2018-12-04

هل ستستمرّ الهيمنة الأميركيّة العالميّة لقرنٍ آخر؟

(2-2)

* أسعد أبو خليل

هو يستشهد بأرقام تشير إلى أن تدريب الطيّارين والجنود الصينيّين يستغرق أقلّ من نصف مدّة تدريب الطيّارين والجنود الأميركيّين. والنقيصة الكبرى للقدرات العسكريّة الصينيّة تكمن في انعدام تجربة القتال المباشر لأن آخر تجربة قتاليّة للصين كانت في الحرب المحدودة مع فييتنام في ١٩٧٩. وكلفة إعداد عناصر القوّات العسكريّة الصينيّة هي أكثر بنسبة ٢٥٪ من كلفة إعداد العناصر الأميركيّة، كما أن كلفة ضبط الأمن الداخلي في الصين تستحوذ على ٣٥٪ من الميزانيّة العسكريّة وتستخدم نصف عناصر الجيش المتفرّغ.

لكن أميركا منتشرة حول العالم وهي غارقة في قائمة طويلة من الحروب والصراعات والتدخّلات العسكريّة مما يحدّ من حريّة تحرّكها وهذا لا يثقل الصين على رغم أنها أكثر قدرة من الصين على نقل قوّاتها ونشرها بسرعة. والتجربة القتاليّة للقوّات المسلّحة الأميركيّة هي عامل قوّة تدريبيّة (وتجريبيّة للسلاح) لكنها من ناحية أخرى دليل على محدوديّة قدرة القوة المسلّحة على فرض إرادة امبراطوريّة. هذا العامل غائب تماماً عن حسبان باكلي.

إن الفصل في تحديد أجل قوة عظمى، أو في إجراء مقارنة بين قوتيْن عالميّتيْن، لا يمكن إلا أن يتقرّر بناء على الاعتماد على معايير القوّة الصلبة فقط. فـ«مجلس الاستخبارات الوطني»، الذي يقدّم مشورة للرئيس الأميركي حول أخطار الأمن القومي البعيدة المدى، يعتمد على معايير الإنفاق العسكري والإنفاق على الأبحاث والتطوير، والناتج المحلّي الإجمالي، إضافة إلى العامل الديموغرافي. المؤلّف يعتمد في المقارنة العسكريّة على معيار «سينك»، الذي يشتمل على معايير الإنفاق العسكري والقوّات المسلّحة والسكان والسكّان المدينيّين وإنتاج الحديد والفولاذ واستهلاك الطاقة. لكن المؤلّف يختلف (عن حق) في معارضته لمعيار «سينك» بسبب إهمال نوعيّة المستوى والمهارة والتكنولوجيا العسكريّة بين الدول (ص. ١٧).

ومن الصعب الاختلاف مع المؤلّف في رفضه النظريّة السائدة التي تترقّب موعد تفوّق حجم الناتج المحلّي الإجمالي للصين على حجم الناتج الأميركي (والموعد بعد سنوات على افتراض نسب نموّ مقبولة للصين، وهذا الموعد مُنتظر في العقد المُقبل) أو موعد تخطّي نسبة الاقتصاد الصيني من الاقتصاد العالمي نسبة الاقتصاد الأميركي على أنه مؤشّر حتمي على صعود أكيد للامبراطوريّة الصينيّة وتفوّقها على المنافس الأميركي. (إن حجم الناتج الصيني اليوم هو ١٢ تريليون دولار مقابل ١٩ تريليوناً للناتج الأميركي، ونسبة الاقتصاد الصيني من الاقتصاد العالمي هي ١٥٪ فيما نسبة الاقتصاد الأميركي هي ٢٤٪، فيما كانت تلك النسب في عام ١٩٨٤ هي ٢,٧٪ للصين و٣٤٪ لأميركا، مما يعطي فكرة عن النموّ الصيني). المؤلّف يأخذ في الاعتبار صعوبات في الاقتصاد الصيني وانخفاض نسبة النموّ (كما يذكّر بنظريّات الصعود الياباني في الستينيّات وهي أصبحت بائدة)، إضافة إلى أن الاقتصاد وحده لا يُقرّر النصر والهزيمة العسكريّة. وأفضل مثال يستعين به المؤلّف هو «حربيْ الأفيون» في القرن التاسع عشر بين الصين وبريطانيا. فالصين تمتّعت بأكبر ناتج محلّي إجمالي وأكبر قوّة عسكريّة في العالم حتى نهاية القرن التاسع عشر لكنها مُنيت «بقرن من الإذلال» في الحروب (على قول المؤلّف، ص. ٢٠).

(وحروب الأفيون هي أفضل مثال عن الوحشيّة الاستعماريّة الغربيّة، إذ إن بريطانيا اكتشفت أن إيراد بيع الأفيون في السوق السوداء في الصين يفوق إيراد بيع الفضّة، فقرّرت تهريب نحو ١٢ طنّاً من الأفيون في السنة. وعندما حاولت الصين منع تهريب الأفيون، شنّت بريطانيا الحرب على الصين ولم تكتفِ بالنصر العسكري بل ألحقته بشروط وتعويضات مُذلّة، كما أنها في ما يُعرف بـ«حرب الأفيون الثانية» أصرّت على حقها في تهريب الأفيون وبيعه في السوق الصينيّة). وهذا المثال يدعم نظريّة المؤلّف بأن بريطانيا كانت أقوى من الصين في القرن التاسع عشر على رغم تفوّق الصين في المؤشرات الكلاسيكيّة للقوة العسكريّة والاقتصاديّة.

كما أن الإنتاج الاقتصادي يشمل الإنفاق الحكومي: وتوظيف أناس في مجال «الذباب الإلكتروني» مثلاً يختلف عن توظيف الناس لبناء الجسور. والإنفاق على «الأبحاث والتطوير» لا يضمن الإتيان بنتائج. وهو يستشهد بالتجربة السوفياتيّة، حيث زاد الإنفاق السوفياتي على «الأبحاث والتطوير» والتوظيف العلمي باضطراد من الستينيّات حتى الثمانينيّات، لكن عدد الابتكارات والنماذج التصنيعيّة وبراءات الاختراع والمنتوجات المربحة والجوائز العلميّة العالميّة انخفض. في عام ١٩٨٥، باعت أميركا ٧ ملايين حاسوب بينما لم ينتج الاتحاد السوفياتي إلا ٩٠٠٠ (ص.٣٠).

هناك يُقحم المؤلّف نظريّته بأن أعباء الرعاية الاجتماعيّة استهلكت نصف موارد الحكومة، وبرامج الدعم الغذائي نالت حصّة ٣٠٪ من الميزانيّة السوفياتيّة في الثمانينيّات. هنا يظهر انحياز المؤلّف اللاإنساني: فالسباق الرأسمالي لا يأخذ في الاعتبار العناية بالفقراء والمعوزين والمحتاجين. هذه، بالنسبة له، أعباء تعيق عمليّة المنافسة الامبراطوريّة التي تعلو على كلّ ما عداها من اعتبارات حتى لو طحنت الناس في البلد، أو في الدول النامية. والعون الأممي الذي قدّمه الاتحاد السوفياتي هو أيضاً كان عبئاً معيقاً للصعود الامبراطوري (قدّمت موسكو بين ٢ إلى ٤٪ من ناتجها الداخلي الإجمالي إلى الدول الحليفة فيما لم تنفق الحكومة الأميركيّة أكثر من 0,3% من الناتج الإجمالي على برامج المساعدات الخارجيّة).

ولا يرى المؤلّف في المؤشّرات الصينيّة إلا السلبي منها، وإن كانت هذه المؤشّرات ستعرقل أي طموح صيني للصعود الامبراطوري. التعليم الرسمي في الصين، مثلاً، لا يشمل إلا المرحلة المتوسّطة، وعلى رغم زيادة عدد الجامعات بنحو الضعف، فإن نسبة العمّال الحائزين على شهادة جامعيّة لا يتعدَّى العشرة في المئة (مقارنة بـ٤٤٪ في أميركا، ص. ٣٦). وفي تراتبيّة الجامعات العالميّة ليس هناك إلا جامعتيْن في أوّل مئة جامعة، وسبعة فقط في أوّل مئتيْ جامعة، فيما تضم أميركا خمسين من أصل أوّل مئة جامعة و٧٧ من أصل أوّل مئتيْ جامعة. وهجرة الأدمغة لا تزال مشكلة تعاني منها الصين، ولا تعاني منها أميركا البتّة.

تستولي أميركا سنويّاً على ٣٥٠٠ عالم ومهندس صيني، ونحو مليون من كل بلاد العالم (بمن فيهم ٢٠ ألف «مخترع» و١٠ آلاف عالم ومهندس). الصين تحاول عكس هجرة الأدمغة عبر تقديم إغراءات ماليّة (بقيمة 160000 دولار للفرد لكن البرنامج جذب علماء في أعمار أقل إنتاجاً وابتكاراً: ٩٠٪ من العائدين كانوا من أعمار تزيد على الخمسة والأربعين، ص. ٣٨).

وحتى مادة «صنع في الصين» لا تؤشّر بالضرورة على تفوّق تجاري - صناعي صيني لأن باكلي يذكّر بأن أكثر من نصف محتويات التصنيع الصيني مصنوع في أميركا نفسها. ويستخف بمشاريع البنى التحتيّة لأنه يقول إن ٦٠٪ منها تكلّف أكثر مما ستجني من عائدات اقتصاديّة (يدلّل على «مدن الأشباح» التي يبدو أنها ستعمّ السعوديّة).

لكن في المقابل لا يستشهد المؤلّف في مؤشّرات لمصلحة الصين - وقد وردت قبل أيّام في تقارير مسهبة في «نيويورك تايمز». إن الصين باتت تحتلّ المرتبة الأولى في العالم في نسبة تملّك المنازل واستعمال الإنترنت وعدد خرّيجي الجامعات (لكن المؤلّف يذكّر بأن ربع مواد التعليم الجامعي يغطّي تدريس الماركسيّة الإجباري، فيما ينفق الجنود نحو ٢٠ -٣٠٪ من وقت دراستهم لدراسة العقيدة الشيوعيّة، ص. ٦٧).

وقد انخفضت نسبة الفقر المدقع بين السكّان إلى أقلّ من ١٪. وهناك عناصر يصعب تقنينها رقميّاً، مثل الأرقام. فالشعب الصيني بات أكثر تفاؤلاً بالمستقبل من الشعب الأوروبي والشعب الأميركي - المزهو بـ«الحلم الأميركي». كيف لا يتفاءل الصينيّون وقد عاشوا تجربة رفع ٨٠٠ مليون نسمة من الفقر؟ ومواليد عام ٢٠١٣ في الصين يُتوقّع أن يعيشوا سبع سنوات أكثر من الذين وُلدوا في عام ١٩٩٠ (عشر سنوات أكثر للنساء).

وكانت الصين تقود العالم في عدد الفقراء وباتت تقوده في حجم الطبقة المتوسّطة. (لكن النمو الاقتصادي الصيني زاد نسبة التفاوت الطبقي بنسبة تقارب نسبتها في أميركا - وهي من أكثر دول العالم مع إسرائيل في التفاوت الطبقي).
لا يعترف المؤلّف بقدرة الصين على فرض هيمنة إقليميّة، ولا حتى باحتلال تايوان. يقول إن الوجود العسكري الأميركي الهائل في شرق آسيا سيحدّ من طموحات الصين. وعقيدة الأمن القومي لإدارة ترامب عبّرت عن مخاوف من بروز منافسة صينيّة أو روسيّة: والبناء العسكري موجّه ضد ذلك، بما فيه زيادة سفن البحريّة من ٢٧٢ سفينة حاليّة إلى ٣٥٠ على مدى العقود الثلاثة المقبلة. وهذا البناء هو لصدّ القوّة الصينيّة.

يرسم المؤلّف صورة برّاقة عن مستقبل الامبراطوريّة الأميركيّة بناء على فكر يمزج بين التقييم الواقعي الحقيقي المسنود بحقائق وبين فكر التمنّي الذي يُقلّل من قوّة الخصم. وهو يرفض إمكانيّة تطبيق نظريّة «ميزان القوى» لأن ليس هناك من تحالف يمكن أن ينافس التحالف الذي تعقده أميركا (بالقوّة وبالمال) مع ٦٨ دولة في العالم (ص. ١٠٥). لكن حتى لو سلّمنا بصحّة تقديرات المؤلّف فإنها يجب أن تترافق مع تقدير للعوامل الذاتيّة التي يمكن أن تدمِّر الجموح الإمبراطوري من الداخل. ولا يجب أن تشكّل مواد الكتاب دافعاً للاستسلام أمام هيمنة عالميّة جائرة بل يجب أن تشحذ الهمم.

(انتهى)

* كاتب لبناني