2018-10-15

أولوية تحصين منظمة التحرير الفلسطينية

طلال عوكل

عودة غير حميدة للحديث الصادر عن الإدارة الأمريكية، حول قرب الإعلان عن صفقة القرن، التي يراهن الأمريكيون أنها يمكن أن تحقق اختراقا في الموقف الفلسطيني.

يعتقد الطاقم الأمريكي الجاهل في فنون السياسة أن ما يمكن أن تتضمنه الصفقة ليس معلوما للكل، الفلسطيني قبل غير الفلسطيني!! القرارات والمواقف التي اتخذتها وتنفذها الإدارة الأمريكية، لا تبقي من صفقة القرن ما يجعل الفلسطينيين يتحولون عن موقفهم المناهض لتلك الصفقة. ربما لا يدرك الطاقم الأمريكي الجاهل، أن إعلان الصفقة رسميا وبكل تفاصيلها من شأنها أن توسع دائرة المعارضة عربيا ودوليا، ذلك أن أحدا لا يجرؤ على احتمال اتخاذ مواقف ايجابية نحو التعاطي مع صفقة بعد أن يتضح وبدون أي غموض أنها تستهدف اجتثاث الحقوق الفلسطينية، وأنها تراهن على تفكيك الصف العربي الذي تتطلع الولايات المتحدة، لأن يدفع ثمن ما تقدمه الصفقة لإسرائيل. وبصراحة شديدة فإن ما تم اتخاذه حتى الآن بعد قرارات واجراءات من قبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، كفيل بأن يحقق استفاقة كاملة للسياسات والمواقف العربية، وأن يحقق تحولا في سياسات من تراهن إسرائيل على تطبيع علاقتها معهم.

يدعي جاريد كوشنير صهر الرئيس ترامب ومستشاره لعملية السلام، أن ما يسميه بالعقوبات الأمريكية بحق الفلسطينيين لا تشكل تهديدا لعملية السلام، كوشنير لا يدرك بأن عملية السلام القائمة على قرارات الأمم المتحدة، قد ماتت منذ زمن وأن الولايات المتحدة، تتحمل مسؤولية أساسية في تعطيلها حتى قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض. لا يدرك كوشنير وزملاؤه في البيت الأبيض، أن ما تتخذه الإدارة الأمريكية من مواقف سياسية تنفيذية، تجاوزت حدود الضغط والتهديد، وأنها ابدا لا تنتمي إلى صفة العقوبات، ذلك أنها تضرب في العمق ومن الجذور الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وتطعن في الصميم جوهر القضية الفلسطينية. حين تعترف الإدارة الأمريكية بأنها أزاحت عن طاولة المفاوضات، ملف القدس ، وملف حق اللاجئين في العودة، فإن عليها أن تدرك بأن ذلك لا يترك أي فرصة للتفكير بجدوى العودة للمفاوضات وبأنها لن تجد فلسطينيا واحدا يمكن أن يقبل التعاطي الإيجابي مع صفقة القرن.

لا يقف الأمر عند حدود ما اتخذته الإدارة الأمريكية من قرارات، فتعود لاتخاذ قرار من ذات المستوى، ومن ذات الأبعاد الجوهرية الناسفة، حين تغلق مقر بعثة منظمة التحرير الفلسطيني في واشنطن. القرار بحق المنظمة يعيدها إلى كونها منظمة ارهابية بحسب القانون الأمريكي، والأرجح أن تتم ملاحقتها لأحقا على أساس ذلك، وأن تبادر إسرائيل إلى اتخاذ اجراءات عدائية للمنظمة وجودا ونشاطا. بهذا المعنى فإن المنظمة تكون مستهدفة لكونها الممثل الشرعي الوحيد، وحامية الهوية الوطنية الشاملة، ولأنها تحمل البرنامج الوطني الذي يعكس طموحات كل الفلسطينيين بما في ذلك اللاجئين داخل وخارج الوطن المحتل.

في هذه الحالة فإن السياسة الأمريكية الإسرائيلية، تتجنب المساس بالسلطة الوطنية، لكونها لا تمثل كل الفلسطينيين، وإنما فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1967، وهي مطلوبة كسلطة حكم ذاتي. السياسة الفلسطينية تعاملت من موقع الرفض والعداء للسياسة الأمريكية الخاصة بملفي القدس واللاجئين، والمعركة لا تزال على أشدها. بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، برفض القرار الأمريكي بشأن القدس، وتحصين الحق القانوني، يتجه الجهد الفلسطيني نحو الجمعية العامة لاتخاذ موقف مشابه إزاء موقف أمريكا من الأونروا وحق عودة اللاجئين، ويبقى موضوع الموقف من الإجراء الأمريكي بحق المنظمة ينتظر موقفا فلسطينيا يتجاوز اعلانات الرفض والإدانة والاستنكار. مبدئيا يعلن الفلسطينيون أنهم بصدد تفعيل ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية من خلال المحكمة الجنائية الدولية وربما يترتب عليها لاحقا مقاضاة الولايات المتحدة من خلال المحكمة ذاتها، بسبب ما ترتكبه من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة غير أن ثمة ما ينبغي القيام به على الصعيد الفلسطيني.

المنظمة بحاجة إلى تحصين، لكي تؤكد عمليا طابعها التحرري، وصفتها التمثيلية، وهويتها الجامعة لكل الفلسطينيين. بما هي عليه المنظمة في هذه المرحلة، فإنها تعاني من عوار مهم، لأن وجود عديد الفصائل الأساسية بالإضافة إلى حركتي حماس والجهاد، خارج المنظمة من شأنه، أن يضعف المنظمة بكل رمزياتها، فضلا عن أنه يضعف الفلسطينيين في مواجهة صفقة القرن. لابد إذا من المبادرة، لإعادة بناء المنظمة ومؤسساتها عبر مجلس وطني توحيدي يستوعب كل المكونات السياسية فصائل ومنظمات مجتمع مدني ومستقلين، يتفق الفلسطينيون من خلاله على استراتيجية وطنية جديدة.

نعلم بأن المجلس الوطني، والمجلس المركزي قد اتخذا قرارات بشأن العلاقة مع إسرائيل واشتراطات أوسلو، ويطالب الكل الفلسطيني بتنفيذها. يتطلب تنفيذ تلك القرارات الهامة، الاستعداد لدفع الثمن، وخوض المجابهة، ولذلك فإن مهمة تجميع الجهد الفلسطيني، ترتقي إلى مستوى الأولوية العاجلة، حتى يكون الكل الفلسطيني منخرط في هذه المجابهة وقادر على تنفيذ تلك القرارات.