2018-10-14

في علمية الماركسية

على شرف الذكرى الـ(200) لميلاد كارل ماركس

* عبد الفتاح بيضاب

كان اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ في القرن الـ(19) أحد المهمة، حيث يعد هذا الاستنتاج النظري اختراقا هائلا في علم الاجتماع لأنه نقض الفكر الخيالي السائد وقتذاك وذلك بتأكيده على أولوية الوجود الاجتماعي على الوعي(ومن ثم) القطيعة مع كل مذهبية، وذلك بإثبات أولية النظري على التجريبي كما هي استخدمت النسبي الذي ينتج (علما) وليس على المطلق الذي ينتج (إلهاما).

فما هو الأسلوب والأدوات التي مكنت من هذا الحفر العميق!!؟  ما كان للماركسية ونعني هنا الذين صاغوها وللدقة ماركس وأنجلز غير السير حسب القواعد العامة والمنهجية لصياغة النظرية العلمية سواء أكان ذلك في الطبيعة أو المجتمع.. وأول القواعد العامة وأهمها ان تنطلق النظرية الجديدة من حيث وقف العلم او بعبارة أخرى تقف على أكتاف آخر الكشوفات العلمية وتطوراتها وهكذا كانت مصادر الماركسية ثلاثة: (فلسفة المانيا- اقتصاد انجلترا- واشتراكية فرنسا) فماذا أخذ ماركس وانجلز من أي منهما ناقدا ومطورا ؟ قد لا تكن الإجابة على هذا السؤال بشكل صريح، ولكن بالتأكيد سترد ضمنا على الماشي، وربما بشكل مكثف أحيانا .

انتهت الفلسفة عند فيورباخ بماديتها ذات الطابع الاستاتيكي والتي لا تعدو كونها صفة للمادة التكعيبة؛ التي تشغل حيزا لوجود بأبعادها طولا وعرضا وارتفاعا، وأن زادت عن ذلك فهي تفسير ظاهرة بظاهرة أو ظاهرة بفكر محدد في تجلياتها الخارجية، لكن حين إراد ماركس وانجلز البحث في المجتمع والظواهر السائدة فيه فلما كانت الظواهر تتألف من أشياء وعمليات يبقى تعريف المادية ذاك وحيد الجانب إذ ينطبق على الاشياء والظواهر في شكل عام ولكن طور ماركس المفهوم المادي إذ أصبح هو (العلاقة السببية) أي العلاقة بين السبب والنتيجة في سياقها والظواهر التي تؤلف منطقها الموضوعي داخل حقل أو مجال محدد يربطه قانون عام. أما هيغل الذي يحمد له اكتشاف قوانين التطور(وحدة وصراع الاضداد - التغيير الكمي يؤدي لتغيير نوعي- ونفي النفي) إلا أن (العقل) عنده كالإله قائم بذاته ولذاته، وهو الذي يحدد الواقع ولا يتحدد به، بخلاف (العقل) عند ماركس الذي هو جزء من الواقع الاجتماعي التاريخي وهو يتحدد بالواقع الذي هو فيه، ولا يكون إلا انعكاسا للواقع.

عليه ويقلب مفهوم العقل المطلق في التاريخ إلى عقل نسبي أي (علمي) وبتطوير المادية من حالتها الميكانيكية إلى مفهوم يستوعب الحركة والتعبير الدائمين، وهكذا أصبحت للماركسية منهجا علميا (المادي الجدلي) لما اراد ماركس استخدام هذا المنهج في دراسة المجتمع البشري في صراعاته ووحدته وأسباب تطوره ليخلص من ذلك بنظرية علمية، تخلص معظم الناس من استغلال البعض لهم (وأيضا) كان عليه أن يضع في الاعتبار الشروط المنهجية الواجب توفرها عند صياغة نظرية علمية، وهي (الحقل- البناء النظري المحكم- النقد وقابلية الاختبار).

والحقل (المجال) هو حقل التاريخ الاجتماعي المعاصر والذي هو علاقات الإنتاج الرأسمالية، والبناء النظري هو انتاج نظرية تنقد القائم والذي هو علاقة الإنتاج الرأسمالية وتضع بديلا له هو علاقات الانتاج الاشتراكية، ولكي تبقى قابلة للتطبيق والاختبار يجب ان تتولى امرها (البروليتاريا) كطبقات ذات مصلحة حقيقية في ذلك، وتحسباً لتلك الشروط المنهجية لبناء نظرية علمية اختار ماركس دراسة الاقتصاد السياسي لانجلترا، بحيث هو الاعلى تطورا في سلم الرأسمالية تتجلى عبقرية الاختيار في ان كل تاريخ البشرية يسير نحوه حتى ولو بعد زمن طويل، وهناك كان معظم الاقتصاديين أقروا بأطروحة (الفرز الطبقي) وسكتوا عن "الصراع الطبقي" وأسبابه، الامر الذي كان لابد من الإنكفاء عليه ودراسته المتأنية والخروج بخلاصة تفيد البشرية، فكانت دراسة قيمة كل قطعة في بضاعة، وسعر مادتها الخام والعمل المبذول فيها وعدد القطع المنتجة في ساعات العمل، ومن كل العمل مقارنة بسعر بيعها وما يدفع للعامل نظير ذلك، ففي ذلك فرق قيمة كبير هو(فائض القيمة) والذي يذهب لتراكم رأسمال الرأسمالي ويزيده ثراءً بدوران عجلة الانتاج، وبذلك تشتد حدة الصراع بين المنتج والمالك، هذا هو سبب وسر الصراع الطبقي وهذا ما يؤكد أولية الوجود الاجتماعي على الوعي الاجتماعي فلا خيال أو تأمل بل علم لإنهاء هذا الاستغلال البشع.

كان هدف النظرية الماركسية بناء مجتمع فيه يزول الظلم والقهر الطبقي وذلك بزوال الملكية الخاصة لأدوات ووسائل الإنتاج حتى تصبح ملكا للمجتمع فيتسق الإنتاج الاجتماعي بالملكية الجماعية لوسائله او هكذا كانت الاشتراكية هدف ومكون في النظرية الماركسية.

*  مناضل وكاتب يساري سوداني