2019-04-16

ما يصلح لغيرنا يصلح لنا..!!

حسن خضر

من المصادفات الحميدة أن الموجة الأولى لربيع الشعوب العربية بدأت، فعلاً، على أعتاب الربيع، وتفتحت فيه، قبل ثماني سنوت، وأن الموجة الثانية تتفتح الآن في الجزائر والسودان. فليكن الربيع، إذاً، هو الوعد والواعد والموعود والميعاد، فما من اسم يَليق بما يكسر الاستعصاء الديمقراطي في أحد أكثر العوالم ظلماً، وظلاماً، وظلامية، على كوكب الأرض، سوى الربيع.

أما بعد. الموجة الأولى انكسرت. ومصير الثانية في الميزان، ولكن العد لن يتوقف، فالأيام حبلى بالمزيد. لن ينتهي الأمر بالمدينة الفاضلة، طبعاً، فما من مدينة فاضلة سوى في الخيال. ولكنه، سينتهي، في يوم ما، بالمواطنة، والمساواة، وتحرير النساء، والتداول السلمي للسلطة، وحقوق الإنسان، والحريات الفردية والجمعية: حرية الفكر، والتعبير، والجسد، والعقل، كما عرفتها شعوب، وعرّفتها القوانين، والدساتير، والمعاهدات الدولية ذات الصلة، لا كما عرفها وعرّفها أشخاص عاشوا قبل ألف عام. فما يليق بغيرنا يليق بنا.

كل هذا دونه خرط القتاد. فالعالم العربي وليد حضارة مهزومة ومأزومة، تجثم بكل ثقلها على صدر مجتمعات وشعوب تتجلى فيها هزيمة العقل. وقد فشلت في دخول الأزمنة الحديثة، والتأقلم مع حضارة حديثة لم تعش طويلاً على هامشها، وعالة عليها، وحسب، بل وتُسهم، اليوم، بالحروب الأهلية، والانتحاريين، واللاجئين، والدواعش، والدكتاتوريات، في خرابها وخراب وتخريب العالم، أيضاً.

لذا، لا دليل على نسغ الحياة الأخضر إلا في الميادين، التي يحتشد الناس فيها احتجاجاً على ما يتجلى من استهانة بالذكاء الإنساني، وانتهاك للمنطق. فمَنْ قال إن الرئيس الجزائري، الذي لا يستطيع المشي على قدميه، ويبدو على شاشة التلفزيون صامتاً، وزائغ العينين، وشاحب الوجه، يملك القدرات الجسدية والعقلية الكافية لأداء مهام وظيفته؟ هذا سؤال أوّل، وأقل أهمية بكثير من السؤال التالي: ولماذا يحق له، أو لغيره، البقاء عشرين عاماً في سدة الحكم، في جمهورية «ديمقراطية» و»شعبية»؟ 

يعرف حتى الأهبل أن الرئيس العاجز عن ممارسة مهام الحكم مجرّد قناع لجماعة تريد تأبيد وجودها في أعلى هرم السلطة. فهل يجوز هذا في جمهورية ديمقراطية وشعبية؟ ويعرف الأهبل نفسه أن ضغط المتظاهرين في الميادين يُرغم الجماعة على إسقاط القناع، ووضع قناع جديد يمكّن النظام من إعادة إنتاج نفسه. فما معنى الديمقراطية والشعبية، والجمهورية نفسها، في حالة كهذه؟

في كل هذه الأسئلة ما يُفسّر معنى الاستهانة بالذكاء الإنساني، وانتهاك المنطق. وفي هذا ما يأخذنا إلى «ثورة الإنفاذ الوطني» في السودان قبل ثلاثين عاماً، التي جاءت بالإخوان المسلمين، وعسكري يلعب بالبيضة والحجر إلى سدة الحكم. الأهبل، مرّة أخرى، يعرف أن ما حدث كان انقلاباً عسكرياً، وأن ما بين الثورة والانقلاب العسكري أكثر من بون شاسع.

والأهم من هذا وذاك، أن السودان، على مدار ثلاثين عاماً، في زمن «ثورة الإنقاذ»، لصاحبها البشير وشركاه من الإخوان، فقد نصف أرضه، ومصدر ثروته النفطية، وتفشى فيه الفساد والقمع والفقر، واستعرت فيه الحرب الأهلية، وارتُكبت فيه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ليصبح اللاعب بالبيضة والحجر، وبعض معاونيه، مطلوبين للعدالة الدولية

والطريف في الأمر أن اللاعب بالبيضة والحجر أعلن بعد انفصال جنوب السودان أنه سيتمكن، «أخيراً»، من تطبيق الشريعة الإسلامية، لأن الجنوب المسيحي ـ الأرواحي حال دون ذلك. يعني ما قيمة ضياع نصف البلاد، وثروتها النفطية، مقابل الشريعة؟ 
وفي كانون الثاني الماضي، بعد خروج الناس إلى الشارع، لأنهم لم يجدوا الخبز، قال لهم إن مشاكل السودان الاقتصادية نتيجة موقفه المؤيد للفلسطينيين، والمعادي لإسرائيل، ولو غيّر موقفه غداً (لا سمح الله) ستنفرج الأزمة. وبعد أيام قليلة كشف الإسرائيليون أنه سمح لطائرة نتنياهو بعبور الأجواء السودانية في طريق عودة الأخير من أثيوبيا.

هل يحق لشخص أن يحكم ثلاثين عاماً، بكل هذا القدر من الاستهانة بالذكاء الإنساني، وانتهاك المنطق، وأن يبقى على الكرسي بقدر ما استطاع في نظام جمهوري؟ الجواب: نعم، لأن الاستهانة بالذكاء الإنساني، وانتهاك المنطق، هما العدة الأيديولوجية الأكثر استعمالاً ونجاعة في تاريخ العالم العربي، على مدار قرون طويلة، ولأن الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن الانفصام بين الدال والمدلول عضوي في ميراث حضاري يُسيّجه الخوف، ويحميه السيف.

فما قيمة التناقض الدلالي بين: الانقلاب والثورة، وبين «الديمقراطية» و»الشعبية» والبقاء مدى الحياة في سدة الحكم، وبين الملكية والجمهورية، وبين قطع الوعود والعهود ونقضها، وبين الازدهار الثقافي والسياسي والاقتصادي، والخراب الثقافي والسياسي والاقتصادي، وبين الوهم والحقيقة؟ كلها مُجرّد صياغات لغوية، بلا معنى إلا ما أراده الحاكم لها

لذا، يتجلى ما يحدث في الجزائر والسودان، وما تجلى في موجة الربيع الأولى، في أماكن مختلفة، وما سيتجلى في موجات لاحقة، كصراع على الحقيقة، ومحاولة لإعادة الاعتبار إلى العلاقة بين الواقع ولغة التعبير عنه. ولكي لا يجهلن أحد على أحد، فإن صراعاً كهذا قد انفتح، وينفتح، وسينفتح، على احتمال الحرب الأهلية، والمد والجزر في عملية تاريخية تبدو إجبارية، وقد تطول، زمنياً، أو تقصر. ولن تكون، بالتأكيد، بلا ثمن باهظ.

كل ما في الأمر: أن موجة الربيع المبارك مستمرة، بدليل الجزائر والسودان، وأن اللاحق منها يتعلّم مِنْ، ويستخلص، دروس السابق، كما يستخلص أعداؤها دروس وتكتيكات المجابهة والإجهاض، ويضعون على الطاولة ليبيا وسورية كوسيلتي إيضاح. ومع ذلك، ولذلك، ما يصلح لغيرنا يصلح لنا، بلا خصوصيات، ولا أعذار، ولا نعم ولكن. يبدو أن أحداً لا يُولد، بالفعل، إلا من رماده، كما عبّر أدونيس في يوم بعيد.