2018-11-08

ضرورات الضمان الاجتماعي الفلسطيني وتعزيز الثقة بين جمهور العاملين

النقابي: محمد جوابرة

يكتسب موضوع الضمان الاجتماعي وما يثار حوله من جدل وحراك أهمية خاصة باعتباره احد الأشكال الأساسية للحماية الاجتماعية التي من شأنها في حال توفرها أن تعزز صمود المواطن في مواجهة كافة التحديات التي يواجهها سواء على الصعيد الوطني أو الاجتماعي ...

وعلى الرغم من ازدحام القضايا التي تستدعي العمل عليها وخلق فعل شعبي لمواجهتها والتصدي لها باعتبار الفعل الشعبي هو الأداة والتعبير الأكثر فاعلية وتأثيرا على مجمل القضايا التي تتطلب المواجهة والتصدي لها بدءا بصفقة القرن وإنهاء الانقسام وتصويب النظام السياسي الفلسطيني ومواجهة الاستيطان ونصرة الأسرى والتصدي لمحاولات تصفية قضية اللاجئين والقدس وغيرها من قضايا العمل السياسي. وكذلك فان جملة واسعة من القضايا الاجتماعية لها من الأهمية ما يستدعي إبرازها والعمل من أجلها وفي مقدمتها السياسات الاقتصادية المتبعة والتي تنحاز بالمجمل لرأس المال الفلسطيني من خلال إقرار عدد كبير من القوانين التي تمنحهم الامتيازات والإعفاءات دون ربط ذلك بالتزامات واضحة حول التشغيل والالتزام بالنظم والقوانين المتعلقة بجمهور العاملين "تطبيق قانون العمل الفلسطيني, الحد الأدنى للأجور, شروط الصحة والسلامة المهنية, وتأمين العمال ضد إصابات العمل وغيرها" .

إلا أن قضية الضمان الاجتماعي استحوذت على هذا الحيز الواسع من التفاعل والجدل والحراك وهذا يعكس القيمة الكبيرة التي يتمتع بها هذا.

سواء من حيث تأثيره على مجمل الوضع الاقتصادي وخاصة ما يتعلق بالتزامات أصحاب العمل بشكل مباشر من خلال المساهمات المالية أو بشكل غير مباشر عبر المساهمة في تنظيم سوق العمل وفرض تطبيقات واسعة من الحقوق القانونية المتعلقة بجمهور العاملين لان تصريح صاحب العمل بأعداد العاملين وشروط عملهم يستلزم الفحص والتحقق من شروط وظروف العمل فلا يمكن تسجيل عامل لدى مؤسسة الضمان يتقاضى راتبا أقل من الحد الأدنى للأجور "رغم تحفظنا على القيمة النقدية 1450 شيقل وهي أدنى من خط الفقر المدقع" لان ذلك يتعارض مع النظام والقانون العام على سبيل المثال. وهذا ما يزعج ويثير رأس المال وأصحاب العمل وخاصة قطاعات واسعة جدا من أصحاب العمل الذين يشغلون في منشاتهم أقل من خمسة عاملين ويمثلون أكثر من 90% من المُنْشآت الاقتصادية .

وفي المقابل فقد كان ملفتا للانتباه موقف قطاعات واسعة من العاملين وخاصة في المؤسسات الكبرى وقوفهم ضد الضمان الاجتماعي والمطالبة بوقف تنفيذه وجعله اختياري الأمر الذي يعني التدمير والقضاء على موضوع الضمان بمجمله وهذا بالعام عكس مصالح العمال الذين طالما طالبوا بالحماية الاجتماعية وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي.

وحتى يكون نقاشنا موضوعيا بهدف الوصول إلى نتائج تخدم أهدافنا الوطنية والاجتماعية للترابط الوثيق بينهما فالحديث عن تعزيز الصمود وتوسيع المشاركة الشعبية في النضال الوطني يستدعي توفير مقومات هذا الصمود رغم أن شعبنا وعبر أكثر من مئة عام من الصراع اثبت انه شعب متمسك بحقوقه الوطنية وقدم الغالي والنفيس من اجلها دون الالتفات إلى المنافع المباشرة التي قد يجنيها .. فلماذا يحدث كل هذا وما هو المطلوب ؟؟...
عام 2016 صدر قانون الضمان الاجتماعي رقم 6/العام 2016م وقد احتوى على ثغرات جوهرية تم اعتبارها قضايا تفرغ الضمان الاجتماعي من جوهره وأهدافه وخاصة ما يتعلق بضرورة وجود ضامن وجملة من القضايا التفصيلية لسنا بصدد الحديث عنها ولكن يمكن العودة لها والاضطلاع عليها من خلال البحث عن التعديلات التي تم إدخالها على القانون الذي تم سحبه وإصدار قانون معدل رقم 19/ العام 2016 "ويمكنكم للاطلاع العودة لصفحة الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي على مواقع التواصل الاجتماعي".

والملفت للانتباه انه ومنذ البدء بتنفيذ القانون عمليا عبر تشكيل مجلس إدارة الصندوق الذي يضم "ممثلين عن الحكومة (5) وأصحاب العمل (5) وممثلين عن العمال(5) وممثل عن النقابات المهنية + ممثل عن المنظمات الأهلية + خبير مالي أكاديمي" ومرور ما يقارب العامين على عمله لم تحدث أي احتجاجات على القانون أو المؤسسة بالشكل القائم حاليا رغم أن الحملة الوطنية استمرت بمتابعة الموضوع وعقدت أكثر من لقاء مباشر مع أدارة الصندوق أو لقاءات مفتوحة مع إدارة الصندوق لمتابعة عملها كشكل من أشكال الرقابة, وليس خفيا أو إجحافا للحقيقة أن قلنا إن بداية الإشكال والحراك بدأ بالخلاف مع رأس المال حول احتساب مكافأة نهاية الخدمة للعمال الذين سيلتحقون وينتسبون للضمان الاجتماعي بناءا على ما ورد من قرار وتعميم صدر عن وزير العمل بتاريخ 4/6/2018م وقرار المحكمة الدستورية لاحقا بهذا الشأن, وقد تحدثنا عن هذا الموضوع سابقا "ويمكن العودة للاطلاع على الموضوع في مقالات سابقة " .

لم يكن غريبا أن يقف رأس المال وأصحاب العمل هذا الموقف وهم من يستغلون انتشار البطالة واتساع الفقر لفرض شروطهم على العمال واستمرار معادلة التشغيل بين العامل وصاحب العمل على قاعدة استثمار الحاجة الملحة للعامل وندرة فرص. ولكن الغريب موقف قطاعات واسعة من العاملين والنشطاء الاجتماعيين والسياسيين ضد القانون عبر نقل معلومات غير صحيحة مستغلة عدم معرفة العاملين بتفاصيل القانون من ناحية وأزمة الثقة بين مجمل سلوك السلطة في العديد من القضايا وجماهير شعبنا وخاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد والمسائلة والشفافية وغياب المرجعيات القانونية للهيئات والقيادات عبر غياب العملية الانتخابية وتعطيل المجلس التشريعي والتغول في إصدار الأنظمة والقوانين دون عرضها على جماهير شعبنا لإبداء الرأي حولها في غالب الأحيان.

ويضاف لذلك الوضع السياسي الذي يتسم بانعدام الاستقرار ومخاطر المستقبل فيما يتعلق باستمرار السلطة وبقائها من عدمه واستمرار الانقسام الذي أدى الى شبه انفصال بين الضفة وغزة عدا عن فصل القدس جراء سياسات الاحتلال ومخاطر ضمان الحقوق والأموال والمدخرات لجمهور العاملين الذين سيلتحقون بالضمان مستقبلا, هذا إضافة إلى إقحام مجموعة من الصراعات التي تتسم بطابع سياسي ومصالح فئوية ضيقة ليس لها شأن بالعمال ومصالحهم .

وهنا أود الإشارة إلى قضيتين رئيسيتين:- 

الاولى :- ضرورة استيعاب وتفهم كافة المخاوف والتساؤلات التي يبديها العاملين اصحاب الحق في الحماية والضمان .

ثانيا :- لم يدعي أحدا أن ما تم التوصل إليه في قانون الضمان الاجتماعي رقم 19/لعام 2016 حالة مكتملة وخالية من أي ثغرات أو نواقص. بل تم التأكيد في اكثر من مرة ان القانون يمثل أساسا لبناء مؤسسة ضمان اجتماعي فلسطيني تحتاج الى تطوير ومراجعة دائمة بناءا على مجريات العمل والتطبيق التي من شأنها ان تكشف لنا المزيد من الثغرات والقضايا المستجدة التي تحتاج إلى معالجات وقد برز في سياق التفاعلات الراهنة العديد منها ولكنها لا تمس جوهر القانون. علما أن القانون تضمن آلية مراجعة كل ثلاث سنوات .

إن الصراع القائم حاليا حول موضوع الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية بشكل عام يستدعي تحديد البوصلة والأهداف المراد تحقيقها .. والتي تبدأ أولا بضرورة البدء بتطبيق نظام ضمان اجتماعي يؤمن الحماية من الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين وتأمين إصابات العمل وتأمين الأمومة في المرحلة الأولى على أن تقدم رؤيا واليات محددة بجداول زمنية لتطبيق باقي المنافع الواردة في القانون (تأمين المرض + التأمين الصحي + تأمين البطالة + تأمين التعويضات العائلية). وثانيا البحث عن صيغ لتوفير ضمانات إضافية على أموال المنتسبين واستثمارها التي من شأنها أن توفر حالة اطمئنان لجمهور العاملين في ظل الأوضاع السياسية القائمة.

ثالثا فتح باب الحوار المجتمعي والتمثيلي لجمهر العاملين والمجتمع المدني والوطني للبحث في كافة التساؤلات والملاحظات المثارة ووضعها موضع التعديل والتنفيذ ..

ويجب التنويه إلى أن نضالنا النقابي كعمال في إدخال تعديلات على قانون الضمان ومؤسسته سيوجه بصراع مرير مع أصحاب العمل الشركاء في إدارة الصندوق وهم من رفضوا ويرفضون تعديل العديد من القضايا التي تم التوصل فيها الى حلول وسطية مثل نسب المساهمات التي يجب تعديلها لتصبح الثلث على العامل والثلثين على صاحب العمل مما يساعد في رفع رأس مال الصندوق وبالتالي ضرورة الارتقاء بمستوى المنافع ..

وهذا يستدعي صياغة المطالب بشكل علمي وقانوني وموضوعي للتعديلات والمطالب. وتوحيد الجهد والتنظيم لكل من ينتمي لجماهير عمالنا ويدافع عن حقوقهم وصولا إلى تحقيق الأهداف وفي المقدمة منها وضع آليات إلزامية لتطبيق قانون العمل الفلسطيني وإنشاء المحاكم العمالية المختصة ومحكمة الضمان الاجتماعي وإعادة دراسة قانون الحد الأدنى للأجور لينسجم مع خط الفقر المدقع والعادي ووضع الآليات الملزمة لتطبيقه من قبل أصحاب العمل وفتح قانون العمل الفلسطيني للنقاش وإدخال التعديلات المطلوبة بعد مرور ثمانية عشر عاما على إصداره ... وغير ذلك من القضايا المتعلقة بقانون الضمان الاجتماعي .وغيره من القوانين .

ولا بد من الإشارة إلى عمق ألازمة التي تعيشها الحركة النقابية الفلسطينية التي تجلت بدورها ومكانتها في الحدث الراهن وهذا يستدعي إعادة النظر بواقعها والعمل على تصويب أوضاعها بما ينسجم ودورها التاريخي.

فقد افسد التدخل السياسي الفئوي الضيق النقابات وأفرغها من مضمونها النقابي النضالي ووضعها في مكان ذيلي تابع لأطراف محددة بعينها مستفيدا من حالة الترهل وسوء الإدارة وضعف العمل الديمقراطي بداخلها ... مع ضرورة الإسراع في تشكيل الكونفدرالية النقابية الفلسطينية التي يجب أن تضم كافة الاتحادات العمالية والنقابات العمالية وتوحد موقفها ونضالها من كافة القضايا المطروحة وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي.

أخيرا أؤكد أن الضمان الاجتماعي لا يمكن أن يكون دمارا أو في عكس مصالح العمال بل هو حق واستحقاق ضروري وملح. وان النضال النقابي يجب أن ينصب في تصويب البوصلة والدفاع عن الشرائح الأكثر فقرا واضطهادا بين جمهور العاملين من اجل ضمان اجتماعي وحماية اجتماعية تليق بعطائهم ودورهم الوطني والاجتماعي والاقتصادي.