2018-11-04

صراع غرب شرق

د. فؤاد خطيب

خطر عالمي

في استطلاع حدث مؤخرا في أمريكا أجراه القس الانجليكاني"هول لندساي" أثبت أن 72 بالمئة من رعيته أكدوا أن هذه المعركة التوراتية الرهيبة الفاصلة قادمة ولا محالة. الرئيسان الامريكيان ريجان وبوش اعتقدوا علنا أن هذه المعركة قادمة وانها ارادة الرب.. تصوروا مدى الخطورة على السلم العالمي أن يقف رئيس مهزوز فكريا في قيادة أكبر قوة عسكرية في العالم وقادرة على تدميره عدة مرات!

ما أكتبه الآن ليس أضغاث أحلام غرائبية بل أرى الأمور تتغير والعالم يتحول وأحلاف سرية وعلنية تُعقد الى هذا للوصول الى هذا الجنون الذي يخبئ في طياته الانفصامية المرضية وربما نهاية هذا العالم.

الحقيقة الظاهرة للعين والتي يُمكن تَفسيرها تقول غير هذا. الحقيقة الفكرية والحاصلة اليوم بنظري هي أن الامبريالية المعولمة وصَلت الى طريق مَسدود وأصبحت حَقيقة مُتوحشة تَستمد بَقائها في الهجوم على البشرية وعلى الدول في الشرق وفي الغرب، وخاصة الدول التي لا تصادق المشروع الغربي والدول الغنية التي يمكن للغرب أن يَبتزها ويَسرق خيراتها، وان هي عارضت فطريقها الى العدوانية الغربية الامريكية بالمقاطعة وبالعدوان العسكري المباشر او تخريبها على ايادي مرتزقة مجرمين تدربهم الوكالات الغربية الاستخبارية للهجوم على الدول وسرقة مقدراتها الاقتصادية والحضارية بالأساس

الرأسمالية أفلست فكراً وفلسفةً ووصلت الى قمة أيديولوجيتها العدوانية بفرض الحروب الدينية على الشعوب كما هو حاصل اليوم، أو فرض حروب الحضارات كما تنبأ لها فوكوياما وغيره من فلاسفة الغرب المعاصرين المأزومين، بأن الرأسمالية الليبرالية هي نهاية التطور السياسي الاجتماعي للبشرية. الرأسمالية حقيقةً وصلت الى الحيط المسدود لن تكون قادرة على الصمود دون أن تسرق العالم وتنهب مصادره وثرواثه كلها بصورة وقحة علنية لم يعرف مثلها التاريخ من قبل. وقد ظهرت للعلن مثلا في أزمة البنوك الامريكية التي كادت تفلس معظمها لولا تدخل الدولة وهذا أمر يخالف كلية الفكر الرأسمالي الحر..

 اننا أمام مشهد مُفزع للبشرية يهدد السلام والأمن العالميين. نرى الغرب كتلة واحدة تديرها الإدارة الأمريكية التي تمثل الايديولوجيا المهيمنة في عالم اليوم ومقابلها تصطف بطبيعة الحدث وللحفاظ على الوجود الانساني فوق الأرض الحضارات القديمة بمعظمها اي التي كانت البئر الأولى التي استمدت منها الحضارة الغربية أسباب الرقي والوجود والتطور، وهي روسيا والصين والهند وسوريا على اعتبارها برأيي الدولة العربية القوية الوحيدة في العالم التي تمثل حقيقة الحضارة العربية - الاسلامية التي كانت جسرا للحضارة الاغريقية الى عالم اليوم، وكذلك منبراً للعلم والفلسفة وخصوصا في القرون من السابع الميلادي حتى القرن الرابع عشر اي منذ تأسيس الدولة الأموية في دمشق الى العباسية في بغداد وحتى خروج المسلمين من الأندلس عام 1492

يغيب عن هذا المنظر الجيوسياسي التاريخي الذي يتبلور دور الحضارة المصرية التي تقوقعت وغابت نتيجة لغياب مصر منذ اتفاقية كامب – ديفيد عن المشهد العربي ومنه عن المشهد الافريقي والآسيوي وعن المشهد الاسلامي بصورة عامة ودورها في الحدث الراهن في السياسة الاقليمية والعالمية يساوي الصفر تقريبا بعد أن باعت كل أسهم وجودها وتطورها لأمريكا وللرجعية العربية. الأمر المُفرح أن الانسانية العاقلة لن تسلم بالاعيب الغرب وعدوانيته اذ يتم تبلور حلفا اقتصادي سياسي عسكري جبار يواجه جنون الغرب وخاصة جنون الصهيونية العالمية وجنون الكنيسة الانجليكانية التي تؤمن كما الصهيونية بالعهد التوراتي القديم ولا تعترف بالعهد الجديد قولا وفعلا اي بتعاليم السيد المسيح الذي يمجد فيها السلام والمحبة وحقوق الناس والشعوب.

 برهنت الاحداث المتلاحقة في النصف الاخير من القرن العشرين والعقدين من القرن الواحد والعشرين ان التاريخ مادي جدلي لن يبقى على حال وهو مُتحول من ثابت وليس ثابثاً لا يتحول. أثبت التاريخ والتجارب ان التقنية الحاصلة في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي وكذلك الثورة العلمية المعلوماتية الجبارة الحاصلة ليست ملك الغرب وحده والتي يستغل حصولها بالأساس في الغرب لتطوير أسلحة فتاكة مدمرة للحضارات.

هناك دول كبرى قوية باتت تسيطر أيضا، وتطور الثورة التقنية المتقدمة جدا وربما انجح من الغرب للدفاع عن البشرية والسلم العالمي والتي تعمل على سلام وحضارة واحترام البشر اينما كانوا. في هذه اللحظات يتكون عالم جديد مُتعدد الاقطاب ضد الغرب وضد نظريته التوحشية الاستكبارية تجاه الشعوب الشرقية وخاصة ضد شعوبنا العربية التي تملك ثروات وتتوسط العالم ولكنها لم تطور بعد غذائها وسلاحها لتقف وحيدة امام الهجمة الغربية المسعورة التي فيها الكثير من فكر وطرق وأسس ودسائس الحروب الصليبية، التي كما داعش استخدمت الدين ذريعة وغطاء، والتي دامت ضد شرقنا العربي اكثر من قرنين وأفلت بعد ان كوّن العرب قوة قادرة على طردهم من بلادهم واذلالاهم وكلنا يعرف تاريخ صلاح الدين.

الهجوم الغربي على الشرق سببه ضمان استمرارية الحضارة والرفاهية الغربية بعد ان نضبت ثرواثه الطبيعية او كادت وبعد أن نفدت فلسفته وأفلست ولم تعد الامبريالية والليبرالية الغربية هي مثال لتطور الشعوب وغاية تطور الانسانية والصين الشيوعية الاشتراكية خير مثال على ما نقول. لم تعد الدمقراطية الغربية هي قمة الحكم السياسي المأمول للبشر بعد ان برهنت عن افلاسها في مواقفها المعادية للشعوب الشرقية والآن الشعوب العربية.في ذات الوقت امريكا ومعها الغرب تخطط وتعد العدة للهجوم الاقتصادي وربما العسكري فيما بعد على شعوب جنوب شرق آسيا لتبتزها اقتصاديا وتجاريا وحضاريا.

لقد شَنت الولايات المتحدة وحدها وهذا حسب ما أعلنه كتابها ومفكروها منذ الحرب الكونية الثانية وحتى اليوم اكثر من 60 حربا ضد الشعوب الضعيفة بحجج كاذبة وواهية لسرقة هذه الشعوب وفرض الهيمنة الامريكية على مواردها الطبيعية والبشرية وهروب الادمغة منها والتي تجمعها أمريكا في وادي السليكون في كاليفورنيا حيت اكبر مركز للتقنية المتطورة لتعمل لمصالحها الجهنمية هو دليل واقع وحاصل

الصهيونية العالمية العنصرية الغيبية ومعها التيارات الدينية الغربية الرجعية تحاول جر العالم كله الى حرب نهائية مدمرة يدعونها في لغتهم "هار- مجيدون" ونحن الفلسطينيين نعرف أن مجيدو مدينة كنعانية على هضبة صغيرة تَطل على سهل ابن عامر الرحب الخصب. في هذه المعركة وفقا لتلك الرواية تنقسم الشعوب الى قسمين الأخيار والأشرار وتدور رحى حرب ضروس بينهم مدمرة وشاملة تقضي على البشرية ولا يبقى على الارض إلا بنو صهيون حيث يَنزل عليهم المسيح المُنتظر على حماره الأبيض من السماء ويبارك مملكتهم التي تدوم الف عام وعام.

ما نقوله ليس عبثا للتسلية كما أسلفنا ففي استطلاع حدث مؤخرا في أمريكا أجراه القس الانجليكاني "هول لندساي" أثبت أن 72 بالمئة من رعيته أكدوا أن هذه المعركة التوراتية الرهيبة الفاصلة قادمة ولا محالة. الرئيسان الامريكيان ريجان وبوش اعتقدوا علنا أن هذه المعركة قادمة وإنها ارادة الرب..

تصوروا مدى الخطورة على السلم العالمي أن يقف رئيس مهزوز فكريا في قيادة أكبر قوة عسكرية في العالم وقادرة على تدميره عدة مرات!
لا بد في هذه العجالة أن نذكر أن الاستشراق كان وسيلة شبه رسمية استعملها الغرب في العصور الحديثة لغزو الشرق عندما استقوى وكبر وسيطر على البحار الكبيرة وعلى المحيطات. بدأت هذه الكذبة الغربية الكبرى مع حملة نابليون على مصر عام 1812.

الهدف من وراء الاستشراق كان حينها وما زال هو البحث عن الطرق للوصول الى مصادر الطاقة والمياه والمعادن الثمينة ومن ثم سرقتها لرفاهية شعوبها بالحروب او الخداع. لقد اثبتت الهجمة الغربية - الصهيونية على العراق وسوريا تحت اسم "داعش" أن الغرب لم يهتم لوجود الآثار وقيمتها ولا للثقافات وصَمت صمت القبور عندما حطم هؤلاء الارهابيون المرسلون الاثار في العراق وكسروا امام نظر العالم اجنحة الثور المُجنح الاسطوري البابلي ولا عندما حطموا كنائس معلولا وسرقوا أيقوناتها التاريخية وفخخوا ودمروا اثار تدمر وهدموا المتاحف هناك وقتلوا علماء الاثار

العالم بعد القضاء على الارهاب في العراق وسوريا ينقسم الى عالمين الى غرب وشرق. يَنقسم هذه المرة ليس كما كان في الحرب الباردة أيديولوجيا بين الشيوعية والرأسمالية بل بين هيمنة او هجمة فظة و وقحة يحاول أن يفرضها الغرب على الشرق تقودها الصهيونية العالمية التي تحرك زنبرك الغرب الاستعماري كله وبين الشعوب الشرقية التي تحاول جاهدة المحافظة على وجودها وبقائها وتطورها فوق هذا العالم.لقد صدقت الأحداث أنها اي الشعوب الشرقية والعربية قادرة على الصمود وحتى دحر الغرب عن غيه وتحجيمه وقد أصبحت معا قدرة وقوة اقتصادية وعسكرية قادرة على لجم العدوان الغربي السافر مع العلم ان هناك حلف مناهضا للناتو الغربي "أوروآسيا " عماده روسيا والصين ودول كبيرة اخر يتبلور ويتكون الآن.

الوجود البشري عمره ملايين السنين والحضارات الكبيرة عمرها الاف السنين ومعظمها موجود في الشرق قادر على الصمود وكسر أسطورة الأسطورة الكبرى التي تحاول اللعب على مصائر الشعوب.