2019-06-24

التفاهمات في قطاع غزة.. بين العصا الغليظة والجزرة المسمومة

وليد العوض

خلال العقد ونصف الأخير، تعرض قطاع غزة لثلاث حروب وحشية مدمرة أسفرت عن استشهاد آلاف المواطنين وجرح عشرات الآلف وتدمير ما يزيد على مئة ألف من الوحدات السكنية وتشريد ساكنيها، وخلال الأشهر الأخيرة توالت موجات العدوان بوتائر مختلفة وقد أسفرت الأخيرة منها عن استشهاد عشرات المواطنين من النساء والأطفال وجرح المئات بالإضافة لتدمير عشرات المباني السكنية والمؤسسات الأمنية ومركز ثقافي واحد، هذه الموجة العنيفة من العدوان جاءت استمراراً لسياسة حكومة الاحتلال الخبيثة التي تقوم على استخدام العصا الغليظة والجزرة المسمومة في استراتيجيتها المتبعة مع قطاع غزة على وجه الخصوص منذ عام 2007 عندما أقدمت حركة حماس على السيطرة بالقوة المسلحة على قطاع غزة .

هذه الخطوة التي اعتبرتها في حينه مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية والعديد من قادة الاحتلال وفي مقدمتهم شيمون بيرس ومؤخرا رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو هدية السماء لدولة الاحتلال وهي بمثابة البداية لشق طريق الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتوفير البيئة المناسبة لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني الذي يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة بعاصمتها القدس على الأراضي المحتلة كافة عام 1967، ولتعميق هذا ،عملت دولة الاحتلال على فرض حصار قاس على قطاع غزة اثر سلبا على مختلف جوانب الحياة فيها وقد ترافق تشديد الحصار مع شن ثلاث حروب تدميرية ادت إلى ما سبق ان أشرت اليه من كوارث أصبحت الأوضاع المعيشية في قطاع غزة عصية على الاحتمال، وشهدت الأوضاع الإنسانية تدهورا خطيرا فتجاوزت نسبة الفقر 80% كما وصلت نسبة البطالة إلى ما يزيد على 46%..

ورغم إن الاحتلال يتحمل المسؤولية الكاملة عن ما آلت اليه الأوضاع بل انه يدفع للمزيد منها سعيا منه لتعميق الأزمة ووضع السيناريو الذي يريده جراء ذلك والمتمثل بتعميق حالة الانقسام وتحويلها الى انفصال دائم، رغم مسؤولية الاحتلال هذه إلا انه لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال ما تتحمله حركة حماس من مسؤولية جراء ذلك كونها تحكم بقوة الأمر الواقع في قطاع غزة وتتحكم بكل صغيرة وكبيرة فيه.

ومع تفاقم هذه الأوضاع المزرية وفشل حركة حماس المتواصل في تلبية احتياجات الناس ووصول التذمر إلى ابلغ مدياته في أوساط الجماهير الشعبية كما جرى التعبير عنه في حراك (بدنا نعيش) الذي واجهته حركة حماس بقمع شديد، كل ذلك اشعل ضوءاً احمراً امامها أنها لم تعد قادرة على تلبية حاجات الناس كما انه لم يعد بمقدور الناس تحمل العيش في ظل هذه الظروف وتحت وطأة ذلك وبدل من ان تلجأ “حماس” للخيار الصواب المتمثل بتنفيذ اتفاقات المصالحة وتسليم الأمور للحكومة الفلسطينية ومطالبتها بتحمل مسؤولياتها كافة، اختارت مع الأسف طريقا اخر تمثل بكل أسف بالوقوع في الشرك الذي نصبه الاحتلال والدوائر المعادية، الا وهو طريق التفاهمات التي أخذت وتأخذ اسماء متعددة، فتارة هدنة، وتارة اخرى تهدئة.

وفي كل الحالات تندرج تحت مسمى واحد “تغليب القضايا الإنسانية والاقتصادية على الحل السياسي”، وهو ما شهد الجولات المكوكية بين تل ابيب وغزة بطرق غير مباشرة على يد وسطاء إقليميين ودوليين تمحورت جهودهم قبيل الانتخابات الإسرائيلية على الوصول لتفاهمات تقوم على توسيع مساحة الصيد وزيادة كمية الكهرباء وإقامة محطات تحلية للمياه ومحطة للكهرباء والبحث في انشاء ممر مائي وادخال بعض الأجهزة الطبية وغيرها مما كان الاحتلال يعيقها، بالإضافة إلى سماح الاحتلال بإدخال كميات من السولار لمحطة الكهرباء واربعين مليون دولار كمساعدات انسانية ورواتب لموظفي حماس.

هذه القضايا أعطت حكومة نتنياهو الموافقة عليها لكنها لم تنفذها بعد ويبدو ان موافقتها حينه كانت تهدف لتمرير الانتخابات الاسرائيلية وكذلك اجتياز مهرجان الاغنية الأوروبية، وإحياء ذكرى النكبة بهدوء لا يعكر صفو المباحثات التي يجريها نتنياهو لتشكيل حكومته الخامسة.

ولذلك فان قضية التفاهمات ما زالت عالقة وعرضة في إي لحظة للانهيار مما يفتح الطريق لانفجار جولة جديدة تكون اكثر عنفاً من ما سبقها وتؤسس لما يليها من خطوات كلها تتجنب البحث في جوهر القضية المتمثل بالاحتلال وتركز بكل اسف على وضع القضايا الحياتية للناس واستغلال ظروفها على حساب الحل السياسي الذي ينشده الشعب الفلسطيني المتمثل بالحرية والاستقلال، ويبدو أن مسار هذه الجولات ذات الطابع الإنساني والاقتصادي هو ما ترتكز له صفقة ترامب، حيث يضع فريقه كل ثقله باتجاه محورين الأول تشديد الحصار والحرب المالية ضد السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير باعتبارها عنوانا موحدا للشعب الفلسطيني، والمحور الثاني العمل مع كل الاطراف المؤثرة لاعتماد منحى الحلول الإنسانية ولاقتصادية على حساب الحل السياسي وهو ما لاحظناه في لقاء واشنطن في شهر اب من العام الماضي وخلال مؤتمر وارسو في آذار المنصرم وعشنا ترجماته العملية من خلال سياسة العصا الغليظة والجزرة المسمومة في التفاهمات التي تجري بشكل غير مباشر بين حركة حماس ودولة الاحتلال من جهة اخرى ،كما نلاحظه من خلال الدعوات والتحضيرات التي تجري لعقد قمة اقتصادية في البحرين لتشجيع الاستثمار في قطاع غزة وحسبما اشار مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب إن كل ذلك يأتي في سياق خلق المناخات المناسبة لطرح صفقة القرن المشؤومة.

نشرت في مجلة المجلس الوطني الفلسطيني - العدد رقم (٦٠)