2018-11-26

لن تأمن إسرائيل جانب الفلسطينيين ولن تهادنهم

سعيد مضية

"تدرك إسرائيل كم اجرمت بحق الفلسطينيين!". عبارة نطق بها الراحل حيدر عبد الشافي وهو في طريق العودة الى غزة من مفاوضات الكوريدور بالعاصمة الإسبانية.

التقيناه في بيت الدكتور يعقوب زيادين، سكرتير الحزب الشيوعي الأردني، وحدثنا طويلا المناضل الفلسطيني عن مماطلة المفاوض الإسرائيلي وخلص الى القول باستحالة الدخول في مفاوضات جادة مع الإسرائيليين، نظرا لأنهم لا يريدون الإقرار بأبسط انتهاكات حقوق الفلسطينيين، ناهيك عن الاعتذار. فيما بعد اكد إيهود باراك، رئيس وزراء حكومة العمل، ان "أي كيان ينشأ غربي نهر الأردن إنما يشكل بداية النهاية لدولة إسرائيل".

تأكدت تلك القناعة من جديد بقانون قومية دولة إسرائيل، الذي أحل مواصلة الاستيطان مبدأ أساسيا وقيمة عليا. وهذا ما يؤكد عمليا نوايا التطهير العرقي من جديد. وفي كتاب الفه توماس سواريز عام 2016، بعنوان "دولة الإرهاب كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب". وصدر بالعربية ضمن سلسلة عالم المعرفة في أيار 2018، اورد الكاتب وثائق وسجلات بريطانية لم تُنشر من قبل، من بينها أوراق سرية، ومراسلات دبلوماسية وتقارير مخابراتية، تبرهن حقيقة أن الجزء الأكبر لدوام العنف إلى اليوم بلا أي حل هو هذا الإرهاب الممنهج والذي لقي ويلقى الدعم باستمرار. يورد على سبيل المثال ما كتبته مجلة إيكونوميست البريطانية في نوفمبر 1942 بصدد اغتيال الصهاينة لورد موين المفوض السامي في الشرق الأوسط، أن" قتله صلب المشكلة الراهنة ، المتمثلة في ان الصهاينة الذين تدعمهم أميركا يريدون فلسطين كلها، وأن أي شخص يعرض عليهم ما هو أقل من ذلك يعد عدوا لهم". في وثيقة اخرى (ص21) تاكيد بان قبول الوكالة اليهودية لقرار تقسيم فلسطين "لم يكن سوى تحرك عملي ضمن جدران الأمم المتحدة. فقد حذرت المخابرات البريطانية والأميركية من انه ليس ثمة من زعيم إسرائيلي، او احد من المستوطنين كافة، لديه النية في احترام قرار التقسيم".

فالحقيقة ان ثمة وثائق يعود تاريخها الى ما قبل انتهاء حكم الانتداب، تثبت ان "البريطانيين والأميركيين كانوا واثقين بأن خروج بريطانيا سينتج عنه إنشاء دولة يهودية، ليس وفق قرار التقسيم، بل مساحة الأرض التي ستتمكن الميليشيا الصهيونية من السيطرة عليها بالقوة". سلّط الصهاينة إرهابهم ضد جودا ماغنس مدير الجامعة العبرية لمعارضته قيام دولة لليهود كما "انتقد النزعة الشمولية المتنامية لدى اليهود" وندد بالضغوط " المتصاعدة من اميركا للخضوع للشمولية الصهيونية التي تسعى الى إخضاع الشعب اليهودي كله الى مذهبها" (130)، جوبه بحملة دعائية لتلطيخ سمعته دونما اعتبار لمكانته الأكاديمية. 

وما أشبه الليلة بالبارحة. إسرائيل تجند احتياطيها في الخارج لمنع التضامن مع الشعب الفلسطيني، والفتك بنشطاء حركة "مقاطعة إسرائيل وحصارها" (بي دي إٍس) وحركة "العدالة لشعب فلسطين". تنفق إسرائيل اثنين وسبعين مليون دولار سنويا يضاف لها تبرعات انصارها، أصحاب المليارات من شاكلة شيلدون اديلسون صاحب كازينوهات لاس فيغاس، لتمويل عمليات تعقّب المؤازرين للمقاومة الفلسطينية و"اغتيالهم مدنيا".

جبهة الحرب النفسية يشنها عملاء إسرائيل، يتلقون منها تقنيات تصنت وحرب إليكترونية وبرامج معلوماتية يستخدمونها ضد المتعاطفين مع عدالة القضية الفلسطينية، و" لن يتطلب الأمر زمنا طويلا حتى تقلب الدعاية في الغرب الواقع رأسا على عقب وتتحدى كل البينات المتوفرة فتقدم الفلسطينيين هم المعتدون والإسرائيليين ضحايا...."، كما استخلص شيلدون ريتشموند، المناضل الأميركي من اجل حقوق الإنسان. علق ريتشموند في مقال نشره في 19 تشرين ثاني الجاري على تقرير يجمل أنشطة الهيئات المناصرة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. فقد استطاع صحفي يدعى توني، جندته فضائية الجزيرة، التغلغل في صفوف اللوبي اليهودي بصفة متطوع، كسب خلاله ثقتهم لدرجة ان عرض عليه المشرف الاستمرار معهم كأحد عناصرهم. جمعت مراقبته اليقظة نماذج متبعة لشيطنة النضال الفلسطيني، وفبركة تهم تلطيخ سمعة من يؤيدونه داخل الولايات المتحدة، وصاغها في تقرير أوقفت الفضائية بثه نتيجة ضغوط انصاعت لها حكومة قطر. واستطاعت نشرة "الانتفاضة الإليكترونية" الحصول على التقرير وبثته بالانجليزية على موقعها ، تعاونها في النشر صحيفة الأخبار اللبنانية ولوموند الفرنسية. 

أورد التقرير أن كوادر اللوبي الإسرائيلي يعرفون أنهم لا يكسبون أي نقاش يدور حول قضايا ملموسة للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني؛ فيتبعون تكتيكات تدمير الحياة الشخصية لأنصار فلسطين. يعملون تحت إشراف وزارة الشئون الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس غريبا ان الجواسيس يشكلون طاقم الوزارة. أسرّ جاكوب بليم المسئول عن دائرة النشاط داخل الجامعات لتوني انه ينسق مع وزارة الشئون الاستراتيجية، وتبلغ مليوني دولار موازنة "الأبحاث" بقسم الجامعات لفبركة التهم المؤثرة . وتعمل في الولايات المتحدة منظمة الدفاع عن الديمقراطية، وهي إحدى الهيئات التابعة لوزارة الشئون الاستراتيجية الإسرائيلية. ويعتبر السود المنخرطون في حركة "حياة السود تهم" من اخطر القوى العاملة ضد إسرائيل. اما إيريك غالاهار، المسئول المباشر لتوني، فأقر أن القاعدة التي تقف عليها منظمة إيباك تتعفن، وتظهر استطلاعات الرأي هبوطا حادا في دعم إسرائيل من قبل الشرائح التقدمية والليبرالية. يقول توني ان النشاط الذي تنظمه إسرائيل داخل الولايات المتحدة لو قامت به روسيا او إيران او سوريا او تركيا لأقامت اميركا الدنيا.

خلص شيلدون ريتشموند من التقرير انه "يوضح الأمداء التي سيمضي اليها الإسرائيليون وأنصارهم بالولايات المتحدة لكي يمنعوا تغيير التفكير الأميركي بصدد الفلسطينيين المحاصرين". وقال ان عقدة تجريم الذات بفعل اضطهادات اليهود في أوروبا، حيت تكللت بجرائم النازية اتُخِذت ذريعة ل "تعاطف المؤسسات الإعلامية والسياسية في الغرب بصورة شبه إجماعية مع إسرائيل وشيطنة الفلسطينيين... ويستدرك الكاتب فيرى ان "الحروب والمجازر والاضطهادات التي اقترفتها إسرائيل على تتالي العقود والجهود الروتينية المتلاحقة لتشويه إنسانيتهم أعقبتها تحولات في التيار، وبات الرأي العام، خاصة الشباب في أميركا، و بالأخص الشباب اليهودي يتحول بالتدريج ضد إسرائيل".

ان شعور الإسرائيليين بعدم الأمان يعود إلى طبيعة الدولة ونشأتها دولة عنصرية مرتبطة بالامبريالية. انتجت إسرائيل حرب حزيران بالتعاون مع إدارة جونسون الأميركية لتنفيذ خطة التوسع وإخضاع المنطقة للتحالف الامبريالي الذي تشكل إسرائيل فيه مكونا عضويا. وحسب اعترافات قادة العدوان، الجنرالات رابين ونائبة وايزمن وعضو هيئة الأركان متتياهو بيلد وكذلك ميناحيم بيغن، جرى تلفيق خطر إبادة إسرائيل وحكاية الحرب الوقائية. كمنت خطورة التلفيق ان العرب، والفلسطينيين خاصة، صدقوا وغفلوا عن إجراءات الاحتلال تنفِّذ بالتدريج أهداف العدوان. وجاءت اوسلو والمفاوضات خديعة أخرى للفلسطينيين والعالم، حيث نفذت أضخم عملية سرقة أراضي وبناء مستوطنات مستظلة بوهم عملية السلام. ناورت إسرائيل اكثر من مرة على الجبهة الفلسطينية، وهي الدينامو المحرك لمجمل سياساتها الإقليمية والدولية، واستفزت وبادرت للعدوان من اجل استدراج الفلسطينيين ودول عربية مجاورة الى الصدامات المسلحة. ومرارا أفلحت في استدراج الفلسطينيين الى مواجهات عسكرية غير متكافئة بنتيجتها قضمت المزيد من الأراضي الفلسطينية.

استفاق الفلسطينيون بعد حقبة من التفاوض العقيم وفشل مباحثات كامب ديفيد في خريف 2000، وعبروا عن خيبة أملهم بالمظاهرات الاحتجاجية. امعن إيهود باراك رئيس الوزارة في استخدام القوة المفرطة ضد المظاهرات السلمية، ثم حذا حذوه شارون بعد تسلم الحكم في شباط 2001. استغل شارون عام 2001 نزعة الانتقام لإبقاء التفجيرات الاستشهادية بين المدنيين اليهود ، وذلك من خلال اغتيال كوادر الفصائل الفلسطينية المسلحة. لم يحاول أي من الفصائل التمعن في دأب شارون على تنفيذ الاغتيالات؛ ولم يدر بخلد أي تنظيم فلسطيني ان شارون وغيره من قادة إسرائيل يتاجرون بجثث اليهود. وارتضي المحافظون الجدد في الولايات المتحدة التعاون مع صهاينة والتضحية بآلاف الأميركيين(11أيلول 2001) في برجي نيويورك من اجل قذف المسلمين والمقاومة الفلسطينية بالإرهاب و إطلاق أيدي اميركا للشروع في مغامرات حربية في الشرق الأوسط وكل العالم. إن قتل المئات والآلاف من المواطنين او الأجانب لا تثقل ضمائر دعاة الحروب. 

وجاءت إدارة ترمب تطورا طبيعيا لنهج المحافظين الجدد في تصعيد التوترات الدولية، خصوصا في الشرق الأوسط. تتصدر إسرائيل مساعي إشعال حرب ضد إيران، وتجد التجاوب من إدارة ترمب. كان ليبرمان قد افصح عن نوايا فرض تهجير جديد للفلسطينيين من خلال حرب في المنطقة. كثيرة هي خطايا مواجهة إسرائيل مع إغفال التدخل الأميركي صراحة او مواربة. وجناية كبرى تكمن في تجاهل القدرات النووية لإسرائيل. راودت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل أثناء حرب العبور فكرة استخدام السلاح النووي؛ وربما حال دون التصرف الجنوني الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة وزودت بواسطته إسرائيل بالمعدات القتالية وبالطاقة. صرح فرانكو، ديكتاتور إسبانيا آنذاك ان الولايات المتحدة فرضت عليه تزويد إسرائيل باحتياطي النفط لدى إسبانيا. وقدمت الولايات المتحدة لإسرائيل صور الأقمار الصناعية الكاشفة لثغرة الدفرسوار التي تسلل منها شارون وقوته العسكرية الى الضفة الغربية لقناة السويس. يمكن لهذا السيناريو أو مثيله ان يتكرر في حال تعرض وجود إسرائيل للخطر. 

باتت إسرائيل شبه محاطة بقوى عربية مانعة وممانعة؛ ويدور الحديث عن حصار مضروب حول إسرائيل يكبح جماح طاقتها العسكرية . إذ باستثناء الضفة الغربية لم يعد بمقدور إسرائيل ان تنفس احتقاناتها بعدوان تفتعل مسبباته وتخرج من الحرب الخاطفة تقضم من خلالها المزيد من الأرض، حيث أن الصراع حول الأرض والبعد الاستراتيجي يشكل جوهر الوجود الصهيوني بالمنطقة. الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة في العالم الموبوءة باحداث العنف المسلح، وذلك بجريرة ممارسات إسرائيل عبر عقود متتالية. يركز نتنياهو، المدعوم بدون تحفظ من قبل المحافظين الجدد وإدارة ترمب، لجني اكبر المكاسب من الحالة العربية المتردية. فهو يستثمر على أفضل وجه تبعية دول عربية للامبريالية ويطور معها علاقات شاملة، اقتصادية وسياسية وعسكرية، يظهر فيها العنصر القادر على التحاور والتوصل الى اتفاقات، علاوة على تمتين روابط تبعية بلدان عربية للتحالف الامبريالي الذي تشكل إسرائيل محور فاعليته بالمنطقة. الدول التي يتواصل معها نتنياهو لم تتحول، ولم تعبر جسرا، او من ضفة إلى ضفة؛ فالرجعية العربية ساندت إسرائيل منذ إنشائها وادخلت جيوشها لقتل جنين الدولة الفلسطينية واحترمت حدود الدولة اليهودية التي رسمها قرار التقسيم. نتنياهو، يستثمر على الطريقة الرأسمالية تبعية الرجعية العربية للامبريالية، وبمساعيه داخل الولايات المتحدة، يقدم الدليل لناخبيه وانصاره في الخارج على صحة نهجه لتهويد كامل فلسطين وإقامة علاقات طبيعية مع العرب، ومن ثم كسب شعبية طاغية في الداخل تؤهله لمواصلة الحكم.

هنا يفرض التساؤل نفسه: من يحاصر من؟ هل ترضخ إسرائيل لقدر توازن الردع ؟

ام أن لديها طاقة اختراق المصدات مستعينة بالوجود الأميركي؟ فرضت الولايات المتحدة وجودها العسكري في أجزاء من سوريا؛ ولديها عشرات القواعد العسكرية بالمنطقة وعلى الراضي العربية وداخل إسرائيل. تقاوم أميركا بشراسة مسيرة الحل السلمي للوضع السوري، وتضرب المدنيين بقنابل محظورة دوليا وتدعم فصائل داعش في انحاء سوريا وتهدد بشن عدوان على سوريا متذرعة باستخدام السلاح الكيماوي. الولايات المتحدة تهيئ المسرح لحروب قادمة في المنطقة. هذا ما لا يجوز أن يغيب عن تقديرات قوى المقاومة للعدوان الإسرائيلي – الأميركي. فقد تكرر التهديد بحرب تحرير تهاجم إسرائيل من جبهتي الشمال والجنوب.هل مساعي تشكيل حلف بالمنطقة لضرب إيران تجري للتمويه أم هي مساع جادة طالما انها تحظى بدعم إدارة ترمب وتنسجم مع مجمل سياساتها التصعيدية على الصعيد الدولي؟

أعطت إسرائيل نفسها، بموافقة أميركية صريحة، حق العدوان على أراض عربية مجاورة ، خاصة قطاع غزة. أراد ليبرمان من العدوان الأخير على القطاع حربا تقتلع حماس في غزة، ويحذر نتنياهو من مخاطر امنية لا يستطيع التحدث عنها علنا ويقصر الحرب من اجل التهدئة، كي يتفرغ لحرب أشمل وأكثر جذرية من حيث النتائج. حاليا يحاول نتنياهو حشر القطاع بين فكي كماشة: تهدئة تستكين للأمر الواقع وتعزل القطاع عن الضفة بما يحول دون إقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة، او المزيد من الضربات المدمرة والمهلكة. إسرائيل وانصارها في الغرب يدركون صعوبة تلاقي السلفيين مع التيار العلماني العربي؛ ولهذا فبعدّة طرق ولعدة أسباب ساعدوا على تشكيل حركة حماس وهيمنتها على غزة. فهي تقسم المقاومة ، ودعايتها تسهل اتهام المقاومة الفلسطينية بالإرهاب . وفي الوقت الراهن يسعى التحالف قطع غزة نهائيا عن الضفة. ملايين قطر لا تعبر عن مروءة تضامن ؛ قطر أول المطبعين العرب مع إسرائيل وأكثرهم حماسا للتنسيق مع مخططات إسرائيل للمنطقة، ومثال ليبيا وسوريا كاشف. غير ان من الضروري تحذير قيادة المنظمة بالضفة من موقفها الذي يحيل الملايين النفطية "مكرمة" قطرية، بينما هي تهيئ الظروف الملائمة لخيار دويلة غزة. من السهل ان تشن إسرائيل غاراتها على الجوار، خاصة قطاع غزة؛ وتشدد إسرائيل ضرباتها العسكرية حين تلتقط من الطرف المقابل توجها للتهدئة لترغمه على التعجيل في حسم قراره . يراود نتياهو الوهم أن بمقدوره تقليص تطلعات الفلسطينيين الى ما دون التحرر من الاحتلال والفكاك من نظام الأبارتهايد .

وإذا أبقى نتنياهو للفلسطينيين على جيوب متناثرة في التجمعات السكنية فذلك ترتيب مؤقت لأن التجمعات الفلسطينية محاطة بالمستوطنات وعرضة لاحتكاكات واعتداءات ومضايقات تجبر المواطنين على الرحيل. 

إن الإحاطة بمشهد النشاط الإسرائيلي من جميع زواياه تظهر إسرائيل تتقن استغلال الظروف المواتية، وتبادر تدمج التكتيك بالاستراتيجية. وهي ما زالت تحظى بمساندة دول الغرب الامبريالية، رغم انتقادات تصدر من هنا وهناك. تحشد إسرائيل كامل احتياطيها في الحرب متعددة الجبهات بينما ينشغل الفلسطينيون في مماحكات ومناكفات سخيفة تبرهن على عدم الارتقاء لمستوى الخطوب المتربصة. تبرز أثناء المواجهات مظاهرات تأييد للمقاومة الفلسطينية، لكن القيادات لا تفكر في حشد وتعبئة البعد الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية في حركة منتظمة ومستدامة.

المناكفات الداخلية تلهي عن ضرورة دعم حركة بي – دي- إس بالمعلومات الضرورية لنشاطها ومساندة المواجهات الشجاعة لماكنة التحريض المضادة واحتضان الضحايا . 

إذا استطاعت المقاومة المسلحة تشكيل رادع للعدوان الإسرائيلي فإن المقاومة الشعبية لنظام الأبارتهايد وقيوده الفاشية مؤهلة لأن تتصاعد و تستقطب حولها حركة تضامن إقليمية ودولية توقف سرقة الأرض وتوسيع الاستيطان والقتل العشوائي، تلك التي باتت المتنفس لفائض الطاقة الإسرائيلية. يتواصل على أرض الضفة عدوان تجتمع فيه جميع وسائل العنف ينفذ أهداف حزيران. وبحكم القرب من المراكز العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ونظرا لطوبوغرافية الأرض فإن الضفة لا يمكن أن تتطور عليها مقاومة مسلحة تكتسب قوة متعاظمة مستدامة تكنس الاحتلال.

المقاومة الشعبية مؤهلة أفضل من المقاومة المسلحة في استقطاب الأنصار المتضامنين. وهنا يجب أن تدرك حركة حماس أن إدارة الصراع السياسى قبل العسكرى مع إسرائيل مرهون بوحدة الصف الفلسطينى وإنهاء الانقسام، ومن ثم ضرورة إنجاز المصالحة، عبر التنفيذ الأمين والدقيق لاتفاق القاهرة 12/10/2017، وبما يضمن تحقيق الوحدة الوطنية والسياسية والجغرافية، والرجوع إلى إرادة الشعب الفلسطينى وصناديق الاقتراع لتحديد آليات تحقيق الأهداف القومية الفلسطينية.

إن تشكل جبهة إقليمية لمقاومة الامبريالية والعدوان الامبريالي، علاوة على تنامي قدرة الردع، يرفع معنويات الشعوب العربية وينهضها للكفاح التحرري من سيطرة الامبريالية الأميركية – الإسرائيلية. ونضال التحرر الوطني لشعوب المنطقة من شانه ان يشكل رديفا استراتيجيا للمقاومة الفلسطينية ويضعف قدرات الولايات المتحدة على دعم إسرائيل. وقد ينعكس ذلك على القوى المناهضة للاحتلال الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة وغرب اوروبا. الكفاح الشعبي يستقطب التضامن الدولي ويظهر عدالة القضية أو القضايا التي تلتف حولها الجماهير. والحقبة الراهنة تشهد التحول باتجاه التحركات الشعبية السلمية، رغم نزعات الحرب والعدوان لدى أوساط المحافظين الجدد، أنصار برنامج القرن الأميركي.