2018-10-17

97 من المياه في قطاع غزة غير صالحة للشرب

صحافة الاحتلال - "هآرتس" العبرية

كتب "ينيف كوفوفيتش" مقالاَ في صحيفة "هآرتس" العبرية، تناول فيه الوضع المائي في قطاع غزة المحاصر.

جاء في المقال:  

الأمراض الناتجة عن تلوث المياه هي السبب الرئيسي لموت الأطفال في قطاع غزة، هكذا يتضح من بحث شامل لمؤسسة "راند" الأميركية، وصل لأيدي "هآرتس".

كما يتضح من البحث فإن مصدر أكثر من ربع الأمراض في قطاع غزة هو المياه الملوثة.

حتى قبل أربع سنوات كان هنالك أكثر من 12% من حالات الوفاة في أوساط الأطفال في القطاع مرتبطة بأمراض معوية مصدرها تلوث في المياه، ومنذ ذلك الحين تواصل الأمراض الزيادة. أدى انهيار البنى التحتية إلى ارتفاع حاد في وجود جراثيم وفيروسات مثل الكوليرا والسالمونيلا في المنطقة.

جُمعت البيانات في بحث قادته الدكتورة شيرا عفرون، وهي باحثة في السياسات وترأس برنامج إسرائيل في مؤسسة "راند"، وهي معهد غير سياسي ودون أهداف ربحية ويقدم المشورة للحكومات ولجهات دولية في مجال ترسيم عمليات سياسية عامة. إلى جانبها شارك في البحث الدكتور جوردن فيشباخ، الذي يقف على رأس مركز المياه في المعهد، والدكتورة ماليندا مور، خبيرة في الصحة العامة.

استند طاقم البحث إلى حالات سابقة فيها خلقت مواجهات عسكرية، أزمة مياه وإضرار في البنى التحتية مثل ما حدث في العراق واليمن، والتي خلقت فيها مشاكل صحية صعبة وسُجل تزايد في الوفيات نتيجة للأزمة، كجزء من البحث جمع الطاقم مواد من مصادر مختلفة في قطاع غزة، وفي السلطة الفلسطينية وفي إسرائيل، في الأردن ومصر.

ضائقة المياه في قطاع غزة ليست ظاهرة جديدة، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي بدأت شركة "مكروت" بتزويد القطاع بالمياه. ولكن صعود "حماس" للسلطة، والانفصال عن قطاع غزة في 2005، والقتال المتكرر منذ عملية "الرصاص المصبوب"، زادت الوضع خطورة بصورة كبيرة. اليوم 97% من مياه الشرب في القطاع غير صالحة للشرب ضمن المعايير الدولية المعروفة. 90% من السكان يشربون مياها من منشآت تحلية خاصة، نظراً لأن المنشآت الكبرى تضررت في القتال، أو أنها أصبحت غير صالحة بسبب أنه لم يكن بالإمكان صيانتها.

الوضع الحالي كما يتضح من البحث هو أن غزة غير قادرة على توفير كميات المياه المطلوبة للمليونين من سكانها.

حسب البحث، في المدارس في غزة هنالك غرفة منافع واحدة لكل 75 طفلاً، ومغسلة لغسل الأيدي لكل 80 طفلاً، أيضاً المياه في تلك المنشآت يتم تجميعها أو أنه أعيد تكريرها. إن مجرد مكوث الأولاد في المدارس خطر، يسمح بالعدوى بأمراض معوية. في المستشفيات أيضاً غسل الأيدي لدى الانتقال من مريض لمريض لا يتم بصورة ثابتة، بل فقط حسب الحاجة، للحفاظ على المياه للمعالجات وإنقاذ الحياة. الباحثون يقدّرون أنه خلال سنتين حتى مصادر المياه القليلة التي تعمل اليوم ستتوقف عن العمل لعدم وجود إصلاح جيد وصيانة مناسبة.

في العام 2009، وقبل "عمود السحاب" و"الجرف الصامد" كان أكثر من 12% من موت الأطفال مرتبطاً بالإسهال، وهي متلازمة يسهل جداً معالجتها. التفكير بأن كل هذا يحدث خلف جدار دولة عظمى مائياً، مثل إسرائيل، أمر لا يصدق.

حسب البحث، فإن متوسط النفقات للشخص في الغرب على استهلاك المياه هو 0.7% من دخله الشهري. في قطاع غزة بالمقابل حوالى ثلث الدخل الشهري يخصص لشراء الماء.

ونظراً لأن معدل البطالة في القطاع هو 57%، فإن العديد من السكان لا يستطيعون أن يسمحوا لأنفسهم باستثمار هذا المبلغ على شراء المياه. القليل من بين السكان من المواطنين الأغنياء يمكنهم شراء المياه المعدنية في القناني. ولكن معظم السكان في القطاع يضطرون للاكتفاء بيوم في الأسبوع تضخ فيه السلطات المياه في الحنفيات لعدة ساعات.

عامل آخر لارتفاع المرض هو وضع البنى التحتية، المجاري، الماء والكهرباء تضررت كثيرا في الحرب مع إسرائيل خاصة في "الجرف الصامد"، وتقريبا لم يتبقَ منشآت لتكرير المجاري قبل ضخها للبحر أو للزراعة. سكان القطاع يقومون بتجميع مياه المجاري بصورة مستقلة وفي أماكن مرتجلة. مثل براميل وقنوات تصريف المياه، من أجل قذفها إلى الشارع.

التمويل الذي يقدم للمنشآت في القطاع من قبل الدول المانحة، حوّل من أجل إقامتها وليس من اجل صيانتها، هكذا فإن البنى التحتية الضرورية لصحة المواطنين في القطاع وفي إسرائيل تقف كنصب تذكارية منذ سنوات. حسب ما تقوله الدكتورة عفرون التي ترأست البحث، فإن كمية مياه المجاري التي تتدفق من غزة نحو البحر وباتجاه إسرائيل ومصر يومياً تعادل 43 بركة سباحة أولومبية.

حسب أقوالها هذا سبب رئيسي للامتناع من الدخول للبحر. بالرغم من الإمكانية الكامنة لانتشار الكوليرا في قطاع غزة، بسبب أنظمة الصرف الصحي الملوثة فقد قدّر الباحثون في البداية بانه ليس بالإمكان تقدير هل ومتى سينتشر وباء، نظراً لأن السكان محصّنون.

بيد أنه قبل وقت قصير من نشرهم لاستنتاجاتهم أعلنت إدارة دونالد ترامب عن وقف المساعدة المقدمة لـ "الأونروا" وقلبت الاستنتاجات بهذا الشأن. تحصّن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بصورة جارية 1.3 مليون من سكان القطاع وتستقبل سنوياً 4 ملايين زيارة في عياداتها. حسب عفرون بدون وجود بديل للخدمات الطبية التي تقدمها "الأونروا" فإن انتشار الأمراض والأوبئة هو مسألة وقت. "وهذا يمكن أن يصل إلى كارثة إنسانية"، قالت.

الباحثون يوصون بإقامة جسم مشترك وبصورة عاجلة يضم إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية من اجل الاستعداد لانتشار الأوبئة. حسب أقوالهم، في الوقت الذي ينشغل فيه الحوار الدولي بأمراض صعبة وبتداعيات بعيدو المدى، فان الحاجة الملحة الآن هي في معالجة أمراض تلوثية والتي مصدرها مياه الشرب والمجاري.

"يجب التفكير بحلول للوضع الآني والتي بإمكانها المساهمة في استقرار الوضع حاليا. التفكير بأن هذا سيظل خلف الجدار معناه دفن الرأس في الرمال"، تقول عفرون. "إن تلويثات المجاري من غزة تؤثر الآن على إسرائيل، فيروسات مصدرها غزة وجدت في الماضي في إسرائيل. إذا لم تتم معالجة الوضع للأسف فإن هذا هو مسالة وقت قبل أن تجد فيه إسرائيل ومصر نفسيهما مع أزمة صحية مصدرها القطاع".

تدعي عفرون أيضاً أن الأمر يتعلق بأزمة بالإمكان حلها، والعقبات التي تقف في وجه ذلك هي سياسية بالأساس. "رغم أن النقاش حول غزة يتركز حول اتهامات متبادلة حول المسؤولية عن الوضع، فانه ليس من مصلحة أي طرف انتشار الأوبئة"، قالت، وأضافت: "هذه أزمة من صنع يد الإنسان ويوجد لها حلول تقنية. بناءً على ذلك فإنه كان مهماً لدى الطاقم، الإشارة في البحث إلى خطوات تقنية وبسيطة نسبيا والتي بالإمكان تنفيذها اليوم من أجل منع أزمة صحية إقليمية".

بالتطرق إلى مشكلة الكهرباء في القطاع، يقترح الباحثون استخدام الطاقة الشمسية. "هذا حل رخيص نسبياً، ومتوفر، ويمكن تشغيله في البيوت، في العيادات وفي المدارس وهو لا يحتاج إلى مواصلة الاعتماد على السولار"، كتبوا. كما انهم أوصوا بأن السولار الذي دخل حقا للقطاع يجب أن يصل مباشرة للمستشفيات، وهناك يجب استخدامه في إجراء الفحوصات والعلاجات التي تنقذ الأرواح.

تلخص عفرون أقوالها:"الأمر يتعلق بحلول للطاقة والمياه والنظام الصحي، والتي تتجاوز ضمان التزويد الطارئ للسولار. هي مهمة بذاتها. ولكنها لا تكفي. بالمقابل يجب مواصلة محاولة تجنيد تمويل ودعم لمشاريع كبيرة في مجال التحلية، تنقية المجاري، خطوط الكهرباء، الطاقة الشمسية وغيرها، كما يحاول المجتمع الدولي أن يفعل. ولكن في الوقت الذي يتم فيه الانشغال بمشاريع تكلفتها الشاملة تصل إلى مليارات من الدولارات، والتي تحتاج لسنوات لتنفيذها، وتقتضي موافقة معينة من كل الجهات ذات العلاقة - والذين لا يستطيعون الاتفاق فيما بينهم على شيء - يجب التفكير عن حلول للمدى الآني.