2018-12-19

العقل العربي المعاصر؟

د. فؤاد خطيب

لا نظلم أحدًا اذا قُلنا ان الكتاب التقدميين واليساريين الذين  يَبغون الرُقي في العقل والفكر العربي المُعاصر عانوا وما زالوا يعانون الأمرّين في محيطنا العربي الواسع، فهم ان  كتبوا فكرًا تقدميا تاهوا في التابوهات المسيطرة على هذا العقل التي  لقنها له  الفكر الاسلامي التكفيري الرجعي الذي، ومنذ نشأته يدعو الى التكفير لا  للتفكير. وان كَتبوا فهم يَكتبون لمجتمعات غير قارئة، من الطبيعي في هذه الحالة  أنها لم تفهم المَكتوب ولن تُفكر فيه ولن تُشغل  بالها  ما دام العقل  العربي  برمته  توقف عن الابداع والخلق منذ زمن بعيد.

من أجمل ما أعدت قرأته مُؤخرا  ما  كتبه حيدر حيدر  الكاتب  الروائي  السوري  التقدمي صاحب رواية  "وليمة لأعشاب البحر" المعروفة في كتابه "أوراق المنفى "الذي صدر في دمشق عام 2008 ".....ان ضرورة العقلانية بالنسبة للوضع العربي الراهن تتَجلى وتَتمثل  في الروح النقدية، هذه  العقلانية  ليست مُستوردة  أو مُتبناة، انما هي  نقد العقل العربي  من داخله بنشر روح  المُراجعة المُستمرة للفكر.

يضاف الى هذا نقد ممارسة هذا العقل في الحياة وانعكاس بنية العقل على العلاقات الاجتماعية والسياسية. 

لقد تحدث الخطاب النهضوي العربي عن السياسة والاقتصاد والمجتمع والتاريخ غير أن هذا الخطاب  أغفل نقد  العقل  العربي وهكذا  نرى العقل  العربي ما زال  امتدادا  لعقل عصور الانحطاط.  أي أننا في أساس  تصورنا  الحاضر للعالم والحياة والممارسة  ما زلنا نَستخدم  البُنية  القَديمة  للذهن القديم  محدود التصور واللاسببي واللاعقلاني".

كم كان صادقا هذا الكاتب  الكبير الجميل. فعلا عقليتنا  العربية الراهنة توارثناها بحذافيرها وأهوائها من جيل الى جيل دون أن نُفكر فيها وفي تطويرها حتى نَصل فيها ومَعها الى العصر الذي نحياه، هنا حسب رأينا  كمنت وتكمن كل أسباب وسهولة انزلاقنا الفكري ووقوعنا طُعما سَلسا وطَيعا للفكر الامبريالي والصهيوني والعربي الرجعي السياسي  التكفيري  بكل  صوره  وحماقاته وعدائه.

لهذا وذاك أصبحنا مُتخلفين في فكرنا عاجزين عن المُقارعة الودية لأصدقائنا والقوية المدافعة أمام أعدائنا وهم كثر، لهذا  نَدفع  ضَريبة الدم  والخراب في وطننا العربي الكبير ونعاني بصورة مُزمنة  من فقدان بوصلة  وجودنا وغايتنا من هذا  الوجود.

لن تقوم قائمة للعرب إلا بنقد المَوروث الفكري المقدس وتحديثه أو تَعديله حتى يلائم لغة العصر كما فعلت قبلنا  كل الشعوب  المتطورة في عالمنا  اليوم، اذا كنا نريد أن نعيش بكرامة في هذا العصر علينا امتلاك فكر مُتقدم جَدلي  قابل للحوار، حتى نَملك لغة العصر وسلاح العصرالاقتصادي والسياسي والاجتماعي وحتى العسكري.