2018-10-15

محكومون بتكرار البدايات

د. حسن مدن

حين يقارن المتابع لخطاباتنا الفكرية العربية الراهنة، بنظيراتها في القرنين االماضيين، ستصدمه حقيقة أننا ليس فقط ما زلنا نراوح في الدائرة نفسها من القضايا غير المحلولة، وإنما أيضاً نعيش نكوصاً عن منجز التنوير، رغم هشاشة هذا المنجز، ولا نعني هنا سطحية أو قلة عمق مساهمات رواد التنوير العرب الشجعان، وإنما نعني أنها كانت بمثابة شمعة مضيئة تصارع رياح التخلف والمحافظة والجهل القوية، المصممة على إطفائها.

فمن يعود للمراجعات التي قام بها أسلافنا قبل نحو قرنين سيجد أنها انطوت على قضايا ليست بعيدة عن التي نثيرها اليوم حول مسائل من نوع التقدم والوحدة العربية والتضامن، بل إن الحوار والجدل الفكريين اللذين نعرفهما اليوم بين مفهومي الأصالة والعصر لم يكن يومها أقل حدة من جدلنا اليوم.

وفي العلاقة مع القوى الدولية بدا العرب يوم ذاك ضعفاء أمام الآخر، وكان لب الدعوة النهضوية كامناً في الرغبة بامتلاك أسباب القوة التي تجعل العرب في موقع الندية، تماماً كما هو حال خطابنا المعاصر، وهو ما زلنا نعيشه اليوم أيضاً.

كيف نفسر سر هذا التشابه، الذي يشمل أحيانا أدق التفاصيل، بين خطابنا العربي قبل أكثر من مئة عام واليوم، وأن القضايا التي انشغل بها أسلافنا ما زالت نفسها التي تشغلنا؟!

ما هو مؤكد أن إشكاليات النهضة الكبرى ظلت عالقة أو غير منجزة، والمراوحة كما تدل كل التجارب عودة للوراء لا وقوفاً عند نقطة محايدة، بل إن جذوة الأسئلة وحرارة المشاريع التي نلمسها في خطاب نهاية القرن ال19 غائبة في خطاب مطالع القرن ال 21 المحكومة بالتشاؤم والخيبة والشعور بقلة الحيلة.

لعل هذا ما يفسر كثرة البدايات عندها وتكرارها، فكل جيل يكاد يبدأ لا من حيث انتهت الأجيال السابقة له، ويبني عليها ليحقق عملية تراكم معرفية وحضارية وتنموية، تنجز فيها المهام الماثلة بالتدريج، وإنما نبدأ من نقطة الصفر الأولى التي ابتدأ منها السابقون، على أهمية ما قاموا به.

وليس القصد هنا أننا لا نطلع على منجز الأجيال السابقة، بالضرورة، فالعودة إلى هذا المنجز ظاهرة في الكثير من المعالجات الراهنة لإشكاليتنا الحضارية، وإنما القصد أننا اليوم شهود على كيف تمّ الارتداد عن هذا المنجز وتصفية آثاره، التي ظهر الكثير منها في السابق، لنجد أنفسنا اليوم واقعين في شراك التطرف والأصولية المتزمتة ومعاداة الحداثة من حيث هي منظومة قيم تشمل حرية العقل والدولة المدنية وحقوق المرأة وغيرها.

التاريخ يكرر نفسه مرتين، على شكل مأساة تارة، وعلى شكل مهزلة تارة أخرى، والشكلان يتجسدان في هذا التكرار الموجع لتاريخنا.