2019-02-12

من يحترف التحريض على الكراهية العنصرية؟

(2)

سعيد مضية

"الفلسطينيون يعلمون أبناءهم أن يكرهونا ونحن نعلم أحبب جارك"، جملة مرائية يلوكها حكام إسرائيل وترددها الدعاية الأميركية، وتكذب الحليفين الاستراتيجيين بصدد التحريض الفلسطيني تقرير صدر عن دراسة أجراها مجلس المؤسسات الدينية في الأراضي المقدسة، في شباط 2013. بين التقرير بعد طول تمحيص أن الكتب المدرسية الفلسطينية تخلو من كل أشكال التحريض السافر. اما الكتب الدراسية الإسرائيلية فليست بحاجة الى تمحيص؛ فهي طافحة بالتحريض العنصري. نظرة في مناهج التربية الإسرائيلية؛ فهي مكرهة سياسية وثقافية وتخريب للوجدان منذ مرحلة الطفولة.

التحريض على الكراهية لا يصيب الخصوم والأعداء إنما ترتد الكراهية المطبوعة على البيئة المحيطة تطبع العلاقات  الاجتماعية على الكراهية والحقد والأنانية. يغفل أنصار إسرائيل هذه المكرهة، بل يدبجون المقالات والأبحاث لنشر صورة عن إسرائيل المحاصرة بكراهية العرب.

ربما صدرت تصريحات وكتبت مقالات كارهة لإسرائيل؛ كراهية إسرائيل تغذية ارتجاعية لمارساتها العدائية للعرب؛ لم تظهر إسرائيل على مدى قرن من الزمان مشاعر تقبل لأهل البلاد الأصليين. إسرائيل لم تمسك يوما عن تدبير المجازر واستهداف الأطفال والشيوخ والنساء، وإسرائيل لا تكف عن اغتصاب الأراضي وتنكيد معيشة الفلسطينيين بشتى السبل. سياسات إسرائيل تجد الدعم المطلق من جانب جماهير اليهود نظرا لتربية ممنهجة على كراهية العرب وتجريف إنسانيتهم، والطعن في حقهم بوطنهم.

تفضح عنصرية إسرائيل مناهجها التعليمية وأساليب تنشئتها للأجيال. يغرس في الأطفال الزهو لكونه خُلق وسط "شعب الله المختار"، امتياز إلهي مصحوب بكراهية الأغيار واضطهادهم. يتلقى الأطفال على أيدي الحاخامات في مدارسهم، عبارة عن أرواح حيواناتٍ خُلقت في أجساد بشريةٍ من اجل خدمة ومتعة شعب الله المختار. كما يدرس الأطفال ان ارض الله الموعودة قد سرقها لصوصٌ كافرون (العرب والمسلمون) وان واجبه الديني يتطلب منه تحقيق رغبة الله بتطهير الأرض الموعودة من هؤلاء الكافرين وبناء هيكلٍ لهذا الإله. عُجنت الكتب الدراسية الإسرائيلية بفكرٍ صهيوني عسكريٍ متعصبٍ ملوث بصبغةٍ دينيةٍ مشوهة.

تمتلئ  المناهج الدينية والاجتماعية الإسرائيلية بتعصبٍ دينيٍ متطرف، وبتعالٍ اجتماعي على الأغيار. اذ تمتلئ كتبهم الدينية بقصص انبياء اليهود القدامى الذين، تبعاً لأوامر ربٍ قاتلٍ، يرسلون اليهود لاقتراف جرائم حربٍ ضد الاغيار، وحرب الأرض المحروقة تبيد الضرع والزرع. حكايات دوّنها في التوراة كتبة في القرن الخامس قبل الميلاد متشنجون جراء الوضع البائس لليهود في ذلك العصر، راحوا يفبركون ماضي الملك العظيم وانتصاراته؛ حملوا قيم ذلك العصر ومعاييره حقدا على الأقوام المجاورة، أكسبها المستشرقون قداسة مختلقة كي تكون منهاج عمل للجماعات المدعوة لإعادة الشرق تحت السيطرة الكولنيالية. أحقاد تدعو لإبادة البشر والبهائم وقطعان الماشية، وحرق المدن، قاطعين الأشجار المثمرة، ومدمرين المحاصيل الزراعية. وفي احيان كثيرة يهبط الرب من عليائه قاتلا يشارك في معارك إسرائيل. والحكاية الملفقة حول تدمير مدينة أريحا واستباحتها بقيادة يوشع ينسج على منوالها في العصر الحديث.

يتدخل جهاز المخابرات في امر تعيين المدرسين طبقا لاعتبارات سياسية، ويفرض رأيه لدى تعيين مدراء المدارس العربية. وهذا مجرد أحد مظاهر التدخل الأمني في التعليم منذ انهاء الحكم العسكري عام 1966. التمس مركز عدالة القانوني من المحكمة العليا إلغاء تدخل جهاز الأمن واستجابت المحكمة العليا دون أن يؤخذ بقرارها ، فتواصل التدخل الأمني.

يكشف مهزلة حب الجار التي تعلمها كتب المدارس الإسرائيلية للأطفال الإسرائيليين مؤلف البروفيسورة نوريت بيلد-  الحنان، ابنة الجنرال متتياهو بيلد، عضو هيئة الأركان إبان عدوان حزيران. استقال من الجيش إثر رفض اقتراحه باستغلال فرصة نصر حزيران للدخول في تسوية مع شعب فلسطين، والتنازل عن الأراضي المحتلة لإقامة دولة فلسطينية. رُفِض اقتراحه، وايقن ان إسرائيل ترفض السلام، تقدم احتلال الأرض على حب الجار. انضم الجنرال مع أسرته الى حركة السلام ودخل الانتخابات على قائمة السلام مع اوري أفنيري وكسب مقعدا بالكنيست. صرعت حفيدته في إحدى التفجيرات الاستشهادية، واتخذتها الجهات المسئولة مناسبة لتحريض الأسرة على الفلسطينيين وترك جبهة السلام؛ لكن ميكو بيلد، ابن الجنرال رد بان الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية هم المسئولون عن العنف الفلسطيني. وضع ميكو بيلد كتابا عن عنصرية إسرائيل، ووضعت الدكتورة نوريت، كتاب "فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل: الإيديولوجيا والدعاية في التربية والتعليم". الكتاب إضافة هامة إلى المكتبة الفلسطينية، لا يقل أهمية عن كتاب إيلان بابه (التطهير العرقي في فلسطين) او كتاب شلومو ساند(اختراع الشعب اليهودي) أو كتاب إيال وايزمن (مناطق محظورة).

" للكتاب تأثيرات مهمة  ليس على صعيد معرفي فحسب، بل وحول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من زوايا لم نعتد التوقف عندها، كاستخدام العلوم والحداثة في تصنيع ثقافة عنصرية رجعية ورأي عام يتبنى تلك الثقافة عن ظهر قلب". هذا ما كتبه الباحث الفلسطيني، مهند عبد الحميد، في عرض للكتاب نشرته مجلة قضايا إسرائيلية (عدد 49/2013). والكتاب "يسلط الضوء على الرفض الإسرائيلي للعملية السياسية والسلام مع الشعب الفلسطيني".

 تناولت الكاتبة بالدراسة والتحليل عشرة من كتب التاريخ التي تدرس في المدارس الإسرائيلية وستة كتب مدرسية تدرس في مادة الجغرافيا وكتابا في الدراسات المدنية ، وضع ضمن المنهاج الدراسي للطلبة اليهود والعرب في المرحلة الثانوية. نشر كتاب نوريت بيلد في الفترة 1996-2009.

  أوجز الكتاب أهداف المنهاج الدراسي في إسرائيل في بنود خمسة هي: نزع الشرعية عن الشعب الفلسطيني، تبرير التطهير العرقي وخلق مشكلة اللاجئين، وجغرافيا العداء والإقصاء وشرعنة المجازر الجماعية .

 الكتب التي تقصتها الباحثة تقدم الفلسطينيين جماعات سلبية متطرفة، وتنزع عنها السمات الإنسانية وشرعية الوجود في فلسطين. فالنعوت الملصقة بالفلسطيني (إرهابي لاجئ ومزارع بدائي، بدوي) ولا تنطوي على أي جانب ثقافي ؛ تغفل الأدب والعمارة والفن والتاريخ والزراعة وتطمس حياتهم على أرض وطنهم. تورد على سبيل المثال: وقعت هذه الأرض في أيدي المسلمين في القرن السابع، وهو ما ساهم في تشكيل ثقافتها وأسلوب حياتها على مدى 1300 عاما. ثم تمضي إلى القول: "الكتب تقدم الجنسية الفلسطينية على انها مزورة وخيالية ومصطنعة وتنكر أي دور للفلسطينيين في تطوير الحضارة  فوق الأرض الفلسطينية. وهذا مرادف لادعاء تجميد التاريخ الفلسطيني منذ "الهجرة القسرية لليهود". يتم النظر إلى الفلسطيني نظرة دونية  من أجل تكريس التعامل معهم كشيء ادنى وتحريم التفاعل معهم او الاعتراف بهم. الكتب تقدم العنصر العربي متخلفا حيال يهودي من طراز غربي، وتعرض الحداثة الإسرائيلية مقابل التخلف العربي: المستوطنة مقابل القرية ، بدائية الفلسطيني وانانيته  وتختفي الناصرة وعكا وأم الفحم داخل إسرائيل. إن هذا من شأنه أن يبرر المجازر الجماعية المقترفة

وبصدد التطهير العرقي تتناقض نصوص الكتب المدرسية مع ما جرى في الواقع. في السابق حملت مسئولية اللجوء الفلسطيني للدول العربية التي دعت الفلسطينيين إلى الهجرة؛ وحديثا شرعوا يتحدثون عن الطرد أثناء المعارك، بعد ان كشف المؤرخون الجدد عمليات الطرد بالقوة المسلحة: دفعت إسرائيل الى الحرب، ولم تنشب الحرب بفعل تدبير وتخطيط بدأ الإعداد لهما في عقد الثلاثينات. تم تبرير هدم القرى وشرعنة المجازر طالما كانت الغاية تهويد البلاد وضمان اغلبية يهودية. واللاجئون إحدى مآسي القدر  لا تتحمل إسرائيل مسئوليتها. التعبيرات اللغوية خدمت المنحى الإيديولوجي؛ فعودة المواطنين الفلسطينيين عمليات تسلل إرهابية، استحقت القتل . ( قتل ما بين 3000 و5000 متسلل، اعتبروا " إرهابيين").

 وتتجلى الكراهية العرقية بالمناهج في استخدام الوسائل البصرية لغرس أفكار التمييز في أذهان الناشئة. تعلم كتب الجغرافيا الطلبة اليهود النظر إلى أنفسهم على أنهم أسياد البلاد وتبرر كل ما  يفضي إلى هيمنة اليهود. الجغرافيا تقوم على قاعدة الأيديولوجيا الصهيونية - استعادة الوطن بعد ألفي عام من النفي. تطمس الحياة في غياب اليهود وتختزل الحقبة في بضع كلمات مقابل الإسهاب في فضائل الصهيونية. تقدم الكتب خرائط تستند إلى النص التوراتي لا تمت للواقع بصلة. الخرائط  ترسم حدودا مبهمة ما بين النيل والفرات، متجاهلة القانون الدولي و المواثيق الدولية. تتعامل الخرائط مع إسرائيل الكبرى الموعودة ككيان واحد مستندة إلى الشرعية الإلهية. خريطة القدس تخلو من آثار ثقافية فلسطينية. ولا يبرز في القدس سوى "جبل الهيكل" و"حائط المبكى". والنتيجة رفض الأجيال الاعتراف بالحدود الحالية والكيانات القائمة.

الحروب في المنهاج الدراسي مجرد معارك روتينية مشروعه بحكم النتائج التي أفضت إليها،وضحايا الحروب تعزى إلى عدم المعرفة والخطأ غير المقصود. بالطبع يتم إغفال العفو عن القتلة ومكافأتهم بالترقية والنقل الى وظائف حساسة. لا تذكر الكتب على سبيل المثال أن الضابط شيدمي، جزار كفر قاسم، غرم  بليرتين على قتل 47 مواطنا من البلدة. جرى تبرير الآلام النازلة بالفلسطينيين بالحيلولة دون "إنزال ألم اكبر بنا".

ينهي الطالب إعداده الإيديولوجي ويتوجه مباشرة إلى الخدمة العسكرية، وهو بأقصى درجات الشحن العاطفي المناهض للجمهور الفلسطيني؛ ويتوارث الجيل الناشئ عن السابق المفهوم النفعي "المنفعة هي المعيار الوحيد الذي يجب ان يوجه سلوكهم". يلقي النظام التعليمي الضوء على ديمقراطية دولة إسرائيل، الدولة "الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة" .

إلى جانب المدرسة تجري التعبئة العنصرية للأطفال من خلال قصص الأطفال. آلاف القصص في مكتبة الطفل اليهودي تحقنه بجرعات متتالية من الكراهية والبغضاء لكل ما هو عربي، وتؤكد الجهد المبرمج الذي يبذله مؤلفو أدب الأطفال في الكيان الإسرائيلي لتعزيز الصورة القبيحة للعربي وترسيخها في أذهان الأطفال اليهود الذين يكونون قد لقنوا دروسا بيتية ومدرسية ممنهجة في تميز النوع اليهودي وتفوقه على ما سواه.

إن نظرة الى كتب الأطفال في إسرائيل تظهر التطلع الى حروب مستدامة، تجعل من المستحيل إقامة علاقات حسن الجوار والتعاون مع العرب. من احتك باليهود يسمعون منهم عبارات تؤكد الصفة الثابتة للعربي التي حملها الإسرائيليون من الأدب الذي ترعرعوا عليه منذ طفولتهم؛ فهم يتعاملون مع العرب على أنهم مخلوقات عديمة القيمة والإنسانية.

(يتبع... الحلقة 3)