2019-01-12

في مواجهة تشابك "السلطة والثروة"- سيطرة قوى رأس المال على الحكومات:

مستقبل عالم العمل ومهام النقابات العُمّاليّة

النقابي/ جهاد عقل

قلب المعادلة!

أمام قضايا مستقبل سوق العمل وتوقع فقدان فرص العمل، أي فقدان الأمن التشغيلي، والأجر اللائق والحقوق والضمان الاجتماعي، هناك ضرورة مُلِحة لوضع برنامج نضالي وحدوي للنقابات العمالية عالميًا، من أجل مواجهة هذه المتغيرات الخطيرة، مبني على استراتيجية نقابية نضالية - عمالية راسخة، الا وهي مواجهة قلب المعادلة القائمة اليوم،  وهي تشابك "السلطة والثروة"،أي سيطرة قوى رأس المال على الحكومات من أجل تمرير سياساتها الاستغلالية وحصد الثروات والأرباح، على حساب الأكثرية الساحقة من المواطنين وفي محورهم الطبقة العاملة.

فقدان الأمن التشغيلي

تواجه النقابات العمالية العديد من المهام والقضايا المُتَعَلّقة بالمتغيرات اليومية التي تحدث في عالم العمل، والتي تؤثر سلبًا على حاضر ومستقبل العُمّال في مختلف المهن
من أبرز هذه المشاكل فُقدان الأَمن التَشغيلي أو الوظيفي، هذا إضافةً الى المُتَغيّرات المتواصلة في نوعيات المهن التشغيلية المتوفرة في سوق العمل المحلي والعالمي، وبشكل خاص فيما يتعلق بالمهن المعروضة - إن وجدت - للشبان من الخريجين الأكاديميين بمختلف تخصصاتهم، أو المهن للنساء ومختلف طالبي العمل في سن ما فوق الخمسين.

سبق وقامت منظمة العمل الدولية وفي شهر آب العام ٢٠١٧ بتشكيل"اللجنة العالمية لمستقبل العمل" تشمل خبراء وممثلين عن الحكومات والنقابات وأصحاب العمل، وأن تكون مهمتها بـ :"  أن تتولى هذه اللجنة مهمة إجراء دراسة معمقة لمستقبل العمل بحيث توفر قاعدة تحليلية لتحقيق العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين. وتركز اللجنة على العلاقة بين العمل والمجتمع، وعوائق خلق فرص عمل لائقة للجميع، وتنظيم العمل والإنتاج، والحوكمة في العمل." ومن المقرر أن تُقدم توصياتها – تقريرها في المؤتمر القادم للمنظمة في حزيران ٢٠١٩ وهو مؤتمر الذكرى المئوية لتأسيس المنظمة.

٥٩٪ من العاملين في العالم لا يكفيهم الأحر لسد تكاليف المعيشة

من جهة ثانية وضمن مؤتمره الرابع الذي عُقد مطلع الشهر الماضي، أجرى الاتحاد الدولي للنقابات العمالية استطلاعا عماليا تناول قضايا الأجور والامن الوظيفي والثقة في السياسة والديمقراطية،  شمل مشاركين من العاملين في١٤ دولة من مختلف القارات ومنها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرازيل والمغرب والهند وغيرها، اتضح من هذا الاستطلاع أن عاملا من كل أربعة عمال يعتقد أن عمله غير آمن، أي أن ٢٥٪ من العمال لا يشعرون بأمن تشغيلي، لكن المُعطى الآخر كشف حقيقة مؤلمة وهي أنّ ٥٩٪ من العاملين أكدوا أن أجرهم لا يكفي لتغطية متطلباتهم وحاجياتهم الأساسية بسبب الغلاء وغالبًا ما يضطرون للحصول على ديون لتغطية  حاجياتهم.

أما بخصوص موضوع السياسة والديمقراطية وتأثير مشاركتهم بالإنتخابات فقد أكد ٣٧٪ منهم فقط بأنه يشعر بأهمية ممارسته الانتخابات، أي أن ٦٣٪ لا يعتقدون أن هناك أهمية أو تأثير لصوتهم في الموضوع الانتخابي - السياسي، وهنا يتضح أن هناك مهمة للنقابات في تغيير هذا المزاج للتأثير على شكل السلطة وسياستها خاصة في القضية التي نحن بصددها،الا وهي فرص العمل والسياسة الاقتصادية الإجتماعية والتشغيلية لصالح الطبقه العاملة.

مستقبل رمادي بحاجة لنهضة نضالية

وفق الأكثرية من الدراسات المتعلقة في مجال سوق العمل العالمي ومستقبله تظهر نتائج،أقل ما يُقال عنها بأنها تُثير القلق الشديد بل رمادية المعنى إن لم تَكُن سوداوية. ويكفي أن نذكر هنا جزءا من التوقعات لمنظمة العمل الدولية، التي تتحدث اليوم أنّ عدد "الوافدين الجدد الى سوق العمل في إزدياد... وحاليًا يدخل ما يقارب الأربعين مليون شخص سوق العمل كل سنة،وبحلول العام ٢٠٣٠ سيحتاج الاقتصاد العالمي الى ما يقارب ٥٢ مليون وظيفة"، لكن هذا الرقم يعتبر منقوصًا، لأنه لا يعكس الارتفاع المتوقع في مشاركة اليد العاملة من النساء والعمال الأكبر سنًا وتدفقات الهجرة، كما لا يأخذ بعين الاعتبار قضية بطالة الشباب في سوق العمل العالمي والتي تبلغ اليوم أكثر من ٧١ مليون شاب عاطل عن العمل، مما يؤكد أن متطلبات سوق العمل لوظائف جديدة هي أعلى بكثير من التوقعات الرسمية المذكورة في وثيقة منظمة العمل الدولية.

تأثير الثورة الرقمية والعالم الافتراضي

في ظل هيمنة ما يُسمى بـ "الثورة الصناعية الرابعة" التي تعني تعاظم التطور التكنولوجي المعرفي والرقمي والعالم الافتراضي، وتطوير صناعة الروبوتات ودورها في الصناعة والخدمات، وهنا يحاول البعض القول بأن هذه "الثورة" قد تؤدي لإيجاد فرص عمل جديدة، لكن الأكثرية من الباحثين تؤكد بأن الثورة الصناعية الرابعة:" قد تؤدي الى انعدام مساواة أكبر،خاصة مع قابليتها لإحداث خلل جسيم في سوق العمل، فاستبدال التشغيل الآلي بالعمل في كل المناحي الاقتصادية يتسع بين العائد على رأس المال والعائد على العمل". ولا بد أن نذكر هنا ما توقعه د. إيان بيرسون المتخصص في موضوع التكنولوجيا بأن عدد الروبوتات يرتفع من ٥٧ مليونا اليوم الى ٩,٤ مليار روبوت خلال السنوات  الثلاثين المقبلة، والسؤال الذي يطرح نفسه،يا ترى على حساب من سيكون ذلك ؟ أليس على حساب فرص العمل والمهن والوظائف التي يقوم بها عمال؟

مهام نضالية للحركة النقابية

على النقابات العمالية محليًا وعالميًا، ألّا تنتظر نتائج واستنتاجات "اللجان" فيكفي نتائج الاستطلاع الذي ذكرناه أعلاه، ومختلف الدراسات الصادرة بخصوص الأخطار الكامنة لكل ما يتعلق بمستقبل سوق العمل وتوقع فقدان فرص العمل،أي فقدان الأمن التشغيلي، والأجر اللائق والحقوق والضمان الاجتماعي، هناك ضرورة مُلِحة لوضع برنامج نضالي وحدوي للنقابات العمالية عالميًا، من أجل مواجهة هذه المتغيرات الخطيرة، مبني على استراتيجية نقابية نضالية - عمالية راسخة، الا وهي قلب المعادلة القائمة اليوم،  وهي تشابك "السلطة والثروة"،أي سيطرة قوى رأس المال على الحكومات من أجل تمرير سياساتها الاستغلالية وحصد الثروات والأرباح، على حساب الأكثرية الساحقة من المواطنين وفي محورهم الطبقة العاملة

هذا الحراك النضالي الوحدوي، في حال تركيزه (وفق ما نشاهده في فرنسا اليوم) وتجنيد مختلف الشرائح من المواطنين، ورفع الوعي لدى جمهور العاملين بضرورة أخذ دورهم الواسع بالمشاركة في العملية السياسية ومنها الانتخابات والالتفاف حول قوى سياسية تطرح برامج مناهضة لما هو قائم اليوم، تستطيع تغيير النمط السياسي - الاقتصادي المُسيطر اليوم، الا وهو النمط النيوليبرالي الاستغلالي للطبقة العاملة وذلك حماية لحاضر ومستقبل  العاملين في جميع أنحاء العالم.