2019-04-27

لمواجهة "صفقة القرن" - حقوق اللاجئين أوّلاً

هشام نفاع

* القضية الفلسطينية أكبر من تحجيمها ضمن محاولات لترسيم حدود جغرافية سياسية، لأن عدالتها ترتكز في الأساس على كونها مشروعاً ثورياً مناهضاً للمشروع الاستعماري كما أرادت الحركة الصهيونية فرضه. لقد قام المشروع الصهيوني أصلاً على تطهير البلاد من أكثر ما يمكن من أهلها الفلسطينيين، ولن تتغيّر ممارساته المادية ما لم يتم الاعتراف الكامل بحقوق اللاجئين، سياسياً، أخلاقياً وفعلياً*

أضافت المؤسسة الإسرائيلية، في العقدين الأخيرين، شرطاً جديداً لقبول أية تسوية سياسية مع الشعب الفلسطيني، يقضي بـ"الاعتراف بيهودية إسرائيل". وهذا ما يصحّ وصفه بـ"الشرط الاستباقي" الذي يُملي نتائج التفاوض حتى قبل الخوض فيه. يبدو أنه لا حدود للابتكارات التخريبية الإسرائيلية بخصوص تحقيق التسوية.

هذا المطلب الذي يُعتبر استثنائياً إن لم يكن عجيباً في منظومة العلاقات الدوليّة، لا ينبع فقط من تأصل الانغلاق العنصري المتعصب في المؤسسة الإسرائيلية، بل إنه تكتيك سياسي شديد الدّهاء. فليست المسألة حضارية أو حتى رمزيّة في التوجه الإسرائيلي الرسمي نحو تعريف الدولة كـ"يهودية"، بقدر ما هي مسألة عدديّة تقاس بأدوات الديموغرافيا: عدد اليهود مقابل عدد الفلسطينيين. هذه المؤسسة لا تكتفي بمطلب الاعتراف بوجود دولتها على أنه "تجسيد لحق تقرير مصير اليهود"، بل إنها تطالب العالم بالاعتراف بتعريفها الأيديولوجي لذاتها. بمعنى آخر، هذه المؤسسة تسعى لفرض العقيدة الأساس للحركة الصهيونية على أنها حقّ كوني يجب على الجميع الاعتراف به.

المترتّب على هذا، أولاً، تنظيف ساحة الحركة الصهيونية مما اقترفته أذرعها المختلفة من تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني خلال نكبة عام 1948 وبُعيدها. ثانياً، منحها فرصة الادّعاء بأن تطبيق حقوق اللاجئين الفلسطينيين غير ممكن لأنه سيمسّ بيهودية الدولة. المسألة تتجاوز ساحة المعركة الرمزية، بل تندرج ضمن السياسة الإسرائيلية المخطّطة. ففي جميع المراحل المختلفة منذ النكبة حتى اليوم، ظلّت هناك مسألة واحدة تقلق المؤسسة الإسرائيلية وتؤرقها، هي حقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّرتهم بالقوة وبالسلاح من بيوتهم ودمّرت المئات من قراهم.

لقد قادت السيرورة التاريخية بمنعطفاتها السياسية المتعددة إلى إجبار المؤسسة الإسرائيلية على الإقرار الرسمي بوجود الشعب الفلسطيني، وبالتالي بحقه في تقرير المصير في دولة مستقلة. حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تتعدّ طروحات هذه المؤسسة إلحاق بعض ما احتلته من أراضٍ عام 1967 بدولتي الأردن وبمصر. مسألة ترتيبات حدوديّة لا أكثر. لكن مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، المتوّجة بالانتفاضة الشعبية في كانون الأول 1987، والمضافة الى المقاومة المسلحة لعقود، فرضت بقوّة نوعيّة غير مسبوقة، مكانة حق هذا الشعب في تقرير مصيره. فلم يعد بإمكان المؤسسة الإسرائيلية ولا حاضنتها الدوليّة مواصلة تجاهله.

وهكذا، فمنذ بدء مسيرة التفاوض الإسرائيلي-الفلسطيني، باتت المؤسسة الإسرائيلية تقرّ على مستوى التصريح فقط بإمكانية إقامة كيان فلسطيني (ما!). ولو أجرينا مسحاً سريعاً للخريطة السياسية الإسرائيلية، لأمكننا القول إن غالبية مركباتها باتت تصرّح بذلك، وإن قسراً. لكن الممارسات الإسرائيلية الفعلية تضع علامة سؤال حادّة على النوايا والأهداف المخبّأة خلف جميع التصريحات البروتوكولية. انعكس هذا في عدم احترامها ما وقّعته من اتفاقات، وكذلك في عمليات الاجتياح العسكرية الوحشيّة المتكررة التي حرّكها هدف سياسي هو تقويض البنية المؤسّسية السياسية الفلسطينية الناشئة، سواء في الضفة الغربية مطلع سنوات الألفين، أو في قطاع غزة لاحقاً، وكل هذا منعاً لنشوء ولو نواة مؤسسية لكيان فلسطيني مستقل. لذلك حتى لو زعمت المؤسسة الإسرائيلية موافقتها رسمياً على إقامة كيان فلسطيني مستقل، فسيظلّ المهم اختراق جدار الصوت التصريحي هذا، وصولاً إلى المضمون. وهو الذي سيكشفه، بالأساس، الموقف الإسرائيلي الرسمي والفعلي من قضيّة حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

جدير بالتنبيه: إن المتحدّثين المختلفين عن «حل الدولتين المستقلتين» يقصدون معاني مختلفة. مضمون «الدولتين» كما أعلنته منظمة التحرير الفلسطينية يختلف جوهرياً عما ترمي إليه أحزاب إسرائيل الصهيونية الكبرى. حتى اليوم، يقوم التوجّه الإسرائيلي على تفكيك القضية الفلسطينية، بل بعثرتها: من ناحية، تصرّ المؤسسة الإسرائيلية على صيغة المراحل، وهو ما بدأ منذما عُرف بـ«غزة وأريحا أولاً». ومن ناحية أخرى، تنثر ملفّات القضية الفلسطينية على محطات زمنية مستقبلية، تهتم بإرجائها على الدوام بأدوات القوة، العسكرية منها والاستيطانية. هذا ناهيك عن أنها تتوجّه إلى القضية برمتها كما لو أنها بدأت في حزيران 1967، خدمة لهدفها طيّ الملفات الأقدم والأصعب، ملفات 1948.

في شكلَي التسوية السياسية المقترحة: دولتان مستقلتان، أو دولة مشتركة واحدة، التمسّك بحقوق اللاجئين هو ما يضع جميع النقاشات في نصابها، بل يساهم في التقدّم إلى الأمام نحو توليفة أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق. النقاشات مختلفة في هذا الشأن، بعضها يتّسم بالطابع الثنائي: «إمّا هذا أو ذاك»، والبعض الآخر يضع المسألة في سياق تاريخي، بمعنى وجوب إنهاء احتلال أراضي 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة أولاً، ومن ثمّ تحقيق مصالحة بين الشعبين (والمصالحة غير التسوية) ربما تفضي إلى العيش في دولة مشتركة مستقبلاً.

من المهم أن يُطرح السؤال: كيف يمكن تحقيق حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتطبيقها في الحالتين، أو في مرحلتي التسوية؟ لقد أصاب كثيرون عندما اعتبروا أن المرحلة الأولى يجب أن تكون الاعتراف الإسرائيلي بالقضية من حيث تحمُّل المؤسسة الإسرائيلية المسؤولية عن نشوئها، وبالتالي عن تبعاتها وعن واجبها في المساهمة في تحقيق حلّها. هناك من يعتقد أن هذا "مستحيل" في إطار طرح الدولتين، وهنا يمكن القول إن رؤية هذه الاستحالة لربما تنبع من عدم ملاحظة الفرق النوعي الذي سيطرأ في حال وصلت المؤسسة الإسرائيلية (مضطرّة غالبًا!) مرحلة متقدمة من الواقعيّة السياسية عبر تحمّلها المسؤولية والاعتراف بها. إنّ جميع المشاريع السياسية قد تبدو حلماً في مراحلها الأولى، وهذا ما طغى لعقود طويلة مثلاً في ما يخص إقامة دولة فلسطينية مستقلة. لكن السيرورة التاريخية مركبة دائماً، وبقدر ما تحمل من تعقيدات جديدة فإنها تفتح آفاقاً جديدة أيضاً. في جميع الأحوال، لا تناقض بين تحقيق حقوق اللاجئين والتسوية المتمثلة بدولتين، إلا بالمفهوم الإسرائيلي الرسمي الذي يصرّ على يهودية إسرائيل. أما تغيير زاوية الرؤية فمن شأنه التوضيح للمراقب أن النضال لتغيير الهوية الأيديولوجية لهذه الدولة يرتبط إلى حد بعيد بفتح أفق حقيقي لحل قضية اللاجئين، وبالعكس. إنهما عمليتان مترابطتان. هذا يصح أيضاً بخصوص مرحلة مقبلة محتملة من التسوية، أقصد العيش (ولو اضطرارا!) في دولة واحدة بعد تحقّق ما هو أعمق من اتفاقيات رسمية.

ويبقى السؤال: كيف سيكون التطبيق الفعلي لكل هذا؟ وهو دور التفاوض السياسي وحاجته. والذي آن أوان إخراجه من مربّعاته القديمة التي اتّسمت بالإرجاء واستبعاد الخوض في المناطق الخطرة. أما الادّعاء بأن «المؤسسة الإسرائيلية سترفض»، فهو ادعاء إشكاليّ لكونه يصادر الإرادة الفلسطينية مسبقاً، ويلغي معنى النضال ومفهومه. فلم يتحقق شيء في سياق قضية الشعب الفلسطيني سوى بالنضال، حتى حين كانت المؤسسة الإسرائيلية في أعلى درجات تعنّتها. هناك حاجة إلى إعادة بلورة الحلم الفلسطيني الذي بات يعاني كسوراً ورضّات. أخطرها الكسر الداخلي المتمثّل بحالة الانقسام. هل نطيل عن هذه الكارثة؟ لا حاجة.

إنّ إنزال قضية اللاجئين من مستوى الشعار إلى الأرض سيكون محفّزاً لصياغة حلول تطبيقية. لأن التمسّك بالحقوق عموماً يفرض الخوض في ما وراء الشعار أو المطلب. فالقضية الفلسطينية أكبر من تحجيمها ضمن محاولات لترسيم حدود جغرافية سياسية، لأن عدالتها ترتكز في الأساس على كونها مشروعاً ثورياً مناهضاً للمشروع الاستعماري كما أرادت الحركة الصهيونية فرضه. لقد قام مشروع الصهيونية أصلاً على تطهير البلاد من أكثر ما يمكن من أهلها الفلسطينيين، ولن تتغيّر ممارساته المادية ما لم يتم الاعتراف الكامل بحقوق اللاجئين، سياسياً، أخلاقياً وفعلياً. في هذه الحالة، لن يظل الاختلاف في الطروحات المقترحة من أجل التسوية محشوراً في طابعه الراهن العقيم سياسياً، بل سيتحوّل إلى اختلاف مُثرٍ في الاجتهادات.

إنّ حل القضية الفلسطينية سيظل مستحيلاً من دون تفكيك بنية العلاقات الاستعمارية التي تواصل المؤسسة الإسرائيلية فرضها. من هنا، فكل تسوية لا تشمل في مركزها إحقاق حقوق اللاجئين، وفقاً لإرادة كل لاجئ وخياره وقراره، ستظلّ تسوية شكلية خاضعة لبنية العلاقات الاستعمارية السائدة. من المهمّ هنا الإضافة بأن تفكيك هذه البنية الاستعمارية من مصلحة اليهود أيضاً، لأنه يحرّرهم، سياسياً وأخلاقياً، من لعب دور الاحتياطي البشري والمادي لتكريس مشروع قوامه الهيمنة التي تنتج الحرب وسفك الدم. تفكيك البنية الاستعمارية هو ما سيجعل وجود اليهود الإسرائيليين طبيعياً في المشرق. فالقضية الفلسطينية هي قضية تحرّر، ليس للفلسطينيين وحدهم.

حاليًا، العقبات الماثلة أمام تحقيق حقوق اللاجئين لا تقتصر على طبيعة المؤسسة الإسرائيلية وممارستها، بمرجعياتها الصهيونية، رغم أنها تظلّ أصل الداء. فهناك عقبات فلسطينية وعربية أيضاً. أولها غياب استراتيجية وطنية فلسطينية مشتركة تتجاوز سقف الاختلافات الأيديولوجية، مهما احتدّت. كما أن التعاطي العربي الرسمي مع القضية الفلسطينية كعقبة يُراد التخلّص منها، لا كقضية تحرر وطني عادلة، يزيد من مخاطر تقديم تنازلات جوهرية، يُخشى أن تحقق في نهاية المطاف انتصاراً للمشروع الصهيوني. وهو انتصار سيكون خطيراً على الشعب الفلسطيني وعلى الشعب اليهودي أيضاً، لأنّ كل تسوية شكلية خاضعة للقوة لن تكون أكثر من مدماك آخر لنشوء مأساة جديدة مقبلة. هذه هي "صفقة القرن" وهي ما يجب صدّه والتخلّص منه، مقترحًا ونصًا وتوجّهًا.