2018-11-08

النظام العالمي وتبعاته الإنسانية والعربية ـ العبودية الطوعية

* الفضل شلق

عبودية من نوع جديد. تصير عبداً رغماً عنك. أنت حر، أو تظن نفسك حراً. تختار ما تشاء. لكن لا تختار، في معظم الأحيان، إلا ما يراد لك أن تختار. إرادتك مرهونة عند غيرك؛ رغباتك تقرر منتجات غيرك بالتسويق والدعاية. المعلومة التي تصل دماغك، اختارها غيرك لك من أحداث كثيرة لا ولن تعرفها؛ ثيابك تكون حسب الموضة التي أنتجها غيرك؛ المطاعم التي تذهب إليها تقدم وجبات اخترعها غيرك، ولا تشبه شيئاً مما تعوّدت عليه؛ في المدرسة تتربى على ما يريده غيرك؛ في السجن كذلك؛ في المستشفى ايضا. في الانتخابات لا يظن أحد بأنك تصوّت حسب إرادتك.

إرادتك مصنوعة لك. أنت بشري وشبه روبوت تسيّره قوى خفية وعلنية. يتكوّن وعيك تحت تأثير المعطى الذي يُرسل إليك عبر الشاشات الكبيرة والصغيرة. المعلومات لا تكوّن معرفة، بل تكوّن وعياً لديك.

مصادر المعلومات ليست الأحداث، بل الأحداث كما ينقلونها إليك، والموضة كما ينقلونها إليك. ما تكره وما تحبه أنت يخضع لمؤثرات خارجية. وهذا أمر طبيعي. لكن المؤثرات الخارجية صارت بفضل الميديا هي الطاغية. لم تعد تخلو بنفسك إلا لفترة وجيزة خلال اليوم. غالباً ما يكون النوم فترة راحتك.

لكن هنا أيضاً يعمل الوعي المبطّن لاستيعاب ما ورد إليه وقت اليقظة. أنت غير معذّب. تتمتع بما يرد إليك، إذا كان لديك المال لاقتناء وشراء الماكينات التي تنقل إليك المعلومات. في الحالة الأخرى حين لا تملك ثمن اللوحة الذكية، أنت لا تتمتع، أنت محروم من ذلك بسبب الفقر المدقع. معظم سكان الأرض، نصفهم، لا يملكون شيئاً. لكن ما يتوفر لديهم من قليل المال ينفقونه على شراء ألات نقل المعلومات. هذه الصفائح الذكية صارت لدى الجميع تقريباً. الأخ الأكبر يعرف عن الجميع كل شيء. هناك انتقادات عديدة في الغرب والشرق. في الجنوب والشمال، ضد فقدان الخصوصية الفردية، أو صار الجميع مكشوفين أمام مصادر المعلومات. المشكلة الكبرى هي فقدان الإرادة. تتكوّن الإرادة الحرة على أساس معلومات، ومعرفة وقدرة على التحليل، وعلى أساس ما تعلمت أنه تراثك الذي تقيس عليه. لكن التراث يتراجع.

مصدر المعلومة هو مصدر المعرفة. بالتالي هو مصدر الإرادة. تحاول أن تحمي نفسك بالانقطاع عن التكنولوجيا. تُعتبر متأخراً أو متخلفاً. من أنت لتتكلم وأمامك من يجلس حاملاً اثنتين أو ثلاثا من اللوحات الذكية. كلما ذكرت حدثاً، يفحص ما ذكرت هذا الجالس أمامك بواسطة الألواح الذكية.

لا تستطيع أن تنافسه إلا في المعلومات التي لا تدرج على الصفائح، أي المعلومات التي لا تهم أحداً غيرك، والبعض غيرك من المثقفين الذين لم يعد لهم لزوم لأنّ مجال اختصاصهم غير مدرج على الشبكة العنكبوتية. ربما لم تبق معلومة خارجها، ولم يبق مثقف يحترم الذاكرة ويحترم ذاته.

أنت، من أنت؟ سوى انعكاس لهذه الألواح وما فيها. مصدر المعلومات الذي يُغرق دماغك بالطوفان هو بضع شركات تقرر ما تعرف وتصوغ وعيك من حيث تدري أو لا تدري. يحتجّ الأميركيون بأن ضخّ المعلومات من الخصوم الى أميركا في الانتخابات يقرر مصيرها. ألا يضخون هم المعلومات الى بلاد أخرى؟ يحق لهم ما لا يحق لغيرهم. الذي سماها “حقائق افتراضية” لم يكن يكذب أو يفتري علينا. هي حقائق افتراضية.

أحداث يقرر غيرنا ضخها في أدمغتنا. السؤال هو من يقرر ذلك؟ وقد قيل: الحدث هو ما ترويه. صار الحدث ليس ما هو موضوعي بل ما هو ذاتي.
أصحاب القرار لدى عدد من الأشخاص في الشركات التي تملك ما يُسمى بمحركات البحث أو مراكز التقصي. هؤلاء يسوقون المعلومات والإعلانات التجارية، ويبيعونك الملبوسات وغيرها بواسطة اللوحات الذكية عبر الشبكة العنكبوتية. لا تحاول أن تكون خارج دائرة نظرهم. هم يعرفون كل شيء عنك. ويقررون كل شيء عنك. رؤساؤهم صاروا أصحاب تريليونات؛ الترليون ألف مليار، والمليار ألف مليون…

أسلوب جديد في السيطرة. أسلوب جديد في الاخضاع. أسلوب جديد في الخضوع والاستسلام. كل ذلك يتطلّب إطاراً ذهنياّ هو الدين الجديد، وقوى جديدة تبرر ذلك وتدافع عنه، هي الفاشية والعنصرية (في المركز، ولا مانع في الأطراف). كما يتطلّب أداة جديدة في الاقتصاد السياسي، وهي النيوليبرالية، ونوعاً جديداً من المثقف، هو النيو ـ محافظون، ونوعاً جديداً من الاقتصاد، هو الانتفاخ المالي للرأسمال، ونوعاً جديداً من البشر، هو الإنسان ـ السلعة، ونوعاً جديداً من الخوف، هو الهجرة والإرهاب، ونوعاً جديداً من الغضب عند بروليتاريا المركز التي لم ترتفع أجورها منذ عقود، ونوعاً جديداً من الرئاسة، هي الهبل (لدينا بضع أمثلة من ذلك عند العرب).

كان على النظام العالمي الجديد أن يخلق الإنسان الجديد الذي لا يملك شيئاً إلا اللوح الذكي. من دون هذا اللوح يمكن للإنسان المنهوب المنسلخ المقطوع الصلة بالعمل ومواد الأرض أن يحتج. لم يعد قادراً على الاحتجاج بعد القضاء على مؤسساته النقابية، وتحويل دولته الليبرالية التي كانت تميل نحو التنازل في سبيل بعض الحقوق لمن يملكون. يتطلّب النظام الجديد خلق انسان جديد لا يملك ولا يحتج. حفلت القرون الماضية، قبل عصر النهضة الأوروبية وبعدها، بالثورات. كان الفقير المُستغَل المضطهَد لا يملك ولكنه كان يحتج. الثورات متلاحقة في التاريخ الماضي. المطلوب الآن أن هذا المُستغَل المُضطهَد الذي لا يملك أن لا يحتج.

كي لا يحتج هذا الإنسان، يحتاج النظام الى القوة الناعمة من أجل تشكيل عقله وروحه. عقل وروح يعتقدان أنهما يستمدان السعادة من اللوح الذكي. إدمان على اللوح الذكي. الخدم ذوو الراتب المحدود وأقل، يسعون الى امتلاك اللوح الذكي ببضع مئات من الدولارات قبل أن تنتهي مدة الخدمة المنزلية والعودة الى الوطن. ما أدخروه لبناء كوخ في الوطن يذهب قسم منه لشراء اللوحة الذكية. يشتري المُستغَل الذي لا يملك وسيلة إخضاعه وعبوديته. يعبّر عن رضاه بما آل إليه. أصحاب شركات الميديا والتواصل الاجتماعي آلهة جدد. مستخدمو بضاعتهم المادية والذهنية عبيد جدد.

عبودية طوعية.

ملائكة الآلهة الجدد بلاطات ورؤساء وحاشيتهم. عالم جديد غير شجاع.

تمنحه الشجاعة القوة العسكرية. لا تُستخدم إلا حين اللزوم. السلاح النووي لا يُستخدم إلا حين اللزوم. الجيوش التقليدية تستفز الشعوب. السلاح النووي خفي. اكتشافه عند بلد لم يكن يملكه يثير غضب النظام، فتُعقد اتفاقيات ويخضع البلد للتفتيش. ترى في العروض العسكرية التي تؤكد سلطة النظام أسلحة تقليدية. هي ضد أهل الحرابة الذين يرفضون حكامهم، وميليشيات النظام القديم، وميليشيات مضادة. لا خلاف بين صاحب نووي وصاحب نووي آخر. الخلاف بين أصحاب النووي والذين يعكرون صفوهم. العراق، إيران، كوريا الشمالية. دول وجماعات مؤلفة من مجانين وهبلان. هؤلاء أيضاً يريدون الانضمام الى النظام. لا يعرفون كيف. الخضوع أولاً ثم الانضمام. عند الخضوع للنظام العالمي لا اعتراض على النظام، بل اختلاف حول طريقة الانضمام. ملائكة الوساطة والإقناع جاهزون.

على كل حال جماهير الدول التي تخالف تعرف استخدام اللوحات الذكية، وهي مشبعة بايدولوجيا مصادرها ومصادر معلوماتها ومعارفها وإيديولوجياتها، لا تتعارض مع الدين التقليدي، لكنها صارت في صلبه. جماهير الدول المخالفة جاهزة لعبودية من نوع جديد. ليس صراع الحضارات، بل حضارة واحدة من نوع جديد. ما تحتها هو العصبيات والهويات المحلية الجاهزة لإشعال حروب أهلية عند اللزوم. لم ينته التاريخ. لكنه تاريخ من نوع جديد. الحروب فيه لا تبدأ بالهجومات بل بالعقوبات. أهمها العقوبات المالية وحروب التعرفات الجمركية. سلاح جديد قديم.

بعد تصدير كثير من الصناعات التقليدية الى العالم الثالث، يتفاخر أصحاب النظام العالمي الجديد بنوع صناعة جديدة في المركز. هي صناعة العقول والأرواح. يقولون أن أساسها الإبداع (ليس الاختراع بل استخدام تكنولوجيا قديمة لأغراض جديدة)، وفسح المجال للشركات الجديدة والقائمة على الإبداع، والتي تحاول أن يكون لها مكان في السوق. هي جاهزة للابتلاع في شركات الميديا الكبرى (التي بدأ ما لدى كل منها يزيد على تريليون دولار)، والملكية الفكرية، إذ يجب أن تبقى الإبداعات الجديدة في بلد المنشأ.
اختراعات (ابداعات) لا تتعلّق بخلق سلع مادية جديدة، بل تتعلّق بالعقول والأرواح. ليس لسبر أليات عمل الدماغ والروح، بل لإعادة تشكيل الدماغ والروح. في بداية القرن العشرين كتب بعض المشاهير عن “عالم جديد شجاع”. نظر اليمين واليسار لمسيرة التكنولوجيا. اعتقد اليسار بالتقدم، وبأنّ التقدم يسير بخط مستقيم الى الأمام. اعتقدوا أن التكنولوجيا وسيلة السيطرة على الطبيعة. ضحك عليهم كارل بوبر. كان ضد هذه النظرية.

اعتقد آخرون ان التكنولوجيا وسيلة سيطرة الإنسان على الإنسان. هذه التكنولوجيا ابتعدت عن العلم. ليس الأمر بالنسبة إليها ملاحظة الطبيعة وفهمها بل ملاحظة الإنسان ومراقبته. الرقابة جوهر السيطرة كما حاول فوكر إفهامنا، وغيره كثيرون. لكن لا بد من ذكر بعض أسماء المفكرين، على غير عادة هذه الصفحات.

تقدم كبير وهائل. ليس ذلك على طريق الحرية بل على طريق السيطرة والإخضاع. أفضل أنواع الإخضاع عندما تكون العبودية طوعية. بعد أكثر من قرن ونصف على مقولة نيتشه “موت الله”، تبرز حقيقة جديدة هي موت العقل، وذبول الروح. آلهة الرأسمال المالي يملكون أسباب التكنولوجيا الذكية، ويصنعون هذه الألواح، ويبيعونها. يتملكها الفقراء عن طيب خاطر ويضعون أنفسهم في سجن كبير هو الرقابة العالمية، ورقابة الإنترنت. لم يخلعوا أصفادهم كما دعا ماركس. هم يضعون أصفادهم لتكبيل أنفسهم. هذه الأصفاد تعني العنصرية والفاشية وبعض المهاجرين، واعتقاد أنهم عرب أفارقة قذرون، وأنهم يفسدون البيئة في أوروبا وأميركا.

لم يعد فساد الطبيعة والاحتباس الحراري مسألتين تتعلقان بعوامل طبيعية عالمية بل بالبشر. هؤلاء مصدر التلوّث. خلقوا لتشويه العرق الأبيض. خلق العرق الأبيض للتقدم بما فيه النظافة؛ خلق لقيادة البشرية، مهما تلاعب بوتين بالانتخابات الأميركية. إلا أن حلف الرجل الأبيض ضد بقية الأعراق يجب أن يستمر. جميع الأعراق البيضاء في صف واحد. من قال إن الأستاذ الأميركي لا يستطيع أو فرض العقوبات على هذا أو ذاك من الذين لم يقوموا بواجباتهم. الأستاذ دائماً مدجج بحسابات معرفية تفوق بضعة مليارات، وهو مستعد لكل طارىء. ما على السياسيين أن يقوموا بواجباتهم، وما على المثقفين الا أن يقوموا بواجباتهم، وما على البيروقراطية الا أن تقوم بواجباتها حتى يتلقى كل من هؤلاء حقه، من فتات المائدة، في التدريس أو الكتابة أو مجرد الرشوة المباشرة.

جيش الذكاء غبي، جيش الاستحمار كبير. أصبحت كلفة التعليم العالي مرتفعة في كل أنحاء العالم، لكن هذا الأمر يمكن حله عن طريق القروض والهبات. الهبات لمن هم الأوائل في صفوفهم، والقروض للبقية. هؤلاء هم الذين سوف يشكلون جيش الايديولوجيين لشرح محاسن النظام العالمي.

هؤلاء هم الذين سوف يشرحون للضحايا محاسن أن يكونوا ضحايا، وضرورة أن يكونوا ضحايا (عرقية)، وما ينتظرهم إذا رفضوا دور الضحايا (الفاشية). لا يلزمهم التفكير. اللوح الذكي يفكر عنهم. اللوح الذكي عدة دراسية. تشتيت الوعي جزء من الوعي الذي يتراكم، بالأحرى الذي لا يتراكم.
كانت العبودية في القديم نصيب من يُغزى، وعلى العموم نصيب من يُهزم في الحرب. صارت العبودية نصيب أكثرية بشرية لا تستلب أجسادها، ولا تُفرض العبودية المادية عليها، بل تُفرض عليها العبودية الروحية والعقلية.

السلاح فيها هو اللوح الذكي والمال الذي يملك وسائل تصنيعه وتصويره والتسويق بواسطته. لم تعد العبودية نصيب بعض البشر المهزومين بل نصيب البشرية المهزومة. غياب العقل، وصعود الفاشية والعنصرية، والنيوليبرالية، وصعود المال والعسكر. نخبة قليلة العدد في العالم، يصادرها مركز الرأسمالية من أجل الأبحاث وتطوير التكنولوجيا.

لا اختراعات لنظرية علمية جديدة، بل تطوير لتكنولوجيا قديمة وتسويقها، كما مع الدين والايديولوجيا والمال. كل تلك الوسائل الايديولوجية والدينية من وسائل وأدوات مفيدة للناس، وأسلحة بيد الطبقة المسيطرة لاخضاع البشرية لقوى لا يفهمونها. بين المعلومة والمعرفة، يصل الناس الى المعلومات بسرعة. وهذا أمر سهل، لكن تستحيل عليهم المعرفة إذا تشتت عقولهم وتلاشت ذاكرتهم وتراجعت قواهم الذهنية. فيصعب الربط بين المعلومات وتحليلها، ووضعها تحت مجهر الأخلاق وحسابات العقل. أما الوعي، فيتشتت من سيل المعلومات التي لا يمكن استيعابها. لا يعي المرء المعلومات ولا يعي ما يعرف إلا عندما تصير المعلومات والمعرفة جزءاً من نفسه. وعندما تكون المسألة كذلك، وعندما تفرغ النفس من العقل، يسهل التلاعب بصاحب العقل والوعي المشتت، ويسهل توجيهه وتهجينه. يعتبر حامل اللوحة الذكية أنه ازداد علماً ومعرفة؛ والحقيقة عكس ذلك.

يحكم الرأسمال المالي العالم، مدعوماً بالقوة العسكرية. يفرض شروطه على الدول الأخرى، ويهددها بالقوة من أجل الخضوع والتسليم للقيادة. يستعمل القوة الناعمة مع عامة الناس: لوحة ذكية لا بدّ لكل امرىء منها. كل شخص يحتاجها، أو يعتقد أنه يحتاجها. القيّمون على مصادر اللوحة الذكية، يراقبون حاملها ويزودونه بالمعلومات ويتأكدون أن المعلومات لا تصل الى مستوى المعرفة، وأن أي معلومة أو معرفة لا بدّ أن تكون في خدمة النظام العالمي، خدمة المركز الذي يدير العالم.

حركات هائلة تدعم النظام العالمي، من الليبرالية الجديدة الى ايديولوجيا المحافظين الجدد، الى الأصولية الدينية، الى الفاشية والعنصرية، الى الخوف من غير الإنسان الأبيض.

نظام هو غير ما تعودنا عليه قبل عقود من السنين. معارضته تحتاج الى أساليب أخرى. النقابات والأحزاب التي إعتادت أن تحتج وتعارض ذبلت.

الجمعيات تعمل لصالح النظام وبتمويل منه. لم نحسن تحليل هذا النظام الجديد.

* مفكر وكاتب لبناني