2018-12-24

فلسطين في ظل مشاريع تقسيم العالم العربي

بين الأمس والحاضر

نعيم ناصر

"حتى أولئك الذين يتذمرون من مخططات الأعداء، يفعلون ذلك بناءً على أوهام يتخيلونها وأساطير يتداولونها، وليس على أساس معرفي علمي.  لذلك يحبذ الخبراء الصهاينة نشر استراتيجياتهم المستقبلية علناً لتوعية أكبر عدد ممكن من اليهود والإسرائيليين دون أدنى قلق من اطلاع العرب عليها. فامكانية تصدي حكوماتهم لتلك الخطط، ازاء معرفتهم بها شبه معروفة". (اسرائيل شاحاك، رئيس الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان السابق، والأستاذ السابق في الجامعة العبرية).

شهد بعض دول العالم العربي، بعد ما سمي بالربيع العربي، صراعات دموية، وحروب طائفية قائمة على أسس مذهبية نتج عنها مئات آلاف الضحايا وتشريد الملايين من سكانها. وقد ترافقت هذه المأساة مع الإفصاح عن وجود مخططات استعمارية جديدة ضمن مسميات "الشرق الأوسط الجديد" و"النظام العالمي الجديد" و"الشرق الأوسط الكبير".  عدا تلك التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من مئة عام.

ومعروف أن الدول الإستعمارية، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، عمدت عقب الحرب العالمية الأولى وهزيمة المانيا وتركيا، إلى تقسيم العالم العربي إلى دول بهدف استعمارها والسيطرة على ثرواتها الطبيعية، التي تم الكشف عنه بعد نجاح ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا العام 1917 وتضمنته اتفاقية "سايكس بيكو" (1916).  وقد تقاسم النفوذ الإستعماري فيه بريطانيا وفرنسا، كما هو معروف، حيث خضعت فلسطين بموجبها للإستعمار البريطاني.

تم هذا في الوقت الذي نشطت فيه الحركة الصهيونية، وأفصحت عن مخططاتها لإقامة دولة لليهود في فلسطين. ولأجل هذا الغرض تواطأت مع بريطانيا، التي اتخذت موقفاً رافضاً تجاه هجرات اليهود من روسيا ودول شرق أوروبا الذين تعرضوا فيها إلى مذابح دفعتهم لمغادرة بلدانهم الأصلية واللجوء إلى دول أوروبية عديدة لم تكن راغبة باستقبالهم، ومن جملتهم بريطانيا.  ولم يكن صدفة الإعلان عن وعد وزير الخارجية البريطانية "بلفور" في العام 1917، الذي عرف عنه معاداته للسامية، عموماً، ولليهود خصوصاً، الذي منح فلسطين للحركة الصهيونية لإقامة دولة إسرائيل عليها.

ووعد بلفور لم يكن بعيداً عن الذهنية الأوروبية، وانما سبقته أفكار ودعوات عديدة دعت إلى نقل يهود أوروبا إلى فلسطين. فبحسب الوثائق البريطانية التي تعود الى القرن الثامن عشر، فإن اللورد بالمرستون (1784 – 1865) وزير الخارجية، ومن ثم رئيس الوزراء قد بدأ يتبنى بصورة صريحة هذه الفكرة (إقامة دولة لليهود في فلسطين) بعد نجاح الضغط البريطاني والأوروبي، عموماً، بإجبار الجيوش المصرية التابعة لوالي مصر محمد علي على الإنسحاب من بلاد الشام. ففي شهر آب (أغسطس) 1840 بعث بالمرستون إلى سفيره في اسطنبول اللورد بونسوبني بتعليمات جاء فيها: "عليك أن تقنع السلطان (العثماني) وحاشيته بأن الحكومة الإنجليزية ترى أن الوقت أصبح مناسباً لفتح أبواب فلسطين أمام هجرة اليهود إليها. لقد حان الوقت لكي يعود هذا الشعب المشرد إلى أرضه التاريخية".(1) ومن الدعوات أيضاً دعوة امبراطور فرنسا نابليون بونابرت، أثناء غزوه لفلسطين في العام 1798، إلى انشاء وطن لليهود في فلسطين، وقال موجهاً خطابه ليهود فرنسا: "أيها الإسرائيليون، أيتها الأمة الفريدة .. فرنسا تقدم لكم ورثة آبائكم (فلسطين) استعيدوا ما أخذ منكم بالقوة ودافعوا عنها بدعم من فرنسا وبمساعدتها"(2). 

وفي العام 1838 أطلق اللورد البريطاني "أشلي" دعوة لجمع اليهود في أرض فلسطين، كخطوة أولى نحو تنصيرهم، على اعتبار أن استعمار فلسطين أصبح ضرورة للإقتصاد البريطاني الذي شهد في حينه ازدهاراً وتوسعاً نتيجة للثورة الصناعية(3).

وعقب قيام اسرائيل في العام 1948، وتشريد الغالبية العظمى من السكان الفلسطينيين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وإلى كل من الأردن وسورية ولبنان، وضعت الدولة العبرية نصب أعينها احتلال ما تبقى من فلسطين، وهو ما تم لها في حرب حزيران 1967 بعد هزيمة جيوش مصر وسورية والأردن، في انتهاك واضح وصريح لكافة الأعراف والمواثيق الدولية. وها هي اسرائيل تحث الخطى في هذه الأيام لضم الضفة الغربية اليها، بعد أن وضعت يدها على القدس الشرقية وضمتها اليها في أواخر شهر حزيران 1967، واعتراف الولايات المتحدة مؤخراً بالقدس عاصمة لإسرائيل ليكتمل حلم الحركة الصهيونية في الإستيلاء الكامل على ثلاثة أرباع أرض فلسطين التاريخية، وترك قطاع غزة لتقام عليه دولة فلسطينية. ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل عملت، وما زالت تعمل، لمدّ نفوذها على ما يحيط بها من دول الإقليم، في محاولة منها لإضعافها والمساهمة بتقسيمها، بتواطئ الولايات المتحدة الأمريكية، إلى دويلات، مستغلتين التباين الديني والمذهبي والقومي فيها.

وقد تعددت الخطط الإسرائيلية والأمريكية لتحقيق هذا الهدف، فمنها من نجحتا في تحقيقه مثل فصل جنوب السودان عن شماله، ومنها من فشلتا في ذلك حتى الآن، كمحاولة تقسيم لبنان إلى كيانات طائفية، وفصل كردستان عن العراق واقامة دولة للأكراد في شماله.

وهنا أبرز مخططات التقسيم الإسرائيلية والأمريكية التي اميط اللثام عنها وتناولتها مراكز الدراسات ووسائل الإعلام المختلفة.

مخططات التقسيم الصهيونية الإسرائيلية 

لم تغب هذه المخططات عن ذهن الحركة الصهيونية، وبالتالي عن اسرائيل لاحقاً لتحقيق أهدافهما الإستعمارية، والتي أتى في مقدمتها أولاً طرد الفلسطينيين من وطنهم واغتصاب أرضهم وحقوقهم، وثانياً شن حروب عدوانية توسعية في الشرق الأوسط هدفها تفتيت كيان الدول العربية والإسلامية إلى كيانات متنابذة من أجل ضمان بقائها كقوة استعمارية في المنطقة.

وكان أبرز هذه المخططات التي اعتمدتها الحركة الصهيونية، قبل قيام دولة اسرائيل، مخطط "جابوتزكي" الذي عُرف باسم "الكومنولث العبري" الذي ظهر في العام 1937، وهدف إلى حث الخطى لإقامة دولة إسرائيل في أرض فلسطين وتقسيم الدول المحيطة بها إلى دويلات بخصائص عرقية وطائفية ومذهبية مرتبطة اقتصاديأ وسياسياً وأمنياً بالدولة العبرية(4).

وبعد قيام اسرائيل ظهر مخطط "البنجوري" في العام 1957، وهدف إلى تقسيم لبنان إلى كنتونات عديدة، تخضع بيروت بموجبه للوصاية الدولية، ثم إقامة خمسة كنتونات: للدروز وللمسيحين وللمسلمين السنة وللمسلمين الشيعة وللفلسطينيين (5).  وبعد حرب تشرين أول (اكتوبر) 1973 بعام، قرأنا عن مخطط وضعه الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ومدير مكتب رئيس وزراء اسرائيل المتوفي مناحيم بيغن، "عرويد بنيون"، تضمن إعادة احتلال صحراء سيناء وثلاث مدن تقع على الضفة الغربية لقناة السويس هي: السويس وبورسعيد والإسماعيلية، ثم تقسيم باقي مصر إلى ثلاث دويلات: الأولى دولة إسلامية تمتد من شرق الدلتا إلى المنيا وعاصمتها القاهرة، والثانية دولة مسيحية تمتد من غرب الدلتا إلى مطروح ووادي النطرون وعاصمتها الأسكندرية، والثالثة دولة النوبة وتمتد من اسيوط جنوباً الى جزء من شمال السودان.

وهدف المخطط أيضا إلى تقسيم السودان إلى شمال مسلم وجنوب مسيحي.  كما تضمن تقسيم العراق إلى دولة كردية وأخرى سنية وثالثة شيعية.  وبخصوص سورية هدف المخطط إلى تقسيمها الى دويلة علوية في منطقة الساحل، واخرى سنية في دمشق وحلب، وثالثة درزية في الجنوب.

ولم تسلم المغرب من هذا المخطط أيضاً فقد نص على تقسيمها إلى دويلة للأمازيغ تضم جزءاً من ليبيا والصحراء الكبرى، ودويلة الصحراء الغربية المتنازع على أراضيها بين المغرب والجزائر(6).

مع كل ما تقدم يبقى مفهوم اسرائيل الكبرى هدف الصهيونية السياسية الدائم،  وهو ما قصده الجنرال الإسرائيلي السابق "غازيت" والرئيس السابق لجامعة بن غوريون في بئر السبع، وهو يستعرض الغايات الجوهرية الكامنة وراء الصراع العربي الإسرائيلي بقوله: "يجب أن تكون أرض إسرائيل ذات يوم وبمجموعها تحت السيطرة الإسرائيلية، بل ومندمجة في الدولة اليهودية، وعلى اسرائيل أن تقر بالضرورة الملحة لحل جذري لمشكلة الوجود العربي فوق الأرض التاريخية العائدة لإسرائيل"(7).  وهذا يعني طرد العرب من فلسطين ثم تفتيت الدول العربية، كونهما جناحي المشروع الصهيوني.

وهذا الهدف عبرت عنه بوضوح مجلة "كيفونيم" الناطقة باسم الحركة الصهيونية العالمية في القدس. ففي عددها رقم 14 الصادر بتاريخ  14/2/1982، نشرت مخططاً حمل عنوان: "اسرائيل الكبرى" تضمن استراتيجية إسرائيل تجاه المنطقة العربية ننقله حرفياً لأهميته الكبيرة كونه يجمل كل ما يدور في أذهان قادة الكيان الإسرائيلي والحركة الصهيونية:

"استرداد سيناء، بمواردها الحالية هو هدفنا الأولي، وعلينا أن نعمل على استعادتها.  إن وضع مصر الإقتصادي، وطبيعة نظامها، وسياستها العربية هي قنوات تصب في نقطة واحدة تستدعي من اسرائيل مواجهتها. ومصر، بحكم أزمتها الداخلية، لم تعد تمثل بالنسبة لنا مشكلة استراتيجية، وسيكون بالإمكان، خلال 24 ساعة فقط ،  إعادتها إلى ما كانت عليه قبل حرب يونيو (حزيران) 1967، فقد تلاشى تماماً وهمها بزعامة مصر للعالم العربي.  وقد خسرت في مواجهة إسرائيل خمسين بالمائة من قوتها.  وإذا هي استطاعت الإفادة - في المستقبل المنظور - من استعادتها لسيناء، فإن ذلك لن يغير في ميزان القوى شيئاً.  كذلك فقد فقدت تمسكها ومركزيتها، وخاصة بعد تفاقم حدة الإحتكاك بين مسلميها ومسيحييها، لذا ينبغي علينا كهدفنا السياسي الأساسي بعد التسعينات، على الجبهة الغربية، أن نعمل على تقسيم مصر وتفتيتها إلى اقاليم جغرافية متفرقة. وعندما تصبح مصر هكذا مجزأة، وبدون سلطة مركزية سنعمل على تفكيك كيانات دول اسلامية أخرى كليبيا والسودان وغيرهما، ونعمل على تشكيل دولة قبطية في أعالي مصر، وإقامة كيانات اقليمية انفصالية ضعيفة أخرى في كل البلدان الإسلامية، مما سيبدأ به تطور تاريخي حتمي على المدى الطويل رغم الظواهر.  والمشاكل القائمة في الجبهة الغربية حاليا، تقل كثيراً عن مثيلاتها في الجبهة الشرقية.  إن تقسيم لبنان إلى خمسة أقاليم، سيكون مقدمة لما سيحدث في مختلف أرجاء العالم العربي.  وتفتيت سوريا والعراق إلى مناطق محددة على أسس المعايير العرقية أو الدينية يجب أن يكون على المدى البعيد هدفاً أولوياً لإسرائيل، علماً بأن المرحلة الأولى منه تتمثل في تحطيم القوة العسكرية لدى هاتين الدولتين."

"إن البنية الطائفية لسوريا ستساعدنا على تفكيكها، يمكن إلى دولة شيعية على طول الساحل الغربي، ودولة سنية في منطقة حلب، واخرى في دمشق، وكيان درزي سيقاتل بدعمنا لتشكيل دولة إنفصالية - بالجولان- من حوران وشمالي المملكة الأردنية. ودولة كهذه من شأنها أن تكون - على المدى البعيد - قوة لنا.  وتحقيق هذا الهدف هو في متناول ايدينا. والعراق - الغني بنفطه والفريسة للصراعات الداخلية - هو في مرمى التسديد الإسرائيلي. وانهياره سيكون - بالنسبة الينا - أهم من انهيار سوريا، لأن العراق يمثل أقوى تهديد لإسرائيل، في المدى المنظور. واندلاع حرب بينه وبين سوريا سيسهل انهياره الداخلي، قبل أن يتمكن من توجيه حمله واسعة النطاق ضدنا، علماً بأن كل مواجهة بين عرب وعرب، ستكون مفيدة جداً لنا، لأنها ستقرب ساعة الإنفجار المرتقب. ومن الممكن أن تعجل الحرب الحالية مع أيران، بحلول تلك الساعة.  ثم إن شبه جزيرة العرب مهيأة لتفكك وانهيار من هذا القبيل، تحت ضغوط داخلية،  كما هي الحال في المملكة العربية السعودية بالذات حيث يتماشى اشتداد الأزمات الداخليه وسقوط النظام الملكي، مع منطق بنيتها السياسية الراهنة. وتعتبر المملكة الأردنية هدفاً استراتيجياً لنا في الوقت الحاضر.  وهي لن تشكل -  في المدى البعيد - تهديداً لنا، بعد تفككها ونهاية حكم الحسين، وانتقال السلطة إلى يد الأكثرية الفلسطينية.  وهو ما ينبغي على السياسة الإسرائيلية أن تتطلع اليه وتعمل من أجله. إن هذا التغيير سيعني حل مشكلة الضفة الغربية، ذات الكثافة الشديدة من السكان العرب. إذ أن هجرة هؤلاء العرب إلى الشرق نحو الأردن - سلماً أو حرباً - وتجميد وتوقيف نموهم الإقتصادي والديموغرافي، هما ضمانة للتحولات القادمة التي ستفرضها، وعلينا بذل كل الجهود من أجل الإسراع بهذا المسار. ويجب استبعاد ورفض خطة الحكم الذاتي، أو أية خطة أخرى تهدف إلى تسوية أو إلى مشاركة أو تعايش. على العرب الإسرائيليين - وضمنيا كل الفلسطينيين - أن نجعلهم بالقوة بقنعون بأنهم لن يستطيعوا اقامة وطن ودولة إلا في المملكة الأردنية.  ولن يعرفوا الأمان إلا باعترافهم بالسيادة اليهودية فيما بين البحر المتوسط ونهر الأردن". 

وفي عصر الذرة هذا، لم يعد ممكناً قبول تزاحم ارباع السكان اليهود داخل منطقة ساحلية مكتظة بأهليها ومعرضة لتقلبات الطبيعة.  لذا، فإن تشتيت وإبعاد العرب هو من أولى واجبات سياستنا الداخلية.   فيهودا والسامرة والجليل، هي الضمانات الوحيدة لبقائنا الوطني،  وإذا لم نصبح الأكثرية في المناطق الجبلية، فيخشى أن يحل بنا مصير الصليبيين، الذين فقدوا هذه البلاد، كما أن إعادة التوازن على الصعيد الديموغرافي والإستراتيجي والإقتصادي، يجب أن يكون مطمحاً رئيسيا لنا.  وهذا ينطوي على ضرورة السيطرة على الموارد المائية في المنطقة كلها الواقعة بين بئر السبع والجليل الأعلى، والخالية من اليهود حالياً" (8).

وانسجاماً مع الخطط الإسرائيلية السابقة لتقسيم العالم العربي توالى العديد من المشاريع عرفت باسم واضعيها كان أبرزها خطة "جيورا ايلاند" وخطة الصحافي "جاي بخور".

و"جيوراً " هذا هو رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي سابقاً،  والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي المسؤول عن وضع الإستراتيجية الأمنية لإسرائيل.  ووردت خطته هذه في صيغة لقاء صحافي نشر في صحيفة "هآرتس" اجراه معه الصحافي الإسرائيلي "آري شفيط"، وفيها اقترح ضم 12 في المائة من الضفة الغربية (600 كلم2) إلى دولة إسرائيل والتفاوض مع مصر لضم 600 كم2 من صحراء سيناء إلى قطاع غزة يوطن فيه مليون فلسطيني، يكون لهم فيه ميناء بحري ومطار دولي مقابل أن تتنازل إسرائيل لمصر عن 150 كيلومتراً مربعاً من أرض النقب(9).  وهذا المشروع ما زال يطرح في أيامنا هذه لإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، مقابل احتفاظ اسرائيل بالضفة الغربية لتضمها إليها.

أما خطة "جاي بخور" فتضمنت تقسيم العراق إلى ثلاث دول وفق معايير طائفية:

دولة سنية في وسط وغرب العراق، ودولة شيعية في الجنوب، ودولة كردية في الشمال.  ودعت الخطة إلى انهاء الحكم (العلوي) في سورية وإعادة الأكثرية السنية إلى الحكم.  واقترحت على الأردن أن يتحمل المسؤولية عن الضفة الغربية.  "وبهذا ينشأ كيان فلسطيني واحد، حيث يتوجه الفلسطينيون إلى الشرق (بعيداً عن اسرائيل بطبيعة الحال) لا إلى الغرب باتجاه إسرائيل.  أما مصر فتصبح مسؤولة عن قطاع غزة" (10).

مخططات التقسيم الأمريكية

لا تختلف كثيراً عن مخططات التقسيم الإسرائيلية، وإنما تكاد تكون متطابقة في أهدافها وتفصيلاتها.  وقد تعددت هذه المخططات، وسنكتفي هنا بتناول اشهرها: مخطط برنارد لويس، ورالف بيترز.

مخطط بيرنارد لويس:

ولويس هذا مستشرق بريطاني أمريكي الجنسية (توفي بتاريخ 19/5/2018 عن عمر ناهز 100 عام)، ومؤرخ مختص بالدراسات الشرقية والإفريقية، عمل استاذاً لمادة تاريخ الإسلام، والتفاعل بين الإسلام والغرب في جامعة "برنستون" الأمريكية. وكان حسب ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" منظرا لسياسة التدخل الأمريكية في العالم العربي في أثناء إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن وحربه المزعومة على الإرهاب(11).

وبحكم علاقته القريبة من إدارة الرئيس جورج بوش الإبن فإن مخططه هذا رآه محللون جزءاً من السياسات المستقبلية الأمريكية التي ستنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط، ويعتبر جزءاً من خارطة "الشرق الأوسط الجديد" التي لوحت بها علناً وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2000.  كما ظهر ذلك أيضاً في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية في عهدي الرئيسين أوباما وترامب مع ما اطلق عليه "ثورات الربيع العربي".

ويعتبر هذا المخطط من أبرز المخططات الأمريكية التي تستهدف تقسيم العالم العربي، وذلك بإعادة ترتيبه، وفقاً لأهداف توسعية مدروسة ودقيقة، تتقاطع مع ما عرف، اصطلاحاً،  في أوائل الثمانينات من القرن الماضي ب "الفوضى الخلاقة".

واستند مخطط برناردلويس على مبدأ اشعال النعرات الاثنية والعرقية والدينية في العالمين العربي والإسلامي.  ونشر هذا المخطط لأول مرة في مجلة وزارة الدفاع الأمريكية مرفقاً مع خرائط توضيحية تقسم كل دولة من دول العالم العربي إلى دويلات كما يأتي:

أولاً: الأردن:  تصفية الحكم فيها ونقل السلطة للفلسطينيين، وتحويل فلسطين إلى دولة يهودية خالصة.

ثانيا: سورية:  تقسيمها إلى أقاليم متمايزة عرقياً او دينياً أو مذهبياً إلى أربع دويلات :

دولة سنية في منطقة حلب.

دولة سنية في دمشق وما حولها من مناطق.

دولة علوية شيعية على امتداد شاطئ البحر المتوسط.

دولة درزية في الجولان وتشمل جزءاً من الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن واراض لبنانية.

ثالثا: شبه الجزيرة العربية والخليج:

إلغاء دول الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان والإمارات عن الخارطة ومحو وجودها الدستوري، واقتصارها على ثلاث دويلات:

دويلة الإحساء الشيعية تضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين.

دويلة نجد السنية.

دويلة الحجاز.

رابعا: اليمن: إزالة الكيان الدستوري الحالي للدولة اليمنية واعتبار مجمل أراضيها جزءاً من دويلة الحجاز.

خامساً: شمال أفريقيا: يقسم إلى خمس دويلات:

دويلة البربر.

دويلة النوبة.

دويلة الصحراء الغربية.

دويلة الأمازيغ.

دويلة المغرب.

دويلة تونس.

دويلة الجزائر.

سادسا: مصر: تقسم إلى خمس دويلات:

دويلة إسلامية سنية.

دويلة مسيحية.

دويلة نوبية

دويلة للبدو في سيناء.

دويلة فلسطينية في شمال سيناء بعد ضمها لقطاع غزة.

سابعاً: السودان: تقسم إلى أربع دويلات:

دويلة النوبة.

دويلة الشمال السوداني المسلم.

دويلة جنوب السودان المسيحي. (أصبحت دولة مستقلة عن السودان).

دويلة دارفور.

ثامنا: العراق: ويقسم إلى ثلاث دويلات:

دويلة كردية في الشمال.

دويلة سنية في الوسط.

دويلة شيعية في الجنوب (12).

استند برنارد لويس في صياغة مخططه سالف الذكر على دراساته الطويلة لبنى العالم العربي، وتأليفه لعشرات الكتب عن الشرق الأوسط، واهتمامه بنظام الحكم الذي كان سائداً في فترة الخلافة العثمانية.  وأهم الكتب التي ألفها هي: "أزمة الإسلام"، "ومستقبل الشرق الأوسط"، "والعرب في التاريخ"، "والحداثة في الشرق الأوسط الجديد".

إن التركيبة القبلية والعشائرية والمذهبية للدول العربية، على مر السنين، جعلت برنارد لويس يجزم بأنه من المستحيل على العرب تكوين دولة بمفهومها الحديث، وذلك لأنهم مفطورون ضمن مجتمع محكوم بالنظام القبلي الطائفي.

ورأى لويس أن على الولايات المتحدة استثمار هذه التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية لصالح مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، والإستناد في تنفيذ ذلك على مقولة "فرّق تسد".

وفي السياق نفسه نقلت وسائل اعلام غربية عديدة قوله: "إن العرب قوم فاسدون، مفسدون، فوضويون لا يمكن تحضيرهم.  وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات .. ولذلك من الضروري إعادة النظر في تركيبة الأقطار العربية والإسلامية وخلق تركيبات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم والتأثر بانفعالاتهم.  ويجب أن يكون شعار الولايات المتحدة لتحقيق ذلك: "إما أن نخضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم يدمرون حضارتنا".  ولا مانع عند احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية"(13).

ورغم مضي سنوات على مخطط برناردلويس إلا أن جذوره ما زالت قائمة، خصوصاً في ظل ظروف عربية مؤاتية تشهد تشرذماً وقتالاً وتناحراً، تمهد لمشروع "سايكس بيكو" جديد يقسّم المنطقة ويحفظ كيان إسرائيل ويخدم مطامعها.

مخطط راف بيترز:

نشرت مجلة القوات المسلحة الأمريكية "أرميد فورستر جورنال" في شهر تموز (يوليو) 2006، تقريراً تحت عنوان: "حدود الدم: كيف سيكون الشرق الأوسط أفضل؟".

والتقرير رغم نشره في شكل مقال، إلا أنه عبارة عن دراسة استراتيجية محكمة حازت على اهتمام واسع في الولايات المتحدة والعالم.

يتحدث معد الدراسة رالف بيترز (عمل ضابطا في الجيش الأمريكي حتى وصل إلى منصب نائب رئيس هيئة الأركان للإستخبارات الأمريكية في وزراة الدفاع) عن ضرورة إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، وتقسيم دوله إلى دول أو دويلات جديدة.

ودعا الكاتب في هذه الدراسة (المخطط) التي وصفت ب "الأخطر استراتيجياً" إلى تصويب الحدود الخاطئة في الحوض الإسلامي واستبدالها بحدود أخرى صحيحة سماها "حدود الدم".  وتعد حدود افريقيا والشرق الأوسط "أكثر الحدود الدولية فوضوية وعشوائية وتشوهاً وظلماً في العالم، وهي السبب، لا بل هي كل المشكلة وراء الجمود الثقافي واللامساواة واللاعدالة والتطرف الديني بين شعوب المنطقة(14).

ينطلق بيترز في مخططه مما يسميه الظلم الفادح الذي لحق بالأقليات، حيث تم تقسيم الشرق الأوسط في أوائل القرن العشرين (يقصد إتفاقية سايكس بيكو في العام 1916).  مشيرا إلى هذه الأقليات بقوله "إنها الجماعات أو الشعوب التي خُدعت حين تم التقسيم الأول"(15)، ويذكر أبرزها:  الأكراد والشيعة العرب ومسيحيو الشرق الأوسط والبهائيون والإسماعيليون والنقشبنديون.  ويرى أن ثمة كراهية شديدة بين الجماعات الدينية والاثنية في المنطقة تجاه بعضها بعضا، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط انطلاقاً من تركيبته السكانية غير المتجانسة القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات حتى يعود السلام اليه.

واقترح بيترز خريطة للشرق الأوسط الجديد تتضمن تقسيم العراق إلى ثلاث دول: دولة كردية في الشمال ودولة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط تنضم إلى سورية مع مرور الزمن.

ويصف بيترز السعودية بأنها دولة غير طبيعية، ويقترح أن يقتطع منها كل من مكة والمدينة المنورة، كي تنشأ منهما "دولة إسلامية مقدسة" على رأسها مجلس يترأسه بالتناوب أحد ممثلي الحركات والمدارس الإسلامية الرئيسية.  بمعنى أن يكون المجلس نوعاً من "فاتيكان" إسلامي أعلى(16).

واقترح أيضا، اقتطاع أراض من شمال السعودية وإضافتها إلى الأردن، وأن تقتطع أراض من جنوبها تضاف إلى اليمن.  أما شرقي السعودية فتقتطع منه حقول النفط لمصلحة دولة شيعية عربية وبذلك لا يبقى للسعودية سوى نجد وعاصمتها الرياض.  وبخصوص الأردن فإن مستقبل الضفة الغربية سيكون مرتبطاً بها(17).

أما الامارات التي اطلق عليها بيترز "الدولة المدينية" (تشبهاً بالمدن اليونانية القديمة) فاقترح أن يدمج بعض أراضيها مع أراضي الدولة الشيعية العربية التي تلتف حول الخليج "الفارسي" كي تصبح قوة توازن مقابل الدولة الفارسية (ايران)، لا حليفا لها. واقترح انفصال "دبي" عن الامارات لتصبح دولة مستقلة دون توجهات سياسية وعاصمة ل "البيزنس" واللهو في المنطقة على غرار امارة "موناكو" في أوروبا.

وتتضمن خطة "بيترز"، كذلك، إضعاف ايران بانتزاع جزء منها لصالح أذربيجان وآخر لكردستان وثالث لصالح بلوشستان.  وعليه تصبح ايران، حسب "بيترز"، بلداً اثنياً فارسياً من جديد.

ويختتم "بيترز" مخططه بالقول: "سيواصل جنودنا، رجالاً ونساءً، حربهم من أجل نشر الديمقراضية، وتسهيل الوصول إلى منابع النفط في منطقة مقدر لها أن تحارب نفسها"(18).

                                                                                                        ***

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن الأطماع الإستعمارية تجاه العالم العربي، وفي القلب منها فلسطين، ما زالت قائمة نظراً لموقعه الجغرافي، وللثروات الطبيعية التي يزخر بها، ولا سيما البترول.  وتجسدت هذه الأطماع على أرض الواقع عبر استعمارها المباشر لمعظم دوله، وإنشاء إسرائيل، وعبر الإستعمار غير المباشر المتمثل بالضغوط السياسية وتقوية الدولة العبرية والتهديد بتقسيم المنطقة إلى دويلات ودول متناحرة، كما هو حاصل في هذه الأيام.  ويلاحظ أن مخططات التقسيم، والتهديد بها، نشطت عقب التراجع الذي شهدته حركة التحرر العربية بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وعقب حرب أكتوبر في العام 1973، ومسارعة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات إلى زيارة إسرائيل والاعتراف بها وتوقيع معاهدة سلام معها في العام 1977، تلاها اعتراف الأردن بالدولة العبرية وتوقيع معاهدة سلام معها في العام 1994، الأمر الذي عزز مكانة إسرائيل في المنطقة، وزاد من تمسكها بالأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة، والتنمر على الدول العربية والإسلامية التي تدعم المقاومة الفلسطينية، ونضالها العادل.

ومن يتمعن بما يحصل في منطقتنا العربية من حروب مذهبية،  ولا سيما في سورية والعراق وليبيا واليمن، يرى بوضوع دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لقوى التطرف الديني في تلك البلدان وفي مقدمتها "داعش" و"القاعدة"، والدعوة إلى تقسيمها إلى دويلات بحجة حماية الأقليات فيها، واتاحة الفرصة لإسرائيل، بوصفها القوة العسكرية الكبيرة، للتحكم بمصير هذه المنطقة. وهو ما عبر عنه في وقت سابق رئيس الوزراء الإسرائيلي المتوفي، شمعون بيرز، بقوله: "لقد جرب العرب قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن، فليجربوا قيادة إسرائيل للمنطقة إذن".

إنها غطرسة القوة المستفيدة من ضعف الكثير من دول الشرق الأوسط وتنابذها، وعليه لا يمكن لها أن تنهض وتفشل مخططات التقسيم هذه، إلا من طريق تجفيف مستنقع التطرف بأشكاله كافة، وكذلك التعصب والطائفية، وتكريس الديموقراطية الحقة في حياة الشعوب العربية، والفصل التام بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) لتحقيق العدالة للجميع، واحترام حقوق الأقليات والطوائف وخصوصياتها الثقافية، وتعزيز مسيرة التربية والتعليم وعصرنة منهاجها، وتشجيع الإبداع وثقافة التسامح والتعايش بين المكونات الإجتماعية للدول العربية، وتشجيع البحث العلمي وتخصيص الموازنات الكافية له، والقضاء نهائياً على الأمية، ودعم الجامعات المحلية، وجعل التعليم مجاناً فيها للجميع، أو أقله أن يكون في متناول الفئات الإجتماعية كافة.

وفي الجانب الإقتصادي، يجب التركيز على استقلالية التنمية، وبخاصة في مجالي الصناعة والزراعة، والسعي جدياً إلى التكامل الإقتصادي بين الدول العربية، لتخفيف الإعتماد على الخارج، ولا سيما في مجال الغذاء، وبالتالي التحرر من التبعية ومن الضغوط الإقتصادية والإبتزاز السياسي.

ولا شك أن انجاز هذه الأمور مجتمعة سيعزز قوة الدول العربية ويؤهلها لأن تكون عاملاً مقرراً وفاعلاً في مصير المنطقة، ويمنع عنها مخططات التقسيم الصهيونية والأمريكية، التي لا تلبث أن تظهر في كل حقبة من حقب التاريخ عندما يكون العالم العربي ضعيفاً. وهذا سينعكس بالضرورة ايجاباً على منظمة التحرير الفلسطينية، وسيعزز نضالها من أجل تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والإستقلال الوطني.

المراجع:

  1. د. ماهر الشريف، "اتفاقية سايكس – بيكو وعلاقتها بوعد بلفور"، الموقع الالكتروني لحزب الشعب الفلسطيني.
  2. عزيز العصا "وعد بلفور: توراة الحركة الصهيونية وانجيل الغرب الإستعماري" مجلة "أوراق فلسطينية"، العدد 18، خريف عام 2017.
  3. المصدر نفسه.
  4. "مخطط إسرائيلي أمريكي لتقسيم العالم العربي" نقلاً عن الموقع الإلكتروني: www.hespress.com 
  5. المصدر نفسه.
  6. المصدر نفسه.
  7. روجيه غارودي "دراسة في الصهيونية/اليهودية". نقلا عن الموقع الإلكتروني: www.radioislam.org   
  8. المصدر نفسه.
  9. عبد الوهاب المسيري "الشرق الأوسط الجديد في التصور الأمريكي الصهيوني" نقلا عن الموقع الإلكتروني: www.aljazerra.net  
  10. جريدة يديعوت احرنوت" الإسرائيلية، 27/7/2006.
  11. "برنارد لويس وتنظيم داعش ومخطط تقسيم العالم العربي" نقلا عن الموقع الإلكتروني: www.zahmatsowar.arablog.org  
  12. "وثيقة تظهر مؤامرة مخطط برناردلويس لتقسيم البلدان العربية" نقلاً عن الموقع الإلكتروني:  www.herbroo114.over-blog
  13. "برناردلويس وتنظيم داعش .." مصدر سبق ذكره.
  14.  "داعش وخارطة حدود الدم" نقلاً عن الموقع الإلكتروني: www.elaph.com 
  15. عبد الوهاب المسيري "الشرق الأوسط الجديد في التصور الأمريكي الصهيوني" مصدر سبق ذكره.
  16. المصدر نفسه.
  17. المصدر نفسه.
  18. المصدر نفسه.