2019-01-08

من الذاكرة (2)

 من الذاكرة.. سلسلة مقالات هامة، يتناول فيها الكاتب الرفيق طلعت الصفدي، محطات من التجربة السياسية والكفاحية للانتفاضة الشعبية الكبرى التي انطلقت نهاية العام 1987، ينشرها موقع (حشف) على حلقات - المحرر.

* طلعت الصفدي

قبل يوم الاثنين 7 ديسمبر 1987 كان قطاع غزة يعيش على بركان ملتهب وانفجار قادم دون أن يراه الاكثرية الساحقة من السياسيين والقوى الوطنية، خصوصا مع تصاعد ارهاب جنود الاحتلال اصحاب الطواقي الحمراء وممارساتهم الارهابية وملاحقة الشباب في كل مكان في الشوارع الرئيسية وفي الازقة يتمخطرون بمجموعات وأصابعهم على زناد بنادقهم استعدادا لانطلاق رصاصاتهم الحاقدة ..ايقاف المواطنين ضرب الشباب تفتيش كل شيء قذف محتويات حقائبهم حتى المدرسية على الارض مما اجبر المواطنين على البحث عن طرق التفافية لعدم اعطاء جند الاحتلال الفرصة لارهابهم وتعطيل حركتهم .. إذلال قهر .. تعديات.. تفتيش خلع ملابس الشباب وحتى العجائز.. الاعتداء بالضرب في كل مكان .. اسلحتهم مصوبة نحو المواطنين تحسبا لانفلات بعض الشباب لشعوره بالظلم وتعاملهم الوحشي معهم.. تراهم في كل الشوارع والأزقة والحارات حتى دخولهم للمحلات والأسواق مما يضطر اصحابها لأغلاقها حتى ينزاحوا من وجوههم ..

وكان الحدث الكبير يوم الثلاثاء 8 ديسمبر 1987 الذي استشهد فيه مجموعة من عمالنا البواسل وجرح اخرين داخل اراضي 48 .. حيث انتشر خبر استشهاد العمال والجرحى كالنار في الهشيم وراجت الاخبار المتضاربة إلا من خبر ان الحادث متعمد لقتل العمال الفلسطينيين الذين سرحوا قبل الصباح بحثا عن لقمة خبز وكرامة عيش .. تحرك الاهالي الاباء والأمهات والأبناء جماعات جماعات وتوجهوا الى مستشفى دار الشفاء بغزة بعضهم حفاة وبعضهم مشيا على الاقدام وكنت ترى السيارات ممتلئة بالمواطنين يسألون عن ابنائهم بلهفة ودموع بعضهم تتساقط تحسبا لخبر مؤلم عن مصير ابنائهم ..

لقد تأكد من من بقي حيا من الحادث الاجرامي ان الحادث متعمد ومقصود ..وكان من نتائجه استشهاد 4 عمال وإصابة 10 اخرين بجروح مختلفة.. وأسماء الشهداء هم:
1 شعبان سعيد نبهان 26 عاما من بادة جباليا

2 عصام محمد حمودة 20 عاما من بلدة جباليا

3 طالب محمد ابو زايد 41 عاما من مخيم المغازي

4 علي يونس 25 عاما من دير البلح

وقد تم نقل الشهداء والجرحى الى مستشفى الشفاء .. وفي المساء تم تشييع جثامين الشهداء بعد ان طاف الشبان بالجثامين داخل جباليا البلد والى مخيم جباليا ثم توجهوا الى مقر الحاكم العسكري حيث دارت الاشتباكات العنيفة مع الجيش وبرشق الحجارة على جنود الاحتلال وبدأ الجيش بإطلاق النار حتى ساعات الصباح..وفي الصباح تجمع الالاف من قطاع غزة وتجددت المواجهات مع الجنود فاستشهد الشاب من مخيم جباليا الشهيد حاتم السيسي فكان الشهيد الأول للانتفاضة الكبرى عام 1987 .

ومن اليوم الاول صدرت التعليمات لكل رفاق الحزب الشيوعي الفلسطيني - حزب الشعب الفلسطيني/ حالياَ- بالتحرك والمشاركة الفعلية في المظاهرات والمسيرات في كل قطاع غزة وأصدر الحزب 4 بيانات باسم اتحاد القوى الوطنية في الاسبوعين الاولين من الانتفاضة الفلسطينية وبهدف تحويلها الى نضال وطني ..وهنا لا بد من التأكيد على رفضنا المطلق لمحاولة تجيير الانتفاضة لمصلحة فئوية او حزبية.

 فالانتفاضة الشعبية عفوية ومحاولة سلب الانتفاضة كونها تعبيرا عن البيئة الحقيقية التي ادت لتفجرها وواقع الجماهير في القطاع وتعرضها لكل اشكال القهر والإذلال والقتل المتعمد، او انها جاءت تعبيرا عن اوامر من الخارج او محاولة تهميش القوى الوطنية الاخرى مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب الفلسطيني) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكذلك الجبهة الديمقراطية وبعض الشخصيات وما حدث قبلها من اشتباكات مسلحة وعنف الاحتلال للرد عليها..

ليلة الجمعة الموافق 17 ديسمبر 1987 فوجئت بدق بيتي في حي الدرج قبل نهاية يوم الخميس .. فتوقعت أن يكون خفافيش الظلام الاحتلالي قد حضروا لاعتقالي فلبست ملابسي الثقيلة تحسبا لمواجهة برودة الطقس وأعطيت زوجتي النقود وقلت لها ديري بالك على الاولاد .. وأسرعت مع سرعة دق الباب الى الباب لفتحه..

فوجئت بشرطي من غزة وبادرني قبل ان أتحدث معه: انا اسف لحضوري ولكن جاءني أمر ان ابلغك بالحضور الساعة التاسعة غدا الجمعة صباحا الى مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي – كان في المجلس التشريعي الحالي.

وفي الصباح أبلغت الرفيق ابو عماد ابو العطا بذلك وذهبت الى المكان المحدد .. وكان أمام المجلس التشريعي آنذاك، معرش مسقوف بالواح الزينكو وأسفله مجموعة من البنوك الخشبية يجلس عليها اما المطلوبين او من له موضوع ما .. وجلست على احد هذه المقاعد الخشبية التي امتلأت بالمواطنين وكان من بينهم الرفيق المرحوم توفيق المبحوح ..

وبعد نصف ساعة حضر الحاكم العسكري وبدأ بالسؤال عن اسم كل واحد من الجالسين .. ما اسمك؟؟ ثم ينتقل الى غيره وهكذا. ولما وصل اسم الرفيق توفيق المبحوح من مخيم جباليا الثورة، قال له: قف في مكان عينه ثم تابع حتى وصل الى وقال: ما اسمك فقلت له اسمي طلعت الصفدي فقال لي قف بجانبه وأنت محمد الهبيل ووصل العدد الى 4 اشخاص، ثم قال اتبعوني الى المقر وكنت اول مرة ادخل لهذا المبنى، ثم طلب منا الجلوس على الكراسي وهي من النوع الضيق لابد ان تضغط عليه حتى تجلس وعندما تقوم تعود لوحدها الى الخلف..

وانتظرنا حتى قدم الحاكم العسكري وبدأ بالقول: انتم المحرضون وانتم وراء ما يحدث وانتم تتحملون المسئولية وانتم وانتم وانتم...الخ. فنظرت الى رفيقي توفيق المبحوح وعندها رفعت يدي وقلت للحاكم: لقد احضرتنا من بيوتنا ولم نقم بأي عمل لا نرجم حجرا ولم تعتقلنا في مظاهرة، وتتهمنا بالتحريض، لكنني اقول لك انني اعرف المحرضين. فابتسم وبان السرور على وجهه وانتظر مني الجواب وقال مباشرة قل لي من هو المحرض: وكان جوابي الذي نزل كالصاعقة عليه انت المحرض فتراجع الى الخلف وقال كيف؟؟ قلت له انت لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية.. انت لا تعترف بالشعب الفلسطيني وبحقوقه.. الخ.

وفي نفس اللحظة بدأ الهجوم على الحاكم من الرفيق توفيق المبحوح والآخرين .. وفي أثناء المجادله وصله تليفون يخبره ان هناك مظاهرات ومسيرات قادمة من جامع المجادلة بمخيم الشاطيء ومن الشيخ رضوان ومن حي الرمال والنصر والميناء ومتوجه الى مستشفى دار الشفاء، فتركنا وتحرك وتوجه مع جنود الاحتلال لمحاصرة المظاهرات، وحسب ما ابلغني الرفيق محمد الهبيل فقد قلت للحاكم العسكري (كمل مجزرتك). ويومها جرى الافراج عنا بعد العصر..

(يتبع.. الحلقة الثالثة)

* عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني