2018-11-29

الأديب محمود شقير وسيرته الأدبيّة

جميل السلحوت

صدر قبل أيّام كتاب "أنا والكتابة من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات" للأديب محمود شقير عن دار لوسيل للنّشر والتوزيع في العاصمة القطريّة الدّوحة، ويقع الكتاب في 256 صفحة من الحجم المتوسّط.

الأديب الفلسطينيّ الكبير محمود شقير نجم أدبيّ ذائع الصّيت، صدر له حوالي ستّين كتابا في مختلف الأصناف الأدبيّة، فقد كتب: القصّة القصيرة للكبار والأطفال، القصّة القصيرة جدّا، الرّواية لليافعين وللكبار، أدب الرّحلات، المسرحيّة، السّيرة، النّقد، المراثي، المسلسلات التّلفزيونيّة، المقالة الأدبيّة والسّياسيّة.

وفي كتابه هذا "أنا والكتابة" يسرد لنا سيرته الكتابيّة بدءا من تعلّمه الأبجديّة، إلى أن أصبح أديبا حاز على شهرة واسعة تخطّت المحلّيّة إلى ساحة الوطن العربيّ، ومن ثمّ إلى العالميّة من خلال ترجمة بعض أعماله إلى لغات أجنبيّة منها: الاتجليزيّة، الفرنسيّة، الإيطاليّة، التشيكيّة وغيرها.

أثناء قراءتي لهذا الكتاب لا أعرف كيف عادت بي الذّاكرة إلى كتاب "كيف حملت القلم" للرّوائيّ الكبير الرّاحل حنّا مينة، رغم التّشابه والاختلاف ما بين الكاتبين والكتابين.

ومحمود شقير الأديب المتميّز الذي يمارس التّجريب في كتاباته، فيأتينا بالإبداع الجديد دائما، لم يكتب سيرته الذّاتيّة هنا بمقدار ما كتب سيرته الأدبيّة، وإن جاءت شذرات من سيرته الشّخصية هنا وهناك بما يخدم الهدف الأساسيّ وهو سيرته الأدبيّة.

والأديب شقير المعروف بصدقه ومصداقيّته في سلوكيّاته، وفي كتاباته،- وهذا ما يشهد له كلّ من عرفوه، وكلّ من قرأوه جيّدا-، ورغم إبداعاته وتميّزه وشهرته التي تخطّت المحلّيّة إلى السّاحة العربيّة، بل وإلى العالميّة فإنّه يسرد ببساطة مدى تأثّره بغيره من كتّاب القصّة، ويعترف ببساطة وسلاسة بإخفاقاته ونجاحاته، ولا يجد حرجا في اعترافاته بما اعتبره سلبيّات في بعض قصصه، فيقول:" وجدت أنّه لا بدّ من التّخلّي عمّا هو خاطئ من أدواتي السّابقة في فهم الواقع وفي التّعبير عنه فنّيّا، خصوصا ما يتعلّق منها بتغليب الأيديولوجي على الفنّي في بعض كتاباتي."ص69.

ويقول:" كانت كتابتي تتخلّى عن بعض أو كثير من جدارتها الفنّيّة؛ لكي تتسيّد عليها لحظة الأيديولوجيا الطّاغية على النّص، وهو الأمر الذي تنبّهت إليه في ما بعد."ص82.

واعترافات شقير هذه لم تأت عفو الخاطر، بل كان يقصد من ذلك إلى الدّعوة إلى كتابة أدب إنساني راق، يُكتب له الخلود، ويكون تأثيره قويّا على المتلقّي، وهو يحذّر من أدب الشّعارات والأدب التحريضيّ المباشر خصوصا فيما عرف "بأدب المقاومة"، ويقول عن هكذا أدب:" قد تكون له وظيفة تحريضيّة مؤقّتة، لكنّه لن يقدّم أيّة خدمة بعيدة المدى للقضيّة، ولن يسهم في ترقية الوجدان، ولا في تقديم القضيّة بالصّورة التي ينبغي أن تُقدّم بها." ص144. ويستشهد على صحّة رأيه بقوله" بأنّ كثيرا من القصائد التي مجّدت الحجر إبّان الأنتفاضة الفلسطينيّة الأولى 1987، طواها النّسيان بسبب ما فيها من خطابة ووعظ وشعارات." ص145. وهذا يتطابق مع مقولة محمود درويش:" نحن بحاجة إلى عشرة آلاف عامل؛ لتنظيف قصائد الانتفاضة ممّا تراكم فيها من حجارة." ص146.

ويستشهد شقير بأدب المقاومة الخالد لشعوب وقعت تحت الاحتلال، ويعطي مثالا على ذلك:" ما زلنا نقرأ قصائد بول إيلوار، وما زلنا نقرأ رواية "صمت البحر" للفرنسي فيركور."ص 145، وسبب خلود هكذا أعمال أدبيّة هو "بسبب ما في تلك القصائد وهذه الرّواية من مشاعر إنسانيّة صادقة، تظلّ قادرة على التأثير في وجدان المتلقّي مهما تقادم عليها الزّمن."ص145.
والأديب شقير الذي صدر له حوالي ستين إصدارا أدبيّا، ويقول عن نفسه" أعترف أنّ الكتابة مصدر قوّتي الوحيدة تقريبا، فلا خيل عندي أهديها ولا مال، وليس لديّ في حقيقة الأمر سوى الكتابة، ولولا الكتابة التي تهب معنى أكيدا لحياتي لما استطعت مواصلة العيش."ص209. يعترف بأنّه مرّت عليه سنوات لم يكتب فيها، مثلا بين عامي 1969 و 1975 لم يكتب شيئا، والسّبب أنّه في تلك السّنوات انشغل بالهمّ السّياسيّ، فقد اعتقل في تمّوز 1969 لمدّة عشرة أشهر، وخضع للإقامة الجبرية بعدها لعام كامل، وأعيد اعتقاله في نيسان –ابريل 1974 وأبعد في شباط 1975 إلى لبنان. وفي براغ حاول الكتابة ولم يستطع، كما أنّه لم يستمرّ في كتابة مقالة أسبوعيّة في عدد من الصّحف منها "الرأي والدّستور الأردنيّتان، القدس والحياة الفلسطينيّتان" والسّبب:" أنا أحبّ الكتابة التي أذهب إليها مختارا، لا تحت ضغط الوقت الذي تستلزمه زاوية ثابتة في صحيفة يوميّة أو في ملحق أسبوعيّ." ص86.

وفي سيرته الأدبيّة هذه يذكر محمود شقير أهمّيّة المكان بالنّسبة للكاتب فيقول:" ولا بدّ من القول بأنّ للمكان تأثيرا كبيرا على أعمالي الأدبيّة، فحينما كنت أعيش في المنفى بعيدا من مكاني الأوّل، الذي شهد ولادة قصصي الأولى، وجدت صعوبة في كتابة قصص تنتمي إلى ذلك المكان، وأنا بعيد عنه." ص116. وهذا يفسّر سبب لجوئه إلى كتابة القصّة القصيرة جدّا فيقول:" ومن أجل تجاوز هذه المعضلة، لجأت إلى كتابة القصّة القصيرة جدّا التي لا تحتاج إلى مكان مفصّل"ص116.

ويوضّح الأديب شقير سبب اتّجاهه إلى الكتابة للأطفال، ويعزو ذلك لعدّة أسباب منها" الرّغبة في إرضاء الطفل الذي في داخلي." ص132. وهذا يعيدنا إلى المقولة الفلسفيّة" إنّ في داخل كلّ إنسان طفلا صغيرا"، وأفضل من كتبوا للأطفال هم أولئك المبدعون الذين يتخيّلون أنفسهم أطفالا وهم يكتبون للأطفال. وتعود بي الذّاكرة هنا عندما التقيت كاتب أطفال روسيّ في موسكو عام 1984،- لا تسعفي الذّاكرة باسمه- وكان في الثّمانينات من عمره، وممّا قاله أنّه عندما يكتب قصّة للأطفال فإنّه يعود في خياله إلى مرحلة طفولته، ويضع قلم الرّصاص في فمه، كما كان يفعل ذلك وهو في الصّف الإبتدائيّ الأوّل. ويركّز الأديب شقير على ضرورة الخيال في الكتابة للأطفال، ويبرّر ذلك بقوله:" لأنّ الخيال ضروريّ لتوسيع مدارك الطفل، ولتعزيز ملكة التّفكير لديه، ولا بأس في هذه الحالة من الذّهاب إلى أبعد مدى ممكن في لعبة الخيال والتّخييل التي ستعود بالنّفع الأكيد على الطّفل القارئ."ص134. ويعزّز رأيه بمقولة ألبرت أينشتاين:"الخيال أهمّ من المعرفة."ص134.

ويسهب شقير في سيرته هذه بالحديث عن القصّة القصيرة جدّا، ويعرّفها ويذكر كثيرا ممّا قيل ويقال حولها.

ويذكر الأديب شقير ما يخيفه من الكتابة فيقول:" أخاف من السّلطة الدّينيّة في المقام الأوّل، ثمّ من السلطة الاجتماعيّة، يأتي بعدهما الخوف من السّلطة السّياسيّة ثالثا، ومن الاحتلال الإسرائيلي في المقام الأخير" ص162.

وسبب مخاوفه أنّ "السّلطة الدينيّة في مجتمعاتنا العربيّة لم تعد متنوّرة متسامحة كما كان الحال من قبل." و"تتغذّى السّلطة الاجتماعيّة من حالة غياب العقل، ويزداد سعارها للحفاظ على السّائد وتكريسه." والسّلطة السّياسيّة أن ثمّة خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها." 

و"الاحتلال الإسرائيليّ لم يقصّر طوال العقود الماضية في قمع حرّيّة الكلمة وفي التّضييق على المثقّفين واضطهادهم." ص163.

وفي الختام: هذه لقطات سريعة ممّا جاء في سيرة الأديب شقير الأدبيّة، وهي لا تغني مطلقا عن قراءتها، وهذه السّيرة تحتاج إلى دراسات لتوضيح الكنوز الأدبيّة التي احتوتها.