك الانتخابي هدفها شحن الناخب الاسرائيلي عاطفيا ليدلي بصوته بنعم لنتنياهو؟؟ ام هي ابعد من ذلك واكثر خطورة من مجرد كونها تصريحات في اطار الدعاية الانتخابية المحتدمة بين اقطاب اليمين تحديدا؟ والاعتقاد السائد لدى اوساط كثيرة انها لا تعدو كونها مجرد تصريحات وفي ابعد تقدير بحسب بعض المحللين كما اسلفت، وانه ربما يتبعها ببعض الخطوات الصغيرة، وذات الطابع المحدود، وربما التدريجي في نظر اخرين لكن برأيي المتواضع هي اكثر جدية وهي ليست للانتخابات على الاطلاق اي انها للتنفيذ وليست شعارا انتخابيا للاستهلاك الداخلي فما يجري هو مخطط تقوم حكومات اسرائيل المتعاقبة وبصورة اكثر شراسة حكومة نتنياهو الحالية  بتنفيذه على الارض بشكل فعلي ورسمي ويومي منذ  فترة ليست بالقصيرة تمهيدا لاعلان الضم حينما تكون الفرصة متاحة، وان عملية الضم وقضم الارض الفعلي الجارية نتيجتها الطبيعية هي الاحتفاظ بهذه المنطقة الحيوية  الاستراتيجية، ودلالة على ذلك من المهم تحليل بعض المؤشرات التي حملها حديث نتنياهو في المؤتمر الصحفي المقتضب قبل ايام امام شاشات التلفزة وبالبث المباشر حيث اعلن ان هذه المنطقة الاغوار وحتى شمال البحر الميت هي حيوية من الناحية الامنية باعتبارها خط دفاع وحدود دائمة لحماية اسرائيل، ثم ان هذا الضم جرى التفاهم عليه مع الادارة الاميركية التي تتحالف بشكل عميق ومنهجي مع خطوات نتنياهو وما يمارسه على الارض من استيطان استعماري رغم مخالفته بشكل واضح لكل القرارات الدولية، اضافة الى ان الظرف الاقليمي والدولي يوفر فرصة سانحة لتطبيق ايديولوجيا حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو وبرنامجه السياسي الذي يقوم على الغاء الخط الاخضر اي ان فلسطين التاريخية كلها هي ارض "الشعب اليهودي" يحق له البناء والاقامة والتواجد فيها دون قيود او معقيات، ودون اي قيمة حقيقية للامم المتحدة وقراراتها وميثاقها .

واما ما جاء من عرض الخارطة الرسمية على شاشة التلفاز، والتي تبين بما لا يدع مجالا للشك ان الحزام الاستيطاني الذي شاهده العالم لن يقتصر على ما مساحته 22% من مساحة الضفة الغربية اي المنطقة التي اعلن نتنياهو عزمه ضمها، وانما يمتد في الحقيقة من منطقة جالوت وقريوت في حدود محافظة نابلس مرورا بشرق رام الله عين ساميه، وصولا لمعاليه ادوميم وما يعرف بمشروع E1، وبضمنها منطقة الاغوار وشمال البحر الميت التي جرى ذكرها، ومعاليه ادوميم وصولا لكتله عتصيون الاستيطانية في بيت لحم والخليل جنوبا بمعنى اخر ما عرضه نتنياهو هو اقل من نصف الحقيقة ومعروف عن الرجل انه يكذب ويكذب فهو يرد لنا ان نرىما عرضه فقط، وفي الحقيقة والاهم هو ما لم نرى في الخريطة اي ان اجزاء بسيطة  من المخطط الكلي جرى الافصاح عنها لكن المخفي اعظم بكثير كما يقال قبل الكشف عن المخطط الكلي بعد التفاهم مع ترمب قبل الكشف عن الخطوات الاخرى المزمع تنفيذها فور اعلان نتائج الانتخابات التي ترجح امكانية نيله ثقة الجمهور بالرغم من الازمات المتتالية والملفات التي تلاحقه، ومن بين هذه التفاهمات حصوله على دعم الادارة الاميركية واعترافها بالسيادة الاحتلالية على المستوطنات قبل الاطباق بشكل نهائي بضم الضفة الغربية بكاملها تماما كما جرى الاعتراف بالسيادة على الجولان العربي السوري المحتل .

الخطوة الاولى التي اعلنها نتنياهو فيما يتعلق بمنطقة الاغوار هي اولى الحلقات المعلن عنها ايذانا ببدء الضم الفعلي رسميا في سياق ما يجري على الارض من تنافس وتزاحم برامج لليمين وحكومة المستوطنين، اما الخطوة التالية التي يجري العمل عليها بقوة وسيتم الاعلان عنها عقب الفوز ايضا هي ضم منطقة سلفيت كاملة اي المنطقة الممتدة مما يعرف بحاجز زعترة العسكري في قلب الضفة الغربية حتى حدود كفر قاسم رأس العين غربا داخل الخط الاخضر منطقة ارئيل وحزامها الاستيطاني منطقة بركان الصناعية، ومستوطنة الكاناه غربا التي زارها نتنياهو قبل ايام ايضا، واعلن بدء العام الدراسي فيها ومر الخبر مرور الكرام وجاء في حديثه للاعلام خلالها ان اسرائيل ستبقى في "السامرة " للابد، وسلفيت لمن لا يعرف تعيش الان دون ان يتم الاعلان رسميا حالة من المعازل، وخنق مقومات الحياة مع التوسع الاستيطاني لاكثر من 25 مستوطنة مقابل 18 قرية لاول مرة يفوق عدد المستوطنين في محافظة فلسطينية عدد السكان الفلسطينين، والمستوطنات تحيط بكل قرية وبلدة وتجمع فيها ولا يوجد بيت ربما لم يعاني جراء سياسة الاستيطان، وتحيط بها المستوطنات كما يحيط الاسوار بمعصم اليد، ومن شأن ضم هذه المنطقة ان يطبق طرفي الكماشة على الضفة الغربية بكاملها، ويقسمها الى نصفين رئيسيين في عزلة تامة بينهما مجموعة متناثرة من القرى الفلسطينية الصغيرة " المعازل " عبر كتل ضخمة في  بحر المستوطنات .

نحن امام مخطط استيطاني تم المباشرة به والشروع بتنفيذه منذ سنوات طويلة، وما نشهده اليوم من تصريحات لعدد من اقطاب اليمين الاسرائيلي هي ليست بالونات انتخابية بكل تأكيد وانما هي احكام القبضة الفعلية والتطبيق العلني للاهداف الرسمية التي بنيت هذه المستوطنات من اجلها بالمعنى السياسي، وهو فرض الامر الواقع من طرف واحد، وهي بالمناسبة تختلف تماما عن اهداف خطة الانطواء التي قادها ونفذها شاورن في قطاع غزة رغم التقاطع الواضح في عدة قضايا – اسرائيل اليوم وليس نتنياهو اعلنت خطوة جادة وبانتظار اعلان عن الخطوة الاخرى في سلفيت هما خطوتان ضمن مشروع اشمل يفرض نظاما للفصل العنصري يفوق بكثير ما جرى في جنوب افريقيا في عهد النظام البائد، هما من الخطوات الهامة التي لم يعد بالامكان التستر عليهما او اخفاء معالمها الواضحة وضوح الشمس الاغوار وسلفيت ومع ما تعيشه القدس ومحيطها وبلداتها داخل اسوارها وخارجها، ومقدساتها كل حجر وكل زاوية وحارة فيها هي اليوم قصة تحدي وصراع من اجل البقاء والحفاظ على الهوية والتراث والتاريخ العربي للمدينة في هذه الحالة ما الذي يبقى للحديث عنه الاغوار، سلفيت والقدس ومنطقة التجمات البدوية الخان الاحمر وابو النوار وصولا للاغوار، وبكل ما تحمل من خصوصية واهمية اذا ما غابت هذه الحلقات الهامة ما الذي يتبقى من الضفة الغربية ؟؟ وما هي اهمية الحديث عن مناطق "ج " اين هي مناطق "ج"  اصلا ؟؟ والوضع في باقي المحافظات ليس بافضل حال بل هو ذات الاستهداف ونفس السياسة الاحتلالية  .

المشهد الذي سيعلن عنه نتنياهو اذا ما فاز في الانتخابات بعد ايام سيكون كارثي بكل معنى الكلمة ضم الاغوار وسلفيت والسيادة على المستوطنات وما يعرف بالكتل الكبرى وتشريع البؤر العشوائية وربطها بالمستوطنات القريبة لتشكل احزمة مترابطة وممتدة على مسافات واسعة تبتلع كل ما في طريقها وهو لا يقود الا لنتيجة واحدة مفادها لا دولة فلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وكي يثبت جدية ما يقول اعلن نتنياهو (اليوم) عن قرار حكومته الشروع باقامة مستوطنة جديدة في الاغوار، وهو تأكيد وبرهان اخر على النوايا المبيته لانهاء الوجود الفلسطيني في المنطقة، وفي خضم كل ذلك اذا ما اتبعت حكومة الاحتلال المقبلة خطوات نتنياهو السياسية بخطوات اخرى على الارض من اطلاق العنان للمستوطنين، وضوء اخضر لتوسيع الاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية، ومنع الوصول للاراضي الزراعية مع اقتراب موسم الزيتون للموسم الحالي، وسرقة المحاصيل التي يجنيها المزارعين اذا استطاعوا الوصول لاراضيهم، ومع انسداد الافق السياسي الذي يخيم على اوضاع مشحونة، وقابلة للانفجار لاي سبب، ومرشحة للتدهور في كل لحظة فان المشاهدة الكلية تقود لصورة قاتمة - مقبلون عليها شئنا ام ابينا وهو ما حدا بالرئيس عباس الاعلان عقب تصريح نتنياهو بضم الاغوار بان الاتفاقيات كلها مع الجانب الاسرائيلي تكون قد انتهت، ولكن هذا الموقف الهام  يتطلب خطوات اخرى، تفعيل عوامل القوة اولاها انجاز الوحدة وانهاء الانقسام الداخلي، ثم الذهاب لتفعيل المقاومة الشعبية على الارض عبر برنامج وطني متفق عليه لا هبات مواقعية هنا وهناك، وانما حالة شعبية متواصلة على امتداد الارض الفلسطينية وصولا لانتفاضة شعبية شاملة تقلب موازين وحسابات الاحتلال مرة اخرى، وتغير مفاهيم خاطئة ربما علقت في ذهن قادة الاحتلال وغيرهم  بامكانية كي الوعي الفلسطيني، وان بالامكان في ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية لا تخفى على احد تطويع او ترويض الشعب الفلسطيني او قد تبدو الفرصة باعتقاد البعض مواتيه لفرض امر واقع عليه  .

الواقع خطير والمنتظر كبير لا يمكن تأجليه ولا يمكن الابقاء على حالة الباب "مواربا" لان لحظة الحقيقة قد حانت فعلا، والمطلوب ارادة جدية للمجابهة، وقرارات لا لبس فيها تحسم حالة الجدل، والنظريات بينما تطحن انياب الجرافات كل فرص الحل يوميا، رغم حالة الخلل التي نعيش وحتى بغياب الظهير العربي لانشغال العرب بقضايا اخرى لكنها بالرغم من ذلك كله ربما الفرصة الاخيرة لعمل شيء، وتفعيل الامكانات المتوفرة بخيار المقاومة الشعبية والصمود الوطني، والتحلل من الاتفاقيات وقيودها السياسية والامنية والاقتصادية عبر موقف سياسي واضح ولا يعتقد احد ولا يمكنه التقليل من تراكم خبرات، وامكانات الاجيال الفلسطينية على اجتراح تجارب وابداعات جيلا بعد جيل، ومن المؤكد واليقيني ايضا ان الرهان على شعب خاض كل معمعان الثورة والتمرد لعقود طويلة ولم ينكسر لا يخيب، هو بالتاكيد لا يمكن ان يقبل بتعايش مع الاحتلال او نظام فصل عنصري او حلول مرحلية لانها كلها تحمل بالنسبة اليه معنى واحد وهو استمرار وبقاء الاحتلال، ومن المستحيل ان يقبل بحالة يتعايش فيها مع هذا الاحتلال مهما كانت مغريات السلام الاقتصادي المزعوم، وفي التاريخ عبر ودروس كثيرة لمن يريد ان يتعلم ومن يريد ان يستفيذ وصفقة  القرن التي يتنظر نتنياهو الاعلان عنها في اليوم التالي لفوزه المنتظر لن تحمل الا الخيبة والفشل، ولن يكتب لها النجاح مهما كانت المغريات والتهديدات لان العسل الذي دس السم فيه لا احد هنا يرغب بتناوله وهو ليس الوصفة المفيدة للعلاج الشافي العلاج المناسب والوحيد هو انهاء الاحتلال .

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني