2019-01-09

 من الذاكرة (3)

من الذاكرة.. سلسلة مقالات هامة، يتناول فيها الكاتب الرفيق طلعت الصفدي، محطات من التجربة السياسية والكفاحية للانتفاضة الشعبية الكبرى التي انطلقت نهاية العام 1987، ينشرها موقع (حشف) على حلقات - المحرر.

* طلعت الصفدي

بعد الافراج عنا مساء يوم الجمعة 18 ديسمبر 1987 من المجلس التشريعي، كان في انتظارنا بعيدا عن التشريعي  مجموعة من الرفاق، وقد أبلغني بعضهم، أن أخي ورفيقي طلال الصفدي والرفيق المرحوم محمد الغرباوي يرقدان في مستشفى دار الشفاء في قسم العظام مع مجموعة كبيرة من رفاقنا وأصدقاءنا، وهم مصابون بكسور وجراح مختلفة... ولأن المستشفى ليس ببعيد عن مقر المجلس التشريعي، ولا توجد سيارات، فقد تحركنا مشيا على الاقدام حتى وصلنا الى المستشفى.. وهناك وجدنا العشرات من الجرحى، وهم على الأسرة مصابون بكسور، وبعضهم ملفوفة أياديهم وأرجلهم بالجبس، وكسور في انحاء مختلفة من الجسم، مع رضوض وكدمات بأجسادهم جراء الضرب المبرح التي مارسها جنود الاحتلال، لقمع مسيرتهم وانتفاضتهم ولتفريقهم...

اتخذت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب - حالياَ) قرارا بالقيام بالمظاهرات والاحتجاجات، تعبيرا عن رفضهم للاحتلال وللمجزرة المتعمدة، وبالمشاركة في كل الاحتجاجات والمسيرات، لتحويلها الى قضية سياسية. تحركت القيادات في كل قطاع غزة لتنفيذ المهمة، وكل منطقة تقوم بحشد الرفاق والأصدقاء والجماهير، للاشتباك مع جنود الاحتلال، وتوزيع البيانات التي يصدرها الحزب، وكان البيان الاول الذي اصدره الحزب باسم (القوى الوطنية بقطاع غزة) لإعطاء انطباع للجماهير المنتفضة، بان الكل الوطني مشارك في الانتفاضة. تحركت القيادة الميدانية في مدينة غزة وحددوا التجمع في مخيم الشاطئ أمام مسجد المجادلة القريب من مستشفى دار الشفاء.

وجمعوا الأعلام الفلسطينية والرايات وتم تخبئتها بالقرب من احدى الحاويات. تجمعت القيادات امام المسجد، وكانت مجموعة كبيرة من الرفاق محمد الهبيل محمد الغرباوي طلال الصفدي محمد جرادة منير يونس احمد حماد ناصر البطراوي جميل جرس حسين ثابت طلال الهنداوي زياد عيسى عصام نصر ناصر الفار سمير السلفيتي عماد نصر عماد المصري ماهر نصر رمضان عنبر عدنان الحجار ناهض ابو وطفة احمد عنبر وائل الصرافيتي احمد شعبان هاشم البرقوني، والمئات من الرفاق الآخرين.

بدأنا بالهتافات بعد خروج المصلين من جامع المجادلة الذين شاركوا في المسيرة، وتحركت المسيرة وشارك فيها عضوي اللجنة المركزية الرفيقين سمير البرقوني وفضل البورنو والقيادي عبد الهادي ابو خوصة حتى وصلت الى مستشفى دار الشفاء حيث المعارك والمواجهات ضد جنود الاحتلال، وبدأوا بإلقاء الحجارة على الجنود، وإشعال الكاوتشوك والقاء المولوتوف عليهم وحاول جنود الاحتلال اقتحام المستشفى، ومحاولة القاء القبض على بعض الجرحى لكن ضراوة الاشتباكات منعتهم فحاولوا دخول المستشفى من الجهة الغربية الخلفية لها.

وحسبما يذكر الرفيق ناصر الفار المشارك فيها أنها "كانت اول مسيرة انطلقت من جامع المجادلة بمخيم الشاطئ  يوم الجمعة 18 ديسمبر 1987. واستشهد ثلاث شهداء يومها أذكر منهم شهيد من عائلة أبو سخيلة نتيجة عيار نارى بالرأس أمام البوابة الرئيسية للمستشفى، وكان هناك ضرب كثيف لزجاجات المولوتوف على جنود الاحتلال من  الناحية الشرقية الجنوبية للمستشفى. ويشير الى استبسال الطواقم الطبية في الدفاع عن المتظاهرين لدرجة وزعوا علينا روب التمريض (وبدا بعدها مستشفى الشفاء مليء بالممرضين ... طبعا حتى يخدعوا جنود الاحتلال ولا يتعرف عليهم) وكان يوما عصيبا،  تم بعد المظاهرة فرض طوق مشدد على المستشفى وكان يتمركز حول كل زاوية من زواياه قوة من جنود الاحتلال وجيبات جيش الاحتلال بكثافة تطوف في الطرق المحيطة بالمستشفى، مما اضطر البعض للاختباء في الحاويات حتى لا يراه الجنود بعد اقتحامهم المستشفى" .

وعندما حاول الرفيق طلال الصفدي الخروج من المستشفى، وبالقرب من موتور المياه، شاهد تحرك الجيش ومحاولته دخول المستشفى، فأسرع طلال لإبلاغ الرفاق وتحذيرهم، ولما شاهده الجنود حاول بعضهم اللحاق به إلا انه اضطر لدخول احدى غرف المستشفى، وتفاجأ بوجود مجموعة من الرفاق، فخرج طلال من الغرفة متوجها الى الجيش، فأمسكه الجنود وأشبعوه ضربا في كل انحاء جسده حتى أوصلوه الى بوابة المستشفى شرقا، وحمله بعض الجنود وقذفوه فوق عجلات الكاوتشوك الملتهبة، إلا ان احد الضباط الاسرائيليين ابلغهم بتركه .حاول بعض الجنود تغطية رأسه ووجهه بملابسه مع استمرار ضربه .. إلا ان الدكتور محمد سلامة توجه من داخل المستشفى مسرعا لإنقاذه من الموت، فقاموا بالاعتداء عليه، وعلى احدى الممرضات مما تسبب بكسور في يدها .. وبعد محاولات عديدة تم تخليصه من الجنود، ونقله فورا الى قسم العظام بالمستشفى مع مجموعة من الرفاق منهم الرفيق محمد الغرباوي، وتبين بعد الفحوصات وصور الاشعة بعد انتظاره يومين من كسور في صدره ورجله ويده بالإضافة الى الكدمات المختلفة في انحاء جسده، وتم اعتقاله لاحقا لمدة 6 شهور اداري حيث نقل الى معتقل "كيتسعوت" الصحراوي.

(يتبع.. الحلقة الرابعة)

* عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني