2018-11-04

في الذكرى الـ94 لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني

المقاومة لتحرير الأرض وتحرير الإنسان

"النداء" اللبنانية

كتب حنا غريب الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني في افتتاحية العدد الأخير من مجلة "النداء" الصادرة عن الحزب، يقول:

أربعة وتسعون عاماً مضت على ولادة حزبنا في ذاك الاجتماع الذي حصل في بلدة الحدث يوم 24 تشرين الأول عام 1924. اليوم الذي أعلن فيه الروّاد الأوائل - يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي والياس قشعمي وفريد طعمة وبطرس حشيمي - إنشاء حزب الشعب اللبناني الذي أصبح في ما بعد الحزب الشيوعي اللبناني عام 1927. لينضم إليهم في ما بعد ارتين مادايان وسعد الدين مومنة ومصطفى العريس وغيرهم.

 لقد جاء هذا التأسيس على وهج انتصار ثورة اوكتوبر الاشتراكية العظمى التي طبعت القرن العشرين بطابعها الثوري والأممي،  كما جاء تعبيراً عن نضج الحالة الثورية في لبنان ايضا، هذه الحالة التي امتدت جذورها التاريخية عميقاً مع ثورة الفلاحين ، ثورة طانيوس شاهين ضد حكم الاقطاع والبكوات، ومع عاميات انطلياس ولحفد ومع الذين قاوموا السلطنة العثمانية وعُلّقوا على أعواد المشانق في ساحة الشهداء، تأسيس جاء استجابة لتلك الحالة الثورية في الدفاع عن شعبنا وكرامته الوطنية ومن اجل تحقيق استقلاله وتحرّره الوطني والاجتماعي، على طريق بناء الاشتراكية بخصائصها اللبنانية.

وفي كشف حساب نقدّمه في هذه اللحظة التاريخية التي يمرُّ بها لبنان وأمتُّنا العربية في ظلّ الهجمة الامبريالية الأميركية القديمة – الجديدة على المنطقة، نقول: مئة عام مرّت على وعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو، قدّم فيها الحزب أربعة وتسعون عاماً من النضال والمقاومة، فمنذ ولادته كان حزباً مقاوماً، واستمر وسيبقى مقاوماً عهداً ووفاءً لهذه الذكرى العطِرة  ولهذا التاريخ المجيد المليء بالتضحيات.

منه كان الشهداء الأبرار الذين سقطوا في هذه المسيرة المضرجة بالدّماء والقمع وتحت التعذيب والخطف والاغتيالات والملاحقات والاعتقالات داخل سجون أنظمة الاستبداد والغرف السوداء، منه فرج الله الحلو وجورج حاوي وحسين مروة ومهدي عامل واللائحة تطول مع قوافل الشهداء وعلى امتداد مساحة الوطن وفي كل المحطات النضالية: في الثورة السورية، وفي العمليات العسكرية ضد قوات حكومة فيشي والانتداب الفرنسي ومعارك الاستقلال والجلاء، وضد المشروع الصهيوني في فلسطين، وضد الأحلاف العسكرية عام 58، وفي قوات الأنصار مع الأحزاب الشيوعية العربية والحرس الشعبي وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول"، وفي مواجهة مشاريع التقسيم والكانتونات إبّان الحرب الأهلية ومع الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة الشهيد كمال جنبلاط  ودفاعاً عن الثورة الفلسطينية ومن أجل عروبة لبنان وتطوره الديمقراطي، وفي التظاهرات والمعارك النقابية من أجل حقوق الطبقة العاملة في معمل الغندور وشركة الريجي ومزارعي التبغ في الجنوب والحركة الطلابية دفاعاً عن الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي. ساروا جميعاً نحو هدفهم هذا من أجل وطن حر وشعب سعيد ولا زالوا، ما كلّوا ولا ملّوا. فألف تحية إلى هؤلاء الشهداء الأبرار وإلى هذا التاريخ المجيد.

وما كان هؤلاء الشهداء وحدهم في هذه المعارك، لقد كتبوا مع الأحزاب الوطنية ومع فصائل الثورة الفلسطينية ومع الجيش العربي السوري أنصع صفحة في تاريخ العرب يوم واجهوا الغزو الصهيوني عام 1982، حينها أطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" وحرّرت بيروت من الاحتلال الاسرائيلي واستمرت عملية التحرير مقاومة وطنية لبنانية ومعها المقاومة الإسلامية فكان إنجاز التحرير عام 2000 وبعده الإنتصار الكبير على العدو الصهيوني في حرب تموز عام 2006

في العيد الرابع والتسعين نوجّه اسمّى تحية إلى هؤلاء الشهداء الذين سقطوا في تصديهم للعدوان الصهيوني من المقاومة الوطنية إلى المقاومة الإسلامية الى شهداء الأحزاب الوطنية، وشهداء الجيشين اللبناني والسوري الذين استبسلوا بالدفاع عن أرض لبنان ضد الغزو الصهيوني، كما يستبسل اليوم ابطال مسيرات العودة في غزة مقدمين الشهداء في مواجهتهم للعدو الصهيوني، فلهم منّا تحية إجلالٍ وإكبار، لهم منّا نداء الحرية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، الحرية للأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الرفيق أحمد سعدات ومروان البرغوثي، والحرية أيضا الى المناضل جورج إبراهيم عبدالله المحتجز ظلماً وعدواناً في السجون الفرنسية، مطالبين السلطات اللبنانية بحمل قضيته ومطالبة الدولة الفرنسية بالإفراج عنه.

وعلى امتداد تاريخ حزبنا، وقفنا ووقف شعب لبنان وقواه الوطنية والتقدّمية، نصرةً لنضالات الشعوب العربية وشعوب العالم وثوراتها في فلسطين ومصر والجزائر وكوبا وفييتنام ولاوس وجنوب افريقيا، وعبّر حزبنا عن دعمه لكلِّ الشعوب المكافحة في اميركا اللاتينية والشعوب الافريقية والآسيوية من أجل تحرّرها الوطني والاجتماعي.

أيها الرفاق.. إنظروا من هذه الزاوية ترون في المرآة تاريخ حزبكم المشرّف، ترون هذا الإرث الغني بالمآثر والبطولات، فالتاريخ لا يدخله إلا الذين قدّموا التضحيات. فحافظوا عليه ومن حقكم أن تتغنوا به، لكن الواجب يدعوكم للبناء عليه وتعزيزه في المستقبل، لإطلاق مقاومة عربية شاملة، هي موضوع حوار بيننا وبين قوى اليسار الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً، حوار لانتاج رؤية سياسية – برنامجية استراتيجية مشتركة، منفتحة على التنسيق والتعاون مع كلّ القوى المقاوِمة في حركة تحرّر وطني واجتماعي تمارس كلَّ أشكال النضال المتاحة حتى إسقاط المشروع الأميركي وادواته في الكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية العربية، وبناء أنظمة ودول وطنية ديمقراطية، بعيدة كلّ البعد عن أنظمة القمع  والاستبداد  التي افقرت شعوبها وفشلت في تحقيق شعاراتها

إن صفقة القرن هي الخطة التنفيذية للشرق الأوسط الجديد بعدوانيته قتلاً وتدميراً وتشريداً وتقسيماً لشعوبنا العربية والمنطقة من سوريا الى العراق واليمن والسودان والصومال وبدءاً من فلسطين لتصفية قضيتها بفتح بوابة التطبيع، والتحالف مع العدو الصهيوني بالعلن بعد أن كانت في الخفاء، وها هو سلطان قابوس يستقبل نتنياهو في زيارة العار غير المسبوقة لدولة عربية هي موضع شجب وإدانة ودعوة الى التحرك منذ اليوم ضد كل اشكال التطبيع مع هذا العدو، الذي يعتدي يومياً على الشعب الفلسطيني ويعمل على إقامة دولة الفصل العنصري (قانون القومية) بعد اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وفي محاولة إقفال وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، وإعادة النظر بتعريف اللاجىء وان اللجوء لا يورّث، لإلغاء حق العودة وفرض التوطين وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي

فمع استفحال أزمة الرأسمالية المعولمة واستمرار تمسك الولايات المتحدة الأميركية بزعامتها للعالم وعدم قدرتها على تمويل خططها العدوانية لحماية حلفائها، تغيّرت قواعد اللعبة مع ترامب حتى في علاقته مع الحلفاء، وأصبح شعار "اميركا أولا" يعني العكس تماماً أي "المال عليكم والحرب عليكم، وسوق السلاح علينا"، وإذا تلكأتم فنحن جاهزون لرفع الحماية عنكم وفي عشرة أيام تسقطون. وهم ساقطون في الحالتين معاً في ضوء ما يضمره المشروع الامبريالي في استنزافه المنطقة وتقسيمها، فلا يهمهم من المنطقة ككل بما فيها السعودية سوى ممارسة الضغوط وتهديدها وابتزازها لنهب ثروتها النفطية وبيعها الأسلحة كما يحصل الآن في موقفها من مقتل جمال الخاشقجي

اما الشروط المطلوبة من لبنان فهي التخلي عن خيار المقاومة والالتحاق بركب الأنظمة الرجعية العربية والصلح مع إسرائيل وتوطين الفلسطينيين وربط عودة النازحين السوريين بالحل السياسي في سوريا وتحت الضغط: من الخارج، عبر التهديد بالحرب الإسرائيلية التي تزداد احتمالات تنفيذها كلما ضمنت إسرائيل فرضية الانتصار فيها، فهي غير قادرة على تحمل خسارة الحرب بعد الهزائم المتتالية التي لحقت بها؛ ومن الداخل - وهو ما تفضّله إسرائيل – العمل على فرض هذه الشروط بالسياسة بعد ان فشلت عن طريق الحرب، عبر تهيئة ظروف الاقتتال الأهلي في لبنان واخضاعه، مستخدمة آليات النظام السياسي الطائفي واستخدام الضغوط الاقتصادية  والعقوبات وكل اشكال الحصار.

وبدل ان تعمل السلطة على مواجهة هذا الخطر، عمدت الى ملاقاته عند منتصف الطريق، فأقرت بالأجماع قانون انتخابي يكرّس الفرز المذهبي والطائفي ويرسّخ منحى قيام الدولة الفدرالية، في مناخ طغيان حدّة الخطاب الطائفي والمذهبي، الذي يطلقه امراء الطوائف في وقت يقف البلد  فيه على شفير انهيار اقتصادي، فهؤلاء لا يهمهم سوى الحفاظ على مصالحهم الطبقية، وهم جاهزون في كل وقت لاستخدام سلاح الطائفية لطمس طبيعة الأزمة الوجودية والوطنية السياسية والاجتماعية الناتجة عن ازمة النظام الطائفي المولّد للحروب والأزمات، فهو الذي يؤمّن لهم الحماية ويضمن مصالحهم من دون ان تكون لهم علاقة من قريب أو بعيد بالمصالح الحقيقية للمواطنين.

 ليس لديهم ما يفعلونه للبنانيين سوى هذا التعطيل والفراغ، أصلاً لا مصلحة لهم في تقديم الحلول، ولا وسيلة لديهم لمواجهة هذه الأوضاع إلا ما دأبوا على ممارسته من تقسيم اللبنانيين ومن تخويفهم بعضهم من بعض ليستمروا في نهبهم وضرب حقوقهم والنيل من معنوياتهم وبأن اللبنانيين عاجزون عن فعل أي شيء بدونهم. يمارسون إذلالهم يومياً بلقمة عيشهم وبفرصة العمل وبحبة الدواء وقسط المدرسة وفاتورة المستشفى وهي حقوق لهم كمواطنين لا منّة لهم فيها ولا حسنة.

 يرمون النفايات في وجوههم ويمارسون قتلهم يومياً بالأمراض السرطانية، ويضعون يدهم على مليارات الليرات المخصّصة للقروض السكنية للشباب والفئات الشعبية. نهبوا أملاك الدولة البحرية والنهرية والبرية، رفعوا الفوائد وكدّسوا الأرباح من سياساتهم النقدية والمالية. والنتيجة مئة مليار دولار دين عام اغلبيتها الساحقة ذهبت الى جيوب حيتان المال، ويستعدون اليوم لإطلاق رزمة من الإجراءات والتدابير التقشفية المقرّرة في مؤتمر سيدر، في مقدمها القاء عجز الكهرباء على المواطنين ورفع ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض معاشات التقاعد والمنح والخدمات الصحية والاستشفائية مدعين بأنهم يقومون بالإصلاح، وهم فاسدون.

واجهوهم بمفهوم المقاومة الوطنية والعربية الشاملة للتحرير والتغيير، فإذا كان تحرير الأرض من المحتل مقاومة، فتحرير الإنسان من الطائفية ومن الاستغلال والجهل والتخلف مقاومة، فتأمين لقمة العيش مقاومة، والكهرباء مقاومة، والمياه مقاومة والحق بالسكن والتعليم والتغطية الصحية الشاملة والنقل والاتصالات والسلم المتحرك للأجور مقاومة... وما لم تستكمل المقاومة تحرير الأرض بتحرير الإنسان فهي ناقصة مجتزأة ومهددة فالإنسان هو الأساس. وعلى المقاومة ان تقوم بالمهمتين معاً، وما معارك الحزب ضد النظام السياسي الطائفي والمذهبي وسلطته الفاسدة وقانونها الانتخابي المذهبي، إلا فعلاً سياسياً مقاوماً بامتياز ويصب في صلب مقاومة المشاريع الإمبريالية في المنطقة الساعية لتقسيم دولها وشعوبها طائفياً ومذهبياً، ولبنان ضمن هذه الخريطة لا خارجها

  واجهوهم ايضاً: بقانون انتخابي نسبي خارج القيد الطائفي والدائرة الواحدة، وقانون مدني للأحوال الشخصية، وبقانون للأحزاب يلغي مقوّماتها الطائفية وباللامركزية الإدارية، فتلك مقاومة، واجهوهم باسترجاع أملاك الدولة البحرية والنهرية والبرية وباسترجاع أموال اللبنانيين المنهوبة التي تسمى ديوناً، وهي ليست سوى أموال للبنانيين، فتلك أيضاً مقاومة، واجهوهم بفرض الضرائب المباشرة باتجاه تصاعدي على الأرباح والريوع العقارية والمصرفية وتلك أيضاً مقاومة.

واجهوهم في مشروع سياسي بديل لوقف هذا المسار المأزوم والسير باتجاه مسار آخر، مسار إنقاذي للبنان يهدف الى بناء دولة وطنية، علمانية وديمقراطية تبني اقتصاداً وطنيا منتجاً يخلق فرص العمل للشباب، فلسنا محكومين أن نبقى أسرى نظام سياسي واقتصادي هجَّر شبابنا وقضى على مستقبلهم، وولّد لنا الحروب والمآسي. إن مشهد التعطيل المتكرر شاهد على ازمة النظام ويشكل بحد ذاته إدانة سياسية لكل المتمسكين به على حساب الناس، الذين يدفعون الثمن سواء تشكلت حكومة المحاصصة او لم تتشكل، فلطالما تشكلت حكومات على هذا الأساس وكانت النتيجة المزيد من الخراب والتدمير وزيادة الديون؟  

أيها الشيوعيون 

 كما لبيتم نداء حزبكم بحمل السلاح دفاعاً عن لبنان في وجه الاحتلال، أنتم اليوم مدعوون لحمله مرة أخرى ضد أي خطر أو عدوان صهيوني امبريالي يهدّد سيادة لبنان، وجنباً الى جنب مع كل المقاومين على اختلاف انتماءاتهم كما في كل مرة ودعماً للجيش اللبناني. فإلى التحرك أيضاً إلى جانب قضايا الناس وحقوقهم، ورفضاً لمؤتمرات الإفقار والاستدانة، وإلى استنهاض وتعبئة وتنظيم صفوف العمال والأجراء وكل المتضررين، 

إذهبوا الى الناس ناضلوا معهم، لا عنهم، كونوا منهم ولهم، كونوا القدوة والمثال والنموذج، فكل مسألة يعاني منها الناس مهما كانت صغيرة بنظركم، فهي كبيرة بنظرهم، إهتموا بها وتابعوها، والمناضل الذي لا يعالج المسائل الصغرى لا يعالج المسائل الكبرى، والشعارات تبقى حبراً على ورق إذا لم تتحول الى برامج ومهام يومية ملموسة تحملها منظماتنا الحزبية، المطالبة ببناء أطر عمل شعبية واجتماعية محلية. فقوة الحزب من قوة منظماته وهيئاته النقابية وقطاعاته، كل هذه المهام والنشاطات تحتاج الى قدرات مالية للقيام بها، وأنتم تعلمون حجم الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها الحزب، وعلاجها بين ايديكم، إبدأوا بمعالجة هذه المسألة الصغيرة، وباشروا بدفع اشتراكاتكم المالية بانتظام، عشرة آلاف ل.ل شهرياً على الأقل من كل رفيقة ورفيق هو اقل الواجب في الالتزام الحزبي والمساهمة في حلّ الأزمة.  

في ختام هذه الذكرى وعشية بدء التحضير لانعقاد المؤتمر الثاني عشر قبيل نهاية شهر أيار المقبل، نعلن لكل المناضلين الشيوعيين المنظمين في صفوف الحزب وخارجه، ولليسار والرأي العام عموماً، عزمنا العمل لبلورة مشروع الحزب أكثر فأكثر في الفكر والسياسة والتنظيم، تعزيزاً لوحدته ولاعادة بنائه حزباً سياسياً فاعلاً ومتجدداً يتسع للجميع، وعلى قاعدة التمسك بتجربته الديمقراطية وتقييمها دوماً وعلى قاعدة المحاسبة.

عاشت الذكرى الرابعة والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، والمجد والخلود للشهداء الأبرار