2018-12-04

ذوق الجماهير.. الفن في عصر النيوليبرالية

* محمد الفقي

قد يندهش القارئ إذا علم أنه لا توجد حتى الآن دراسات علمية مؤكدة تبين ما هو الفيلم أو المسرحية أو اللوحة أو التمثال "النموذجي" الذي يفضله عامة الجمهور في بلد ما؟ صحيح أن هناك دراسات اجتماعية بشأن الآثار التي تخلفها الأعمال الفنية على سلوك ونفسية الجماهير، ونحن نعلم أيضاً أن هوليود، مثلاً، كثيراً ما تستعين بـ "مجموعات رأي" من فئات عمرية وعرقية واجتماعية مختلفة لقياس استجاباتهم بخصوص فيلم معين.

لكن الحقيقة أنه لا توجد حتى الآن دراسات علمية عن الذوق الفني للجماهير في كل دولة من دول العالم، بالرغم من أهمية وضخامة سوق الفن، وبالرغم من تصديع العالم الرأسمالي الحر لرؤوسنا عن أهمية وضرورة الإجراء المستمر والدوري للأبحاث التي تقيس تفضيلات المستهلكين وأذواقهم.

الحقيقة أنه، وفي كل الأنواع والفروع الفنية المختلفة، لا توجد إلا دراسة علمية مُحققة وحيدة عن ذوق الجمهور: هي الدراسة التي قام بها المصوران الفوتوغرافيان الروسيان فيتالي كومار وألكسندر ميلاميد عام 1995، عن ذوق الشعب الأمريكي في اللوحات المصورة. كان كومار وميلاميد قد هاجرا إلى أمريكا واستقرا في نيويورك، ورغبا في معرفة ما يفضله الجمهور الأمريكي في مجال الرسم، وهالهما عدم وجود أي دراسة علمية في هذا الشأن، فقاما بدراستهما الاستقصائية الشهيرة التي هزت الأوساط الفنية والثقافية في أمريكا، بل وفي العالم أجمع، والتي نتج عنها كتابهما الممتع ذو النبرة الساخرة: (الرسم بالأرقام: دليل كومار وميلاميد العلمي في الفنون، 1997).

اعتمد منهج كومار وميلاميد على إجراء بحوث استبيانية واستقصائية عن طريق المقابلات الميدانية، بالإضافة إلى سؤال المبحوثين بالهاتف عن العناصر المختلفة التي يفضلونها في اللوحات المصورة التي يفضلونها. وقد شملت الدراسة طرح أسئلة من قبيل: ما هي أكثر الألوان التي تفضل أن تراها في اللوحة؟ هل تفضل اللوحات ذات الأساليب الفنية الحديثة أم الكلاسيكية؟ هل تفضل رؤية حيوانات في اللوحة؟

وأي حيوانات: البرية المفترسة، أم الأليفة والداجنة؟ لوحات لمناظر خلوية، أم لغرف مغلقة وداخل المباني؟ ولأي فصول العام؟ اللوحات الواقعية، أم الأسطورية، أم المرسومة بأسلوب فيه مبالغات وخيالات وشطحات؟ التي تتناول مواضيع جادة، أم هزلية؟ ذات الأسلوب الفني البسيط، أم المعقد؟ ذات الخطوط والزوايا الحادة، أم المنحنيات السلسة والرقيقة؟ ذات الخطوط المتناسقة المتماثلة، أم العشوائية والمتضاربة؟ ذات الألوان المستقلة الصريحة، أم الألوان المتداخلة؟ وسطح اللوحة: ناعم، أم خشن؟ وما هو المقاس الذي تفضله في اللوحة؟ 

وقد نتج عن تلك الدراسة اتضاح حقيقة مدهشة وطريفة في آن معاً؛ وهي أن الذوق العام للشعب الأمريكي يُفضل لوحات المناظر الخلوية والطبيعية الواقعية التي تحوي مناظراً لأشجار وتلال ومياه، ويغلب عليها درجات اللونين الأزرق والأخضر الهادئين، والتي يظهر فيها بعض الأطفال، والحيوانات البرية، ويا حبذا لو ظهرت فيها أيضاً شخصية تاريخية أو وطنية مشهورة.

ولذلك، وبناءً على المعلومات التي وفرتها الدراسة، قام كومار وميلاميد من باب السخرية بمحاولة رسم "أكثر اللوحات المرغوبة في أمريكا"؛ ونتج عن تلك المحاولة: لوحة في حجم غسالة الأطباق المنزلية العادية (وهو الحجم الأمريكي المفضل للوحات طبقاً للدراسة)، لمنظر خلوي تقليدي يسيطر عليه درجات اللونين الأزرق والأخضر، وبها بحيرة، وبعض الشجيرات والأكمة، وسحب في السماء، وتلال في الأفق، وغزلان، وأطفال... ويظهر بها أيضاً الزعيم جورج واشنطن في وقفة تقليدية موحية بالعظمة!

لكن الذوق العام الرديء في مجال فن الرسم ليس قاصراً على الشعب الأمريكي، فقد وسَّع كومار وميلاميد من نطاق دراستهما لتشمل دولاً أخرى متنوعة الخلفيات الثقافية والاقتصادية؛ كفرنسا، وكينيا، وفنلندا، وآيسلندا، والدنمارك، وتركيا، والبرتغال، والصين، وبولندا، وروسيا، وأوكرانيا، وطبقا نفس المنهج العلمي لدراستهما على تلك الشعوب، ليتبين عندها أن الذوق الفني العام للجماهير في تلك الأمم لا يختلف كثيراً عن ذوق الشعب الأمريكي في عمومه، بل يختلف فقط في بعض التفاصيل البسيطة: من قبيل تفضيل الشعب الفنلندي لرؤية الوعول بدلاً من الغزلان، والكينيين لفرس النهر، والجاموس النهري وحقول الأرز بالنسبة للصينيين، ومزيد من الأطفال الصغار بالنسبة للأتراك.

ولكن هل يختلف الذوق الفني العام للجماهير في مجال فن الرسم، عن الذوق العام لهم بالنسبة لفن السينما مثلاً؟! ألم يصف آلان باديو السينما الشعبية التي يفضلها الجمهور بـ: "فن يوم السبت، ذلك الفن الهجين الذي يُقبل عليه المراهقون للبحلقة في القطط المغرية التي تظهر على الشاشة. الفن المتذبذب دائماً ما بين كوميديات الملاهي الليلية المبتذلة والبطولات الخارقة للقصص الخيالية، والمتأرجح ما بين شخصيتي المهرج وأقوى رجل في العالم. الفن الذي، ككل الفنون الساعية إلى الانتشار لجذب ما في جيوب الجماهير، يجمع بين البروباجاندا، والتبشير، والدعاية التجارية، والتخفي وراء مظهر من الفضيلة المدعية لأنه يدرك افتقاده للقدرة على الصراع مع القيم والمعاني الكبرى؛ فيحاول القيام بعملية تطهير داخلي لنفسه ولمكوناته الغبية بالسعي للفرار إلى الأمام وادعاء الغايات الكبرى والحكمة الزائفة". 

في مجال الموسيقى والغناء مازلنا نذكر مقولة الموسيقار محمد عبد الوهاب عن العملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة من السوق. وقد كان التعليق المرير بمناسبة اكتساح موجة الأغاني الشبابية لحميد الشاعري ورفاقه للسوق الغنائي المصري والعربي في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وإفسادها للذوق الموسيقى العربي طيلة عقدين من الزمن. وسوق الروايات الأدبية ليس استثناءً هو الآخر من ظاهرة الذوق الردئ، حتى في بلاد الشمال التي يُوصف أهلها عادة بحب القراءة والإقبال عليها، فنحن نعرف مثلاً ماذا يقرأ عامة الأوروبيون في وسائل المواصلات العامة أو قبل النوم: كتب "البست سيلر"؛ التي تتراوح ما بين كتب التنمية الذاتية (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الغير، القواعد السبعة للنجاح.. إلخ)، أو سلاسل الروايات البوليسية والأسطورية الشعبية. ويمكن للقارئ أن يستحضر في ذهنه أيضاً أمثلة كثيرة على التفضيلات الشعبية في مجال المسرح، وخصوصاً المسرحيات المصرية التجارية التي شهدت إقبالاً جماهيرياً واسعاً في الثلاث عقود المنصرمة.

في هذا السياق يمكن أن نفهم أن حالة عائلة السبكي المنتجة للأفلام الشعبية في مصر ليست ظاهرة استثنائية في مجال السينما، ولا الفنون بشكل عام. بل يبدو أن آل السبكي قد فهموا بشكل فطري ما توصل إليه آلان باديو عن طريق الفلسفة والتأمل: الذوق الشعبي. إن وظيفة منتج السينما تختلف عن وظيفة الممول الذي يقدم السيولة المالية اللازمة لصنع الفيلم ودفع أجور الممثلين والفنيين. صحيح أنه غالباً ما تجتمع الوظيفتان عندنا في السينما العربية، فيصبح المنتج هو نفسه الممول ويقوم بكلتا الوظيفتين، لكن لابد لنا مع ذلك من إدراك أن الوظيفة الأساسية لمنتج الأفلام الشعبية هي أن يكون عليماً بالذوق العام للجمهور، فيصيغ ويوجه العمل في كل مراحل صناعة الفيلم لتتوافق مع هذا الذوق، ضماناً للنجاح التجاري والربح المالي. وبالطبع نقع هنا في أسر الحلقة المفرغة الجهنمية: السينما الشعبية ُتصاغ لتلبي الذوق الرديء للجمهور، وشيئاً فشيئاً تندفع الأفلام في هذا الاتجاه على نحو مفرط، فيساهم الفيلم الشعبي في مزيد من تدني الذوق العام، ثم تحاول السينما تلبية الدرجة الجديدة من التدني، وهكذا دواليك.

إن أفلام السبكي ليست سوى النموذج السينمائي العربي لسينما هوليود الشعبية بسمتها التجارية المفرطة في عصر النيولبرالية، والذي بدأ مع تولي رونالد ريجان رئاسة أمريكا في يناير 1981، ومارجريت ثاتشر رئاسة وزراء بريطانيا في مايو 1979. فمنذ ذلك الحين تم إطلاق يد الرأسمالية في العالم أجمع، وتسارعت سياسات الخصخصة، والتوسع في منح الإعفاءات والامتيازات للشركات الكبرى، ورفع القيود الحكومية عن الاستثمارات في السلاح والبترول، وتقليص اعتمادات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وتحجيم دور النقابات العمالية، وانتهاج سياسات مالية واقتصادية تفاقمت معها البطالة وطحنت الطبقات الفقيرة. أصبح الهدف الأساسي والأعلى هو توليد المزيد من الثراء، ومُنحت الحرية الكاملة لرأس المال ليستنزف الموارد الطبيعية، ويتسبب في المعاناة الجماعية لشعوب بأكملها، وأزمات اقتصادية عالمية كل بضع سنوات، وحروب أهلية، وإفلاس دول، وفقر عام نتيجة حث الناس على الاستهلاك المفرط والإنفاق المتهور.

 ٌترك رأس المال ليتوحش، ونجح الوحش دائماً في الهروب من محاولات ترويضه، ليصبح أكثر خبثاً وشراسة. ومن وقتها أيضاً صار الفن في خدمة رأس المال، الذي سعى لترويج أخلاقيات مجتمع السوق الاستهلاكي في صياغة فنية.

أثناء الحرب الأهلية الروسية (1917-1922) كانت الأشعار العظيمة ُتطبع على النقود لشح أوراق الطباعة في ذلك الوقت. لكننا في عصر النيولبرالية نشهد تزايد السمة التجارية للفن يوماً بعد يوم، والتي نلمحها مثلاً في عملية استغلال النجاح التجاري لفيلم ما في صنع نسخ جديدة منه في شكل "سلاسل فيلمية" (سلسلة حرب النجوم مثلاً، ورامبو، وماكس المجنون، والمُبيد، والمتحولون، والمنتقمون، وكابتن أمريكا.. إلخ). إن السلاسل الفيلمية هي الشكل الفني لـ "العلامة التجارية" في مجال السلع الاستهلاكية كـ: (ستاربكس) أو (وول مارت) أو (آبل) أو (سوني) أو (مايكروسوفت). إن اسم (المتحولون) على أفيش الفيلم هو نفسه العلامة التجارية التي يقبل عليها المراهقون وليس الدراما.

يدخل المتفرج دار العرض على وعد بأن تكون النسخة الجديدة من الفيلم ذي العلامة التجارية أكثر إفراطاً من النسخة السابقة؛ وعد بأن التكرار الجديد سيكون أكبر وأعنف من حيث: الهزل، والسخافة، والعنف، والحسية، والعري، وألفاظ السباب، والخدع البصرية الرقمية، والديكورات المسرفة، ومطاردات السيارات الأكثر عنفاً وتحطيماً، والتفجيرات الأكثر تدميراً للمباني والديكورات.. إلخ. الملفت للانتباه أننا نلمح أيضاً الأفكار الأساسية السائدة والمعلبة للنيولبرالية حاضرة دائماً في تلك النوعية من الأفلام: الحرب على الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، الآخر المنتمي إلى معسكر الشر، البطل الفردي الأمريكي الذي ينقذ العالم.. إلخ.

إن هدف التطهير الروحي الأرسطي معدوم في هذه الأفلام، فضلاً عن هدف التنوير، ولا حتى المتعة الجمالية الفنية لذاتها. نستطيع أن نستعين هنا بتفريق جاك لاكان بين الإنسان المستنير الذي يستمتع باللذة حاسباً إياها بحرص حتى يديم مرحه ويتجنب أن تصيبه تلك اللذات بالأذى، وبين ذلك المستعد لأن يستهلك وجوده كله في إفراط مميت للمتعة: الفرق بين المستهلك المستنير، وبين مدمن المخدرات الذي يدمر ذاته.

وأفلام هوليود الشعبية تتماهى في كثير من الأحيان مع إدمان المخدرات، حتى بتنا نشهد الآن في كثير منها تسامحاً غريباً مع ثقافة تعاطي المخدرات، حتى في أفلام أيقونات هوليود الكبار من أمثال مارتن سكورسيزي في فيلم (ذئب وول ستريت، 2013) The Wolf of Wall Street: إن تعاطي المخدرات لا يشكل أي معاناة نفسية لشخصيات الفيلم، ولا أي صدام روحي أو أزمة أخلاقية من أي نوع. ويترافق ذلك مع التوسع المتفجر للبورنوجرافي في تلك الأفلام؛ وكأن الوعد يكون: مخدرات أقوى دائماً، وجنس أكثر دائماً. ويبدو أن الفوضى التي لحقت بالكود الدرامي والبصري في هوليود قد لحقت بالكود الأخلاقي أيضاً: إن كود أخلاقيات هوليود الآن يتسامح مع المخدرات والبورنوجرافيا، على عكس كود (هيز) في هوليود الأربعينيات والخمسينيات الذي كان تشدده موجهاً نحو الأيديولوجي والجنسي.

إن التعبير الفني إن لم يكن واعياً يُحوِّل الفساد المطلق إلى قداسة، لأنه يعرض لنا الهالة منزوعة عن كلفتها الأخلاقية. ونقد الثقافة الاستهلاكية المفرطة أصبح يتناقص يومياً في هوليود إلى الدرجة التي أصبح فيها شبه معدوم. ومعظم مشاهد الاستهلاك المفرط في الأفلام، بما في ذلك الجنس وتعاطي المخدرات، تتم بلا عاقبة أخلاقية، ولا حتى إحساس بالذنب من قبل الشخصيات. إن الشخصيات في تلك الأفلام واعية لما تفعله، ولا تحاول إنكار أو كبت أو إخفاء فسادها، بل تتبجح بجرائمها.

في فيلم (ذئب وول ستريت)، مرة أخرى، هناك مشهد في مطعم فاخر لسمسار البورصة (هانا) يكشف فيه للمتدرب الجديد (بيلفورت) عن كيفية النصب على المغفلين من حملة الأسهم، بكل بساطة وأريحية، بل وبفخر وهو يخبط على صدره ويغني همهمات حماسية كإنسان المجتمع الوحشي.

وتدعم الرؤية الإخراجية لسكورسيزي ذلك الإفراط وذلك الجشع، ولا يقتصر الأمر على المضمون الدرامي فقط، ولكن على الأسلوب الإخراجي أيضاً الذي يلقي كل شيء، كما النفايات، في وعي المتفرج، وبسرعة، تلك السرعة اللازمة لنجاح النصاب في عمله؛ وابل من اللقطات السريعة التي يُلقيها المونتاج المتسارع في حجر المتفرج. إن الرسالة النهائية التي تصل إلينا هي دعم أخلاقيات الجشع الرأسمالية: الجشع فضيلة، الجشع مفيد وصالح وخيِّر، والمال هو معيار تقييم الإنسان في المجتمع.

ولأن اقتصاديات الفن الآن تخضع على نحو فج وسافر لآليات السوق، أصبح الفن يحيا ويموت وفقاً لقرارات ملايين الأفراد بشرائه أو عدم شرائه. هذه القرارات المليونية تتحول إلى آليات حاكمة ليس للناقد الأمين أي دخل في توجيهها أو تعديلها، ولا يملك معها إلا الشعور بالحنق العاجز لشخص يقاتل المطر أو الريح، وهو يرى الفنان وقد أصبح خادماً لرأس المال يضفي على السلع الفنية البريق الجمالي اللازم لتسويقها تجارياً.

ففي ظل الاقتصاد السياسي للنيولبرالية وإطلاق الحرية الكاملة لرأس المال الجامح والمدمر، يُطلب من الفنان أن يقوم بدور الأداة المروجة، ولعب دور "الحليف النافع"، وإضفاء النبل على عقيدة الرأسمالية بواسطة الوسائل الفنية الجماهيرية: بالترويج لأخلاقيات الجشع، وللنزعة الاستهلاكية المفرطة، والابتذال، والاستمتاع بالانحطاط في الذوق والأخلاق، وطمس الحرية الحقيقية، والهويات المختلفة، وجعلها تابعة ذليلة لهوية واحدة أوليجاركية مهيمنة. فيُدمج الفن داخل منظومة الإنتاج العام للبضائع الاستهلاكية التي تتغير على الإيقاع السريع المفرط دائماً للموضة من قبل شركات تنفق بسخاء على سلاحها الدعائي لدفع الزبائن لمزيد من الاستهلاك، ونشر ثقافة الإفراط الاستهلاكي.

يوضح بودريار في (المصطنع والاصطناع، 1981) أن سطحية الوعي والإدراك الضحل لدى الزبون يدفعانه للاعتقاد بأن فعل الشراء هو فعل حر لأنه يعتمد على الخدمة الذاتية والإرادة الحرة في التقاط السلعة التي تعجبه ووضعها في سلة المشتروات، بينما الحقيقة أن القبول بدخول المول في حد ذاته يعني الخضوع منذ البداية إرادياً للإجبار الذي يفرضه المول والذي يدفع الزبائن إلى الإنفاق المتهور.

ففي ظل استحواذ ثقافة الاستهلاك المفرط، تتضاءل أهمية الانتفاع المادي للسلع، ويصير فعل الاستهلاك نفسه هو المتعة؛ لأنه هو المظهر على الوجاهة الاجتماعية وعلى التحقق الشخصي. وفي ثقافة "الاستهلاك التفاخري" يفقد المستهلك عادة البحث عن السلعة الأفضل من حيث المتانة وجودة الصناعة والتشطيب وتتجه تطلعاته لشراء العلامة التجارية الأكثر موضة. وشئياً فشيئاً تتدهور الخبرة الحقيقية للمستهلك بما هو جيد ونافع ومفيد، مقابل تطور حاسة اقتفاء الموضة والعلامة التجارية. 

ويتخذ متلقي الفنون في مجتمع النيولبرالية موقفاً تجاه الفن مماثل لموقفه تجاه السلع، فتتلاشى تدريجياً خبرته الجمالية، ويشجعه رأس المال على ذلك، بل ويقوم بتشكيل ذوقه الجمالي الجديد؛ لأنه هو من يتخذ القرار بتمويل الفنان من عدمه. وهكذا لم تعد التجارة غريمة الفنون كما كان في الماضي، بل نشأ تحالف فاوستي بينهما أضحى فيه الفن عبداً للتاجر وفي خدمته. لم يعد هناك تمييز بين الفن والسلعة الاستهلاكية، وأصبحت قيمة الفن هي ما يجلبه من مال، ونقلت الرأسمالية الطابع السلعي إلى الفن وأقامت علاقة دعارة بين رأس المال والفن. أصبحت إبداعات الخيال مطالبة بأن توفق أوضاعها للدخول إلى السوق بوصفها فناً تجارياً؛ أي بوصفها سلعة، وخضع الفنان لمتطلبات الربح السريع وآليات البست سيلر، مجبراً نفسه على التحلي بالمرونة الكافية لكي يتوافق مع الحركة السريعة لاختلاجات السوق، ومستسلماً لتلاعبات رأس المال الذي يستلبه عن نفسه وعن الآخرين.

لذلك تبدو الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الناقد الخبير الأمين كي ينير الطريق للمتلقي ويقدم له المشورة والخبرة التي يفتقدها، لأن المتفرج والقارئ والمستمع في عصر النيولبرالية إن ُترك لحاله فإن اختياراته ستتجه إلى الأكثر إفراطاً وابتذالاً. ومن المقلق كثيراً أن نشهد الآن في النقد الغربي الحالي اتجاهاً يمالئ الفن الردئ الذي يحقق أرباحاً تجارية كبرى تحت دعاوى الحيادية ورفض الانحياز، والحرية، وديمقراطية الفن وشعبيته، وإتاحة الفرص للتجارب الجديدة والغريبة. ولا يستطيع الناقد أن يهرب من ترتيبات الدعاية والرعاية لتلك الأعمال، فيحاول مضطراً إلقاء الضوء على "المنتَج" الفني وخصائصه، أو وصفه بـ "الغرابة" في أقصى الحالات، هرباً من وصفه بالتواضع أو الضعف. وهو موقف تسلل مؤخراً إلى النقد العربي المعاصر، ويمكن في هذا السياق لفت النظر إلى مثالين حديثي العهد.

بعد عرض الفيلم المصري ضعيف المستوى (هيبتا، 2016)، حاول نقاد السينما أن يكونوا "متوازنين" في كتاباتهم النقدية عن الفيلم، فصب غالبيتهم غضبهم على الأخطاء الدرامية التي اقترفها السيناريو من ناحية، لكن من ناحية أخرى، ولتحقيق "التوازن"، قاموا بتقريظ عمل الممثلين والمخرج ومدير التصوير والموسيقى والديكورات والملابس. إن العمود الفقري والأصل الروائي للفيلم؛ أي رواية (هيبتا) لمحمد صادق، يتم غض البصر عنها عن عمد من الجميع لأنها "بست سيلر" حققت أعلى المبيعات في السوق المصرية، فتنجو من اللوم بالرغم من رداءتها التي لا تخفى على النقاد.

ثاني تلك الأمثلة هو تخصيص موقع (معازف) على شبكة الإنترنت ملفاً خاصاً، في ديسمبر 2015، للاحتفاء بـ (حميد الشاعري) الذي لا يختلف الموسيقيون العرب الجادون على مسؤوليته عن انهيار الذوق الموسيقي للمستمع العربي. ويستكتب الموقع المتخصص في الموسيقى العربية كتاباً ونقاداً نعرف عنهم الرصانة، فيتجنب أغلبهم التحليل الموسيقي لأغاني حميد الشاعري، بالرغم من قدرتهم على ذلك، ويكتفون بالحديث عن الظواهر الاجتماعية والقيمية التي صاحبت صعود الشاعري ورفاقه على الساحة الغنائية المصرية: التغيرات الاجتماعية التي حدثت في الثمانينيات في المجتمع المصري، صراع الأجيال، تمرد الشباب لفقدانه الثقة في المؤسسات والموروث.

إن الناقد هنا يستعمل الموسيقى المبتذلة أرضاً لمعركة اجتماعية وقيمية دون الإفصاح عن ذلك، وهو ما يذكرنا بالصراع النقدي حول الموسيقى الجديدة في دول أوروبا الشرقية بعد سقوط أنظمتها الاشتراكية، حين دافع النقاد اليمينيون عن الصعود الكاسح لموسيقى الروك، بينما هاجمها النقاد القوميون والمحافظون باعتبارها إفساداً للذوق العام وقضاءًا على الموسيقى القومية. 

ومن المقلق بالنسبة للناقد الأمين رؤية الاتجاهات الحالية المائعة للنقد المابعد حداثي والتي تحاول تقديم الدعم لذلك النوع من الابتذال والتدني، ولصناعة الفنون التجارية الاستهلاكية، فتضفي القيمة الجمالية على ما يُسمى "فنون الكيتش" Kitsch: من أفلام وأغاني ومسرحيات تافهة، وروايات "البست سيلر" البوليسية و الخيالية سيئة الكتابة، وكل ما هو "شعبي" و"منتشر" طالما يحقق انتشاراً جماهيرياً وأرباحاً تجارية. إننا نرى ونقرأ اليوم محاولات لفنانين ونقاد ما بعد حداثيين لإعادة الاعتبار لفنون الكيتش؛ ذلك المصطلح سيء السمعة الذي ظهر في الثقافة الألمانية النقدية في منتصف القرن التاسع عشر؛ والذي كان يشير إلى المستنسخات الصناعية الكثيفة للبضاعة الرخيصة، وللأعمال الفنية الشعبية ذات الذوق الرديء الخالية من القيمة الفنية.

لكن هل يمكن أن يكون من قبيل الفن تلك الأشياء سريعة الزوال، التي لا تتحمل إعادة قراءة أو مشاهدة أو استماع؟! إن العمل الفني الجميل في اللوحة أو الموسيقى أو الفيلم أو القصة أو الرواية لا يستحق تلك الصفة إلا إن كان قابلاً لتكرار المشاهدة أو الاستماع أو القراءة؛ ذلك الذي تظل رغبتنا تتغذى منه على الدوام دون أن تشبع، صامداً أمام امتحان تغيير السياقات الاجتماعية والاقتصادية والعصور الزمانية، وقابلاً دائماً لإعادة القراءة مع كل سياق وعصر جديد.

إن مجال الفن لا يفسح مكاناً سوى لما يطبع بصمته على روح الإنسان، وبتعبيرات بول فاليري: "إننا نتعرف على العمل الفني من حقيقة أنه ما من فكرة يلهمنا إياها، ولا نمط سلوك يوحي لنا بأن نتبناه يمكن أن يُستنفَد، وما من ذكرى، ولا فكرة، ولا نمط سلوك يمكن أن تمحو تأثيره أو تخلصنا من سيطرته. ومن حدد لنفسه مهمة خلق عمل فني عليه أن يستهدف هذا التأثير".

* كاتب وباحث مصري