2018-12-03

هل ستستمرّ الهيمنة الأميركيّة العالميّة لقرنٍ آخر؟

(1 – 2)

 *أسعد أبو خليل

** يقول مؤلّف الكتابُ الذي صدرَ حديثاً عن دار نشر جامعة كورنيل إن نظريّة أجَل الامبراطوريّات (أي أنها محدودة بزمن محدَّد) لا تنطبق على الامبراطوريّة الأميركيّة لأنّها، خلافاً لامبراطوريّات بادت، تتمتّع بعناصر قوّة جغرافيّة وديموغرافيّة ومؤسّساتيّة لم يسبق لامبراطوريّة أن تمتّعت بها. ويدعم المؤلّف نظريّته بالقول إن عناصر القوّة للامبراطوريّة الأميركيّة تشمل كل المجالات - خلافاً لسابقاتها. لكن هذا هو مكمن الضعف، والانحياز السياسي، في كتاب يتوخّى العلميّة: إذ إن المؤلّف يقلّل من عناصر القوّة الصينيّة ويعظّم من عناصر القوّة الأميركيّة مهملاً في آن عناصر الضعف الأميركيّة.

الكتابُ الذي صدرَ حديثاً عن دار نشر جامعة كورنيل لمايكل باكلي جديرٌ بالقراءة: «بلا منافسة: لماذا ستبقى أميركا القوّة العالميّة العظمى الوحيدة». الكتاب لا يحيدُ عن سياق الإجماع الأكاديمي الأميركي حول صوابيّة، لا بل ضرورة، السيادة الأميركيّة العالميّة، لكنه يُفصِّلُ إلى درجة كبيرة حقيقة قدرة الصين وروسيا على منافسة أميركا في العالم. وهذا الكتاب ضروري للقراء العرب لأننا - بسبب رفضنا للهيمنة الأميركيّة في العالم - ننساقُ وراء أوهامٍ حول منافسين لا قدرةَ أو رغبة لهم على تحدّي أميركا. إعلام الممانعة - خصوصاً لكن ليس حصراً محطة «الميادين» - بالغَ كثيراً في التعويل على بروز محور «بريكس» كمنافس جدّي للهيمنة الأميركيّة.

لكن المحور ليس إلا لقاء مناسبات، وما يفرّقُ بين أعضائه أكثر مما يجمعُه. إن احتمالَ نشوب حرب بين الصين والهند، مثلاً، أكبر من احتمال نشوب حرب بين الصين والولايات المتحدة. إن ثمن تحدّي الولايات المتحدة باهظٌ في عصر السيطرة الاحتكاريّة الوحدانيّة، وأنساق عقوبات الحكومة الأميركيّة مؤثّر كما أنساق المساعدات الأميركيّة (المشروطة دوماً).

كتاب باكلي يُحفِّز على إعادة النظر في تقييم أجل الإمبراطوريّة الأميركيّة وفي تقدير إمكانيّات بروز قوى مضادة أو منافسة لها. لكن إعادة النظر لا تعني التسليم بحتميّة الهيمنة الأميركيّة، أو أن عوامل سقوط أو صعود امبراطوريّة يمكن أن تُحتَسب علميّاً. هناك عوامل تؤثّر في صعود أو سقوط الامبراطوريّة. لو أن أنور السادات كان رئيساً لمصر في أزمة السويس لم تكن الامبراطوريّة البريطانيّة ستتعرّض لإذلالٍ قاتلٍ لها - ولم يكن السادات في وارد تأميم القناة. وقرار يوليوس قيصر بفتح بلاد الغال (ولم يكن قرارُه يحظى بتأييد مجلس الشيوخ في روما) وسّعَ حدود الامبراطوريّة الرومانيّة إلى مساحة لم يسبقه إليها قيصر من قبله. أي أن قرار يوليوس قيصر (قبل أن يكون قيصراً) بشنِّ حرب ضد بلاد الغال كان يمكن أن يؤدّي إلى إضعاف الامبراطوريّة لا إلى إعلاء شأنها. ولو أن هتلر لم يتخذ قراره بغزو روسيا لكان أجلُ الامبراطوريّة التي باشر في إنشائها قد امتدَّ لسنوات، أو لعقود.

يعترف باكلي أن مؤشّرات التصنيف الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة لا تضع الولايات المتحدة في موضع الصدارة حول العالم (والمؤلّف يقبل بتراتبيّات التصنيف بلا كيف، حتى التراتبيات السياسيّة مثل «فريدوم هاوس» أو ترتيب الفساد لمنظمة «الشفافية الدوليّة» واللتيْن تعتريهما معايير بعيدة من العلميّة). يعترف باكلي (ص. ١) أن عدداً من المقاييس لا يضع أميركا في المرتبة الأولى في العالم: هي في المرتبة السابعة في نسبة التعلّم، وفي المرتبة الحادية عشرة في البنى التحتيّة، وفي المرتبة الثامنة والعشرين في الفعالية الحكوميّة، وفي المرتبة السابعة والخمسين في التعليم الأوّلي، وفي المرتبة الثالثة والأربعين في متوسّط العمر المتوقّع، وفي المرتبة السادسة والخمسين في نسبة وفاة الأطفال، والأولى في نسبة الإدمان على العقاقير الأفيونيّة، وفوقها أكثر من مئة دولة ذات مستوى دخل أكثر عدلاً، و١٢ دولة تتمتّع بمستويات أعلى من السعادة.

لكن في المقابل هناك تفوّق أميركي كبير وواضح في تلك المعايير التي تحتُسب كعناصر القوّة العالميّة، أو الامبراطوريّة. هي تملك ربع الثروة العالميّة (بالرغم من أن سكانها يبلغون ٥٪ فقط من سكّان الأرض)، وتسجّل ٣٥٪ من الابتكارات العالميّة و٤٠٪ من الإنفاق العسكري العالمي. وهي مقرّ لـ٦٠٠ شركة من أصل ٢٠٠٠ شركة الأكثر ربحاً في العالم، ولـ٥٠ من أصل «مئة أفضل جامعة في العالم».

أما التفوّق والانتشار العسكري فهذا جليّ: إذ هي تنتشر في ٨٠٠ قاعدة (والمؤلّف يورد رقم ٥٨٧ قاعدة عسكريّة) في ٤٢ دولة في العالم. إن التفوّق الأميركي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لا شكَّ فيه وليس هناك مِن عوامل تقلّل منه حاليّاً بالرغم من تحديّات سياسيّة وتعثّرات عسكريّة. لم يبالغ بول كنيدي عندما وصف الامبراطوريّة الأميركيّة بأنها «أعظم قوّة عظمى قطّ» (بول كنيدي، «أعظم قوة عظمى قطّ»، مجلة «نيو برسبكتيف كوارترلي» —وقد اعتمد كنيدي في تعميمه عن حجم الامبراطوريّة الأميركيّة على مقارنة في تاريخ الامبراطوريّات على مدى ٥٠٠ سنة في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى»). والمقارنة بين حاملات الطائرات العملاقة الأميركيّة (بعددها العشرين مقابل واحدة للصين وواحدة لروسيا) يظهر حجم التفاوت في القدرات العسكريّة - على الأقل بهذا المؤشّر لأنه يحدّد القدرة على الانتشار السريع والمتسع حول العالم. ومحقٌ كنيدي في وصفه لحاملة الطائرات الأميركيّة «إنتربرايز» بأنها «بلدة صغيرة» تعيش خلف هيكل معدني، بطول ١١٠٠ قدم وعرض ٢٥٠ قدماً، وبعلو يقارب مبنىً من عشرين طابقاً. وهي تحمل طاقماً مؤلّفاً من ٣٢٠٠ بحّار لإدارة السفينة فيما يعمل، فوق ذلك، ٢٤٠٠ طيار وأطقم قوات جويّة لخدمة سبعين طائرة حديثة. والحاملة لا تسافر وحيدة بل يصحبها طراد على طراز «إيجيس»، ومجموعة من الطرادات والمدمّرات، وسفن إمداد. ويقول كنيدي إن ثمن تشغيل حاملة طائرات يقارب ميزانيّات عسكريّة لعدد من الدول (ص. ٨ من مقالته).

لكن هذا التفوّق العسكري ليس وحده المسؤول عن ديمومة الامبراطوريّة الأميركيّة، بحسب المؤلّف باكلي بل هناك عامل التفوّق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. إن خلاصة الكتاب تكمن في تحدّي النظريّة السائدة حول حتميّة صعود الصين، والمحاججة أن نظريّات الصعود الصيني تعتمد على معايير مغلوطة وتقلِّل من مكامن الضعف في الدولة الصينيّة. يقول باكلي إن المقارنة بين القوّة الصينيّة والأميركيّة تعتمد خطأً على معايير تقليديّة للقوّة، أي الناتج المحلّي الإجمالي والإنفاق العسكري من دون حسبان ما يؤثّر في صعود القوّة، أي الإنفاق العسكري الذي يذهب لضبط الأمن في البلاد ويمنع القلاقل، وأن هذا يقلّل من حجم الإنفاق العسكري الصيني لا الأميركي (لأن ميزانيّة الدفاع الأميركيّة مكرّسة لدور الهيمنة العالميّة فيما تقوم قوى الأمن المحليّة بضبط الأمن ومنع القلاقل من ميزانيّة محليّة لا تندرج في ميزانيّة الدفاع). ويضع المؤلّف الهند والصين ضمن دول تزيد من إنفاقها العسكري ومن حجم اقتصادهما إلا أنهما مثقلتان بإنفاق هائل للرعاية الاجتماعيّة والأمن الداخلي إلى حدّ منهك لاقتصادهما - ولقدراتهما العسكريّة.

ويقول المؤلّف إن نظريّة أجل الامبراطوريّات (أي أنها محدودة بزمن محدَّد) لا تنطبق على الامبراطوريّة الأميركيّة لأنّها، خلافاً لامبراطوريّات بادت، تتمتّع بعناصر قوّة جغرافيّة وديموغرافيّة ومؤسّساتيّة لم يسبق لامبراطوريّة أن تمتّعت بها.

ويدعم المؤلّف نظريّته بالقول إن عناصر القوّة للامبراطوريّة الأميركيّة تشمل كل المجالات - خلافاً لسابقاتها. لكن هذا هو مكمن الضعف، والانحياز السياسي، في كتاب يتوخّى العلميّة: إذ إن المؤلّف يقلّل من عناصر القوّة الصينيّة ويعظّم من عناصر القوّة الأميركيّة مهملاً في آن عناصر الضعف الأميركيّة. والمؤلّف بناء على الحروب العالميّة أو الإقليميّة بين قوّة حديثة صاعدة وبين قوّة أخرى مهيمنة( ستة عشرة مرّة في الخمسمئة سنة الماضية) يخلص إلى القول إن إمكانيّة حدوث ذلك ضد الإمبراطوريّة الأميركيّة معدوم. لكن ذلك معدوم اليوم، فيكف له أن يتوقّع ذلك مستقبلاً؟ يقول إن ذلك مستحيل على ضوء عناصر القوّة الحاليّة وفيه هذا دعم لحجّته. لكنه لا يفسّر كيف أن قوى غير صاعدة بتاتاً (مثل «طالبان» في أفغانستان أو المقاومات - على أنواعها - ضد الاحتلال الأميركي في العراق) نجحت في السنوات الأخيرة من إفشال هيمنة الامبراطوريّة «الحتميّة».

في الموضوع الاقتصادي، أو في تحليل عناصر القوّة الاقتصاديّة بين الصين وأميركا، يخلص المؤلّف إلى أن احتساب قوّة الصين على أساس الناتج المحلّي الإجمالي لا يعطي صورة حقيقيّة عن قوّة الصين، وهو يفضّل عليه احتساب الناتج المحلّي الخالص بالنسبة إلى الفرد. يرى أن الصين مثقلة بأعباء الرعاية الاجتماعيّة وإطعام عدد هائل من السكّان (وأن هذا العبء يصيب أيضاً القوّات المسلّحة حيث تذهب نسبة كبيرة من الميزانيّة على أعباء خارج نطاق نظم التسليح)، إضافة إلى عبء ضبط الأمن (وهذا العبء هو أقلّ بكثير في الحالة الأميركيّة). ويقارن بين الشركات الصينيّة والشركات الأميركيّة ويخلص إلى أن الأخيرة أنجع وأكثر إنتاجاً من الصينيّة. يستشهد بدراسة تقول إن العامل والشركات الأميركيّة هي أكثر إنتاجاً من العامل والشركات الصينيّة بسبع مرّات.

وفي المقارنة العسكريّة يرى أن القدرات العسكريّة الأميركيّة متفوّقة على القدرات الصينيّة بنسبة «بين خمس وعشر مرات»، ويرى أن النجاح العسكري الصيني لن يتخطّى في حالة مواجهة مباشرة بين الجبّاريْن مسافة بضع مئات من الأميال من الأراضي الصينيّة، فيما تتفوّق أميركا - وتقدر أن تمنع السيطرة الصينيّة في الجوّ والبحر - في كل شرق وجنوب آسيا، وأن أميركا تستطيع أن تمنع الصين من غزو تايوان. ويُعمِّم الكاتب كثيراً في استنتاجاته، كما يقرّر، مثلاً، أن قدرات النظم التسليحيّة الصينيّة هي نحو نصف قدرات أميركا، لكنه لا يعطي عناصر محدّدة لتقرير ذلك في غياب مواجهة حربيّة أو اختبار على الأرض لتلك القدرات...

(يتبع، غدًا)

* كاتب لبناني