2019-07-21

"صفقة القرن" تتسلل عبر الشعاب والتلال الفلسطينية

سعيد مضية

الاستيطان الصهيوني سيرورة لنهج اغتصاب عنصري اختطته الحركة الصهيونية، مؤشر بأن لا أمل في جنوح الصهيونية لتقبل الوجود الفلسطيني على أرض وطنه او تتأهل للتعايش السلمي معه؛ إنما تجمح بسعار تهيجه صفقة القرن وعنصرية إدارة ترمب.

فالصراع وجودي مع الكيان الصهيوني بفلسطين على وقع السطو المسلح على الأرض الفلسطينية وتوسيع الاستيطان باموال تدفقت من خلف المحيط أخذ المجتمع اليهودي في إسرائيل، بعد الاحتلال العسكري عام 1967، ينزاح نحو اليمين العنصري وتتسع القاعدة الاجتماعية لليكود الذي كثيرا ما اعتبره دافيد بن غوريون حركة فاشية. عِقْد من الاحتلال الاستيطاني ونظام الأبارتهايد كان كافيا لإيصال الليكود الى الحكم عام 1977؛ ومن خلال الاستيطان ودفاع سلطة الليكود عنه والتحريض عليه نشطت شواحن العنصرية الفاشية في إسرائيل.

تحولت الضفة الغربية خلال العقد الأول من مناطق مدارة الى مناطق محتلة ثم مناطق محررة. في العام 1996 دخل حزب الليكود بقيادة نتنياهو انتخابات الكنيست ببرنامج اعتمد دراسة قدمها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة ترفض الانسحاب من الضفة الغربية. ظهرت الدراسة ضمن برنامج سياسي وضعه المحافظون الجدد يهدف تمكين الولايات المتحدة من الهيمنة على الكرة الأرضية لمدة قرن من الزمان، اطلق عليه "برنامج القرن الأميركي". ومن المعقول ان تحمل صفقة القرن، الصادرة عن إدارة ترمب، اسم مشروع الهيمنة الأميركية وليس القرن الميلادي الحالي.

تصادف في ذلك العام أن اصدر كيث وايتلام، الأكاديمي والعلامة في التاريخ القديم للشرق الأوسط، مؤلفه الشهير، "اختلاق إسرائيل القديمة شطب التاريخ الفلسطيني".

الكتاب يفند الرواية الصهيونية حول "أرض الميعاد" و"وطن الآباء" التي استند اليها نتنياهو وروجها على أوسع نطاق ويثق ترمب بخرافاتها وأساطيرها، فيدعم ماديا ومعنويا نهج التوسع الاستيطاني الاقتلاعي بالضفة الغربية. في تلك الأثناء كان الجانب الفلسطيني، مثقفين وسياسيين، يغط في سبات سياسي عميق، او هائمين في متاهة مفاوضات عقيمة ووساطة أميركية، يعيدون التفاوض ثلاث مرات حول القضية الواحدة، حسب اعترافات حركة فتح؛ فلم يتعاطوا مع كتاب وايتلام حتى بعد ترجمته للعربية وإصداره ضمن سلسلة عالم المعرفة الصادرة في الكويت. لم يدخلوا محتوياته في برامجهم السياسية او الثقافية. نتنياهو يحرض على التهويد والتهجير والجانب الفلسطيني يعلق آماله على المفوضات والوساطة الأميركية، ويستقوي بالقرارات الدولية!! 

الأنكى من ذلك كله ان القيادة الفلسطينية ، ممثلة بالسلطة الوطنية ثم الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، أبرمت اتفاق تنسيق أمني مع سلطات الاحتلال تعهدت فيه بالحفاظ على أمن الاحتلال، بينما تركت جمهورها تحت رحمة المستوطنين يغتصبون الأرض أو يدمرون المزارع والعقارات وينكلون بالسكان بشتى السبل، ينكدون عليهم معيشتهم ويضيقون عليهم الخناق، وتمارس دولة الاحتلال مصادرة الأراضي وتشييد المستوطنات الجديدة مع هدم بيوت الفلسطينيين او مصادرتها بحجج واهية والاعتقال المضطرد لمعارضي الاحتلال. وزيادة في التنكيل والكيد نعتت معارضي الاحتلال ب "الإرهابيين" وشعب فلسطين "النازيين الجدد". بات محظورأ على الفلسطينيين السكن، أي الاطمئنان والراحة فوق أرض الوطن، إذ يتهدد عشرات آلاف المساكن الفلسطينية خطر الهدم وأحيانا بدون تنبيه او إنذار. الفلسطينيون هم الشعب الوحيد في العالم يستيقظ رب الأسرة في الصباح ليعرف أن بيته لم يعد ملكه والأرض مصادرة؛هو الشعب الوحيد المقيم غير المواطن فوق تراب أجداده؛ وهو الشعب الوحيد الذي يعيش في ظل الأحكام العرفية بلا قانون يحميه طوال اثنين وخمسين عاما، وليس في الأفق ما يطمئن أن للحقبة السوداء نهاية قبل تجريد الفلسطينيين من كل موطئ قدم! أصدر نتنياهو قانون قومية دولة اسرائيل، يحصر لليهود فقط حق تقرير المصير على أرض فلسطين، ويرفع الاستيطان قيمة عليا سوف تتواصل بدون توقف.

ضمن هذه المحنة الوجودية خاض صاحب هذه الكلمات تجربته مع الاستيطان والمستوطنين. والحكاية بتفرعاتها تبين وعورة درب المقاومة السلمية للتوسع الاستيطاني وصفقة القرن؛ اما المقاومة المسلحة فتفضلها إسرائيل وتستفز للاستدراج اليها وسيلة للفتك المسلح بالمقاومة الوطنية.

يوم الثلاثاء 16/7/2019 اصطحبت التراكتور الى شعب الحاج لحراثة أرض العائلة بمحاذاة مستوطنتي كرمي تسور وتسور شالوم. مستوطنة كرمي تسور اقيمت عام 1983 فوق تلة راحت تتوسع في أ{اضي بيت امر وأراضي حلحول. وأقيمت بؤرة استيطانية على أراضي حلحول، بمنحدر جهة الغرب من المستوطنة، ليلة نجاح شارون في الانتخابات في شباط 2001. تحولت البؤرة فيما بعد الى مستوطنة حملت الاسم تسور شالوم. وجدت قطعة أرض تخصني مزروعة بغراس الزيتون، والى الغرب منها مهدت الأرض للزراعة كما يبدو. وقد مدت أنابيب بلاستيكية للري تصلها المياه من مستوطنة كرمي تسور. لم يكن الأمر كذلك لدى زيارة الأرض لخدمتها في فصل الشتاء

قطعة الأرض تقع في أعلى المرتفع جهة الشرق وتتبع الشطر الجنوبي من أرض العائلة. قمت باستصلاح الأرض عام 1996، على أمل أن يتبع بقية المالكين؛ فالأرض مهجورة بورا منذ عقود ستة، بينما زرع الشطر الشمالي بكروم العنب .

طوبوغرافية الشطر الجنوبي شديدة الانحدار ـ قسَمتها حين الاستصلاح الى ثلاث حبايل وزرعتها بالعنب؛ وتم عام2003رش أشجار العنب بمبيد كيماوي. الأرض تحاذي قمة تلة صخرية جنوبي المستوطنة لا تستصلح ولا تزرع، تركت بدون مالك، وسجلتها التسوية الأردنية قبل الاحتلال غير مملوكة لأحد. التفسير المتعسف من قبل المستوطنين ادعاها أرضا حكومية ينبغي ان تؤول للمستوطنة، ومن ثم تضم لدولة إسرائيل! شيدت عليها بنايات تم هدمها بقرارات قضائية، حيث لا يوجد ما يثبت انها ملكية دولة؛ وحاليا يوجد عليها هيكل بناء فوقه علم إسرائيلي. واضح أن نوايا المستوطنين ترمي الى توسيع مستوطنة كرمي تسور باتجاه التلة مرورا بملكيتي المستصلحة 

أثناء استصلاح الأرض على مرأى المستوطنين عام 1996 عملت الجرافة طوال ستة أيام متتالية، ولم يعترضها أحد . مع تسلم نتنياهو السلطة اكد مرارا، وما زال يعلن، انه لن يتخلى عن بقعة جرى استيطانها على أراضي الضفة. بدأت المشاكل مع المستوطنين بإقامة البؤرة الاستيطانية. أثناء ما سمي الانتفاضة الثانية استخدم العنف ضد المواطنين كافة وراح المستوطنون يمنعون المزارعين من قطف ثمار العنب وتسويقها، وتكررت حالات طرد المزارعين من الأرض ومنعهم من حمل العنب المقطوف. عام 2002 صدر امر عسكري بإعلان الأراضي منطقة عسكرية يحظر الدخول اليها بدون تصريح امني. خلال هذه الفترة خربت كروم العنب، وكلفت عائلات عقل ومضيه وابودية، المالكة لأراض بالمنطقة، خبير الأراضي، محمود الرجوب، عمل مخطط للأرض مع إسقاط خارطة جوية، واستعان بخرائط تعود لعهد الانتداب البريطاني، وبسندات ملكية ذات أصول تركية. بالرجوع الى الأصول بيّن ان المنطقة تدعى شعب الحاج وتدعى أيضا واد أبو رجب. قُدِم المخطط لمسئول الأراضي بالإدارة المدنية للاحتلال من خلال السيد عادل العزة، الموظف بالدائرة. رد السيد عادل بعد عدة أشهر أن مسئول الأراضي اعتمد المخطط والشروح المرفقة ووجه للإدارة المدنية أن تسمح للمزارعين أًصحاب الأراضي الدخول لأراضيهم وخدمتها. لم يسمح بإعطاء أصحاب الأرض نسخة من القرار.

وجدت في زيارة للأرض عام 2003 وجدت اشجار العنب ذابلة نظرا لرشها بمادة كيماوية. استمر المستوطنون يمنعون الأهالي من دخول أراضيهم. أحيطت مستوطنة كرمي تسور عام 2008 بجدار من الأسلاك الشائكة، استعيض عنه بحراسة اليكترونية من جهة الغرب والجنوب، حيث تقع املاك العائلة، والدخول اليها يتم بتنسيق. ركبت كاميرات مراقبة متجهة شمالا ترصد كل من يدخل الأراضي المحاذية للمستوطنة؛ بينما تركت حرية الوصول الى الأراضي خلف الكاميرات، وتشكل الشطر الجنوبي من املاك العائلة، ومنها ملكيتي ، الأرض المستصلحة .

حشدت عونة من رجال ونساء عرب ويهود توجهت يوم 26/4/2009 الى قطعة الأرض وزرعناها ألواح صبر. حال مغادرتنا جاء من يسحب ألواح الصبر ويكومها عند طرف الأرض. اكتشفت الأمر في اليوم التالي وقدمت شكوى لشرطة كريات أربع بتاريخ 27/4/2009. شرطة مستعمرة كريات أربع تتسلم شكاوى ضد المستوطنين ولا تتخذ أي إجراء. لكن شهادة من الشرطة بتقديم الشكوى ضرورية لرفع شكوى لمحاكم يهودية، بالطبع، مدنية أو عسكرية، لكنها جميعا بما فيها المحكمة العليا، تلتزم بالقوانين والأوامر العسكرية، رغم أنها مخالفة للقانون الدولي وصدرت بشأنها قرارات من مجلس الأمن الدولي تعتبرها غير مشروعة.

أول آب من نفس العام اتصل بي مزارعون ليبلغوني أن ثلاثة مستوطنين معهم جرافة توجهوا الى أرض العائلة . شاهدت في اليوم التالي تجريف مساحات كبيرة منها نفس القطعة وقدمت شكوى لشرطة كريات أربع يوم 3/8/2009 .

بعد أيام انتظمت مظاهرة من عرب ويهود توجهت الى الأرض وحضر قائد الوحدة العسكرية المتمركزة قرب المنطقة لحراسة كرمي تسور وقال هذه الأرض لكم افلحوها بس ما تجيبوا يهود معاكم.

اتصل بي ضابط من مستعمرة كفر عصيون القريبة، وطلب اللقاء معه على الأرض وفعلا حضرنا والتقط لي صورة بجانب كوم الواح الصبر. بعد أسابيع اتصل بي المحقق من شرطة كريات أربع وطلب مني الحضور الى مكتبه. أبلغني أنهم عثروا على من اعتدوا على أرضي وتم التحقيق معهم ويبدو أن التحقيق حوِّل الى المحكمة 
سألـت: هل سأحضر المحاكمة؟ اجاب: بالطبع وستوجه لك الدعوة . مضت الأيام ولم توجه لي دعوة ولم اعرف شيئا عن امر المحاكمة

تم توكيل المحامية قمر مشيرقي أسعد، ومكتبها خلف الخط الأخضر، بالدفاع عن اراضي عائلات ثلاث بالمنطقة منها عائلتي. تلقت المحامية من المستشار القانوني للإدارة عام 2013 ان عائلة مضيه غير ممنوعة من الوصول الى اراضيها. بناء عليه رحنا نحرث شطرا من الأرض يحاذي مستوطنة كرمي تسور، وقد خربت أشجار الكرمة؛ بينما بقي الشطر الجنوبي بحاجة الى استصلاح لأنه مبور منذ عقود. ظننت ان بإمكاني دخول أرضي في الشطر الجنوبي وزراعتها نظرا لأنها مستصلحة؛ أتمت الجرارة حراثة الأرض المحاذية للمستوطنة وحركتها جنوبا باتجاه أرضي باعتراف شرطة كريات أربع واعتقلت اليهود المعتدين عليها؛ لكن ضابط الارتباط أعلمني أنها "موضع خلاف" بقرار من "المستشار القانوني"! 

أبلغني المزارعون يوم 2تموز 2014 أن اربع جرافات تجرف أرض العائلة أسفل المنحدر ضمن الشطر الجنوبي لأملاك العائلة. في اليوم التالي أرسل مكتب المحامية قمر مشيرقي اثنين توجهت معهما الى الموقع وصورنا الجرافات وهي تعمل، فالتصوير الفوتوغرافي مستمسك قانوني فعال بوجه إنكار الجناة وتأييد القضاة لهم.

أُرسٍلنا الصور مع تقرير الى مكتب المحامية التي أبلغت بدورها مكتب الاحتلال بالخليل وحضر ضابط شرطة وضابط عسكري مع جنود. قال لي ضابط الشرطة ان الأرض تخص المستوطنين؛ فهذه الديار ليست لكم وبإمكانك التوجه الى الأردن أو العراق أو سوريا!! وقال الضابط العسكري انه ينتظر قدوم مسئول كبير يوقف الجرافات. توجهت الى شرطة كريات أربع وقدمت شكوى. استصدرت المحامية قرارا قضائيا عام 2015 بأن الأرض لمالكيها من عائلة مضيه ويحق للمزارعين الدخول اليها وخدمتها. بات قرار المستشار القانوني اعلى من قرار المحكمة العليا الإسرائيلية!! قطعة الأرض المزروعة بالزيتون مشمولة بالقرار

نبهتني المحامية بوجوب إعلامها حال منعنا من الوصول الى الأرض، وهذا ما تم عام 2017، وتوجهت مع اثنين من المتضامنين الى الأرض كي أريهم الأرض المهددة بالمصادرة. اعتقلت ونقلت الى شرطة كريات أربع للتحقيق. انتشر خبر اعتقالي وصدر بيان عن وزير الثقافة، الدكتور إيهاب بسيسو ، وبيان آخر عن اتحاد الكتاب ونشرت وكالات الأنباء خبر اعتقال الكاتب سعيد مضية. احتجزت بضع ساعات بحجة التحقيق

توجهت يوم الأربعاء 17 تموز الجاري الى شرطة كريات أربع وقدمت شكوى للمرة الرابعة كي ترفع المحامية القضية الى المحكمة الإسرائيلية؛ وهذا أضعف صنوف المقاومة، لكنه ما تتيحه الظروف القاهرة. المستوطنون يستقوون بطبيعة الحال بصفقة القرن وقانون دولة إسرائيل القومية ودعم مبعوثي ترمب المتواصل. والسلطة الوطنية، لها التجلة، لا تستطيع تقديم أي خدمة لضحايا سرطان الاستيطان، ترفض كلاميا صفقة القرن وتستجدي التضامن الدولي؛ بينما تحافظ على أمن الاستيطان والمستوطنين!!