2018-10-14

قبل الخراب... إعلان في صحيفة "المهماز" 19 اذار 1946

حيفا خبئيني في عينيكِ لأغفو فيهما إلى الأبد

نداء نصير

أصل الحكاية... 

"كدتُ أنسى وأنا اعبرُ شارع يافا العريق في حيفا قواعد السير وقوانينه، حتّى كادت تدهسني سيارة لم ألتفت اليها، وما كان عليها أن تقفَ، وأنا في خضمِّ معركتي الجنونية في قلب ذاك الشارع. شتمني سائقُ السيارة وقد علّق الشتيمة حتّى وصلتْ إلى جدّ جدّي.. 

ذكرياتٌ عبرتْ من أمامي وصورٌ ومشاهدُ لفّتني في بَرد شباط، عيوني كلُّها محدّقةٌ شاخصةٌ بالشوارع والمباني العريقة، والأشجار الكثيفة في البلدة القديمة.. أشجارٌ تعانقني وأعانقُها.  

ظللتُ أجوبُ الشوارعَ وأنا في حيرةٍ من أمري، إلى أن وصلتُ حيَّ المحطّةِ. تُرى أين يكونُ بيتُ والدي؟ هل دُمِّر؟ هل ما زالَ على حالهِ؟ هل يقطنهُ غرباء؟ هل ما زالَ حوشُ الدار على حاله؟ راودتني أسئلةٌ كثيرةٌ، حتّى أهلكني التعبُ والسيرُ على الأقدامِ، ودبَّ اليأسُ في قلبي وأنا أطوفُ بجنونٍ من مكانٍ إلى آخرَ دون جدوى.

"سكّةُ القطار، يا ولدي... تدلُّكَ على البيت. عليكَ أن تجتازَها، وسترى بعدَها كنيسةَ الملاك جبرائيل، بيتُنا محاذٍ للكنيسة". 

وصلتُ بعد أن نالَ منّي التعبُ وأكلَ من قدميَّ، إغرورقتْ عيناي بالدموع، فتلكَ سكةُ القطار وهذه هي الكنيسةُ التي حدّثني عنها والدي.. ومجموعةٌ من البيوتِ المترهّلةِ المتفرِّقةِ هنا وهناك وبينها مساحاتٌ كبيرةٌ فارغةٌ، وشارعٌ واحدٌ مُعبَّدٌ. بيوتٌ لا تشبهُ بيتَ والدي المكوّنَ من طابقينِ حجارتهُ ورديّة، وأمامهُ حوشُ الدار الكبيرُ ونوافذُهُ تطلُّ على الكنيسة، وأخرى على الميناء.

رحتُ أبحثُ مرة أخرى في أزقةِ ذاكرتي عن بيت والدي- لكنّي لم أجدهُ! "....

هكذا كتبتُ قبل حوالي شهر قصّتي وأنا أتقمّص شخصية ذلك الرجل الحالم بالعودة.. وهكذا بدأتُ، لكني لم أدرك أنّ الصُدف تأتي بهذه الجمالية، فكان لقائي قبل اسبوعين معَ شخصيّة حقيقيّة عبرت شوارع حيفا من يافا وعباس والحريري وستانتون وساحة الخمرة، عبَرَها وهو في زيِّه المدرسيِّ... فعبَّرَ بطريقة قصصية أجمل وأروع، وأشدّ إيلامًا ممّا كتبتُ، لأنّها بكل بساطة ذاقت المعاناة على جلدها وروحها، بعكس شخصيتي القصصية التي ذاقتها من بنات أفكاري.

في زيارتي لبيته المقام في حيّ وادي الجمال المطلّ على روح البحر هناك، ترافقني زميلتي في العمل سناء جمّال ديب، أو للدقّة أرافقها أنا الى بيت والديها عصر يوم جمعة، لألتقي به - بذلك الرجل الذي كان في انتظاري ليفتح أمامي قصة حياته - حياة طفل عايش نكبة حيفا، لا ينسى شيئًا رغم ثقل السنين ومشاغل الحياة.. فما كان في حيفا لا يُنسى!!

وُلِدَ العمّ جورج يوسف جمّال في حيّ المحطّة- محطّة الكرمل عام 1935. ومعه وُلِدت قصّة ذلك الطفل الذي حلمَ بحياة طبيعيّة، فأتته الرياح بما لا تشتهي سفن الانجليز، وعن غير موعدٍ انهال كلّ شيء وما عادت حيفا حيفا التي ترعرع بين أزقّتها
فيقول: "بعد أن ترك الانجليز البلاد عام 1947، اجتمع العرب وقرروا ولم ينفذوا، بالمقابل اجتمع اليهود فخططوا فأقاموا وطنًا لهم. كان العرب في حيفا يجهلون تعداد السكان اليهود. كنا نعتقد أنّ عددنا أكثر بكثير من اليهود، لكن اتضّح لنا فيما بعد اننا في حيفا 600 ألف عربي واليهود 670 ألفًا". (قد تكون الأعداد مختلفة حسب مصادر أخرى(.

جدران وحيطان حيطان وجدران

في عام 1947 بدأ العرب يشعرون بجديّة الأمور، فقد كان العم جورج وقتها طالبًا في المدرسة الارثوذكسيّة، وقد كانت مدرسة حتى الصف الثامن. (اليوم المدرسة مقامة في مكان آخر وهي ثانوية).

في ذلك العام بدأت عملية مقاطعة العرب لليهود والعكس صحيح، وقد بُنيت حقيقة جدران وحيطان بين الاحياء العربية واليهودية للفصل بينها، فعلى سبيل المثال: تمّ بناء حيط أو جدار قسّم ساحة الخمرة الى قسمين، من حواصل عصفور امتدادا حتى شارع يافا تحولت منطقة عربية لا يدخلها يهود وشمال المنطقة القديمة (حيث السوق العتيق- اليوم سوق الخضار) بات قصرًا على اليهود لا يُسمح بدخول العرب اليه

كانت الاحياء العربية واليهودية محاذية لبعضها البعض، وكان بالرغم من الانقطاع والمقاطعة والجدران التي بنيت، الا ان هنالك بعض المعاملات التي كانت تتم بين العرب واليهود، لكن بالخفاء.

الأحياء العربية في حيفا تخلو من سكانها

حي المحطة كان عمليًّا مؤلّفًا من: القشلة (بجانب الداغون)، حارة التنك بجانب رمبام، منطقة بات غاليم (كانت تقطنها بعض العائلات العربية المسيحية وهي قليلة جدا). في هذه المنطقة تواجدت مدرسة الزورة للراهبات وهي كانت مفتوحة للعائلات الثرية وأولاد القناصل وغيرهم، شارع يافا، وادي النسناس، وادي الصليب، شارع العراق (شارع حيفا- الناصرة)، حيّ الألمانية، كلها كانت أحياء عامرة بسكانها العرب، كذلك منطقة الجبل المطلّ على دير مار الياس (منطقة شبرينسك حتى رمات شاؤول، اليوم)، لكن تم تسليم المنطقة، والعرب منهم من انتقل لاحياء اخرى ومنهم من ارتحل رغمًا عنه. كذلك في القسم الجنوبي من البلدة- منطقة شط أبو نصّور، حيّ التنك (على يمين رمبام اليوم). في منطقة الكرمل سكنت عائلات عربية قليلة جدا، اضطروا الى ترك بيوتهم التي كانت مطمعًا كبيرًا.

صدرت الاوامر فيما بعد بتجميع العرب الباقين في حيفا في منطقتين فقط: الأولى- وادي النسناس، والذي حدِّد ما بين شارع ستانتون واللنبي شمالًا، حتى زقاق عسقلان (أشكلون، اليوم) جنوبًا ومن شارع المخلِّص (ي.ل.بيرتس، اليوم) شرقًا حتى شارع الجبل غربًا. أما المنطقة الثانية فهي منطقة وادي الصليب والذي عيِّنت حدوده من وادي الصليب شمالا وحتى شارع النزهة جنوبًا، ومن شارع الافغاني والبرج (معاليه هشحرور، اليوم) غربًا حتى زقاق حسن شكري شرقًا.

على مرمى الهدف

في منطقة وادي النسناس – وهو الحي العريق أو الأعرق في حيفا، كان اليهود يقومون بتعبئة براميل من المتفجرات ودحرجتها من شارع "شبتاي ليفي" الشارع الفوقي لوادي النسناس، فيخاف الناس فيهربون. ناهيك عن القنابل التي كانت تقذف من حي الهادار العالي الى الحيّ العربي في الأسفل الى حارة الكنائس، فقد تمّ أعضاء من "الهاغاناة" بدحرجة برميل مليء بالمتفجرات من ساحة البرج الى حارة الكنائس عبر شارع ستانتون.

كما كانت منطقة الهادار والحسبة (سوق تالبيوت، اليوم) منطقة عليا مشرفة على منطقة وادي الصليب الحي العربي شرقي مدينة حيفا نقطة هدف لكل من يمرّ من هناك، هذا اضافة إلى مطحنة القمح (داغون)، خضعت تحت السيطرة اليهودية، وكلُّ مَنْ كان يمرّ من هناك هروبًا نحو الميناء يقع في فخّ النيران التي عجّلتْ عملية الطرد

جدار برلين في حيفا

إن أردنا أن نعرف تحديدًا خطوط التقسيم، فقصر سليم الخوري (الشيكيم، اليوم) احد نقاط الانطلاق. في تلك المنطقة بني جدار فصلَ عمليا شارع صهيون (نسبة لعائلة صهيون العربية) حتى شارع البنوك (هبانكيم، اليوم) وهي منطقة للعرب ومن كنيسة الكاثوليك ومنطقة عين دور اعتبرت منطقة لليهود. كذلك اعتبرت نقطة البلدية محطّ تقسيم هامة، بحيث وضِعَ فاصل من البلدية حتى شارع ستانتون (القريب من حارة الكنائس) على اعتبارها منطقة عربية ومن البلدية وصولا الى شارع الانبياء وحسن شكري وهرتسل وحالوتس (منطقة الهادار) منطقة لليهود.

على المينا شوي وراجعين!

قبل احتلال حيفا باسبوع، دبّ الرعب في نفوس الناس، وانتقلت الاشاعات والتهويل بما حصل او سيحصل، فبدأ النزوح الى لبنان عبر الميناء، بعد أن أدرك عرب حيفا أنّ لا أمل ولا جدوى من المتطوعين العرب. أما بالنسبة للإنجليز، فكان لهم دور مباشر وهام جدا في عملية النزوح، حيث أحضروا مراكب للميناء وسهلوا عملية ابحارها تجاه عكا ومن هناك الى صور في لبنان

من الجدير ذكره، ووفقًا للمراجع والمصادر، فإنَّ في يوم 21.4.1948 رحل عن حيفا 15000 عربي، ومع حلول الظلام يوم 22.4 ساعدت القوات البريطانية على ترحيل وتهجير 37000 عربي (كانوا ما يزالون في المدينة) من حيفا الى عكا ولبنان باستخدام اربع سفن تابعة لسلاح البحرية البريطاني

واعترف فيما اعترف لاحقًا المراقبون البريطانيون أنه خلال الترحيل القسري للعرب عن حيفا، والذي استغرق اسبوعًا كاملا، دخلت قوات "الإيتسل" الى الاحياء العربية وخلقت جوًّا من الإرهاب ومارست عمليات السلب والنهب واقتحام البيوت. وفي هذا يقول العم جورج: "أمي وأختي نزحتا الى قرية البقيعة في الشمال، للاقامة لدى الاقارب، وبقيت أنا ووالدي وعمي (والد د. أنور الجمال) في منطقة مار الياس. يوم 16.4 أو 17.4 تركتُ حيفا وسافرت الى لبنان.قبل ذهابي إلى لبنان بأسبوع أتى ثلاثة رجال وقاموا بتهديدنا إما أن نترك البيت (يومها كنّا نقطن في شارع الزيتون- اللنبي اليوم) أو يتم قتل عمّي، فاضطررنا الى الانصياع للاوامر، كما اختُطِف أخي الأكبر، ولغاية اليوم هو مجهول المصير".

"رجعت بعد سنتين وعشرة أشهر ورأيت حيفا!! لم اعرفها تقريبًا.. تمّ تفريغ البيوت والأحياء العربية من العرب وسكن بها اليهود، وقد تجمّع العرب في منطقة وادي النسناس وشارع عباس. في بداية النكبة تبقى في حيفا 350 شخصًا فقط. فقد أدّى رحيل السكان العرب عن حيفا الى تغيير المعالم العربية للمدينة"، يضيف العم جورج. يُذكر أنه بناءً على السجل السكاني في أرشيف حيفا لسنة 1948 بقي في مدينة حيفا بعد النكبة 3700 عربي (637 عائلة) وقد وزِّعت على الأحياء العربية التالية: الألمانية، الكرمل، الكبابير، عباس، حيّ القشلة (محطة الكرمل)، البلدة القديمة، وادي النسناس، وادي الجمال، حارة الكنائس والحليصة.

جورج جمّال في "عائد الى حيفا"

وكانَّ غسان كنفاني كان على موعد مع حكاية العم جورج، فسردَ قصّته مجسِّدًا إيّاها في شخصياته الروائية في ملحمته "عائد الى حيفا"، فيعود جورج جمّال الى بيته فلا يستطيع، فيستقرّ هو وعائلته في بيت صديقه وابن صفّه من دار العيسى في شارع الحريري، وكان ذلك بعد أن حاول العرب في حيفا ومن ضمنهم عائلة جورج استعادة البيت بواسطة محامي الارض والانسان المحامي حنا نقارة وزميله فاكسمان، لكنهم لم يفلحوا، فذهبوا باللاشيء الى حيّ وادي النسناس، وسكنوا تحديدًا في بيت في شارع الحريري، يقول العم جورج: "حالَ دخولي البيت تذكّرتُ أنه بيت صديقي وابن صفي من دار العيسى الذين ارتحلوا عن حيفا، فقد كان خاليًا لا روح ولا حياة فيه".

يوم كان تلميذًا يكتبُ حروفه الأولى

ويسير التلميذ جورج نحو مدرسته مدرسة الروم الأرثوذكس المقابلة لكنيسة الروم الارثوذكس، يسير اليها على قدميه، فيعبر السوق المحاذي لكنيسة اللاتين في ساحة الخمرة، يصبِّح على سوق الشوام وسوق العطارين وسوق الجزارين، وتبهره ألوان الدكاكين المترامية هناك على طرفي الشوارع، فيستريح هنيهة أمام جامع الجرينة، ليعود المسير مرة اخرى نحو مدرسته المطلّة على البوابة الشرقية لحيفا، ليكتب على جدرانها جملته الأولى: "أنا أحبُّ حيفا وحيفا تحبّني."

وكان كما يقول العم جورج: "هو الهدف الأول بعد النكبة". وما هو؟  سوق الحسبة - الهدف الاول- او ما كان يسمى بسوق العرب الممتدّ من حواصل "عصفور" حتى جامع الاستقلال، ومن ثمّ الهدف الثاني، محو المعالم العربية للبلدة، وكانت الانظار الجائعة بعدها نحو حي المحطة.

وأعود إلى أصل الحكاية.. 

عادَ الحزنُ وسيطرَ مرّة أخرى على نوافذ قلبي، اعترضْتُ إمرأةً مسنّةً بالكاد تسيرُ، رُحْتُ أسالها كالمستعطي  عن بيت والدي وعن عائلتي.. قالتْ لي أنّها ليستْ من سكّان حيفا الأصليينَ، ولا تعرفُ أسماءَ العائلات الحيفاويّةِ...وبعد أن رأتْ حالي، أشفقتْ عليّ،  فاقترحَتْ أن أسألَ صاحبَ البقالةِ المنزويةِ في آخر الشارع هناك
ذهبتُ نحوهُ مسرعًا، وبعدَ إلقاءِ التحيّةِ عليه، سألتهُ كالغريقِ المتعلِّقِ بقشّةٍ: "يا عمُّ! ما الذي حصلَ للبيت المكوّنِ من طابقينِ المحاذي للكنيسةِ هناك، وأمامه حوشٌ كبيرٌ كان يلعبُ فيه أطفالُ الحيِّ؟".

أنزلَ صاحبُ الدكّان نظارتَهُ قليلًا، وراحَ يتمعّنُ بتفاصيل وجهي، كمَنْ يبحثُ عن شيءٍ ما.. فقالَ لي: "معَ سقوطِ حيفا ومحطّةِ الكرمل، هُجِّر أغلبيةُ سكانِ الحيّ الأصليين، فترمّلتِ البيوتُ، وساءَ حالها حتى ترهّلتْ بالكامل فسقطتْ، فسقطَ معها ذلكَ البيتُ الجميلُ المكوَّنُ من طابقينِ وأمامه حوشٌ كبيرٌ". 

خرجتُ من دكّانِه وفي قلبي حسرةٌ.. فناداني العجوزُ قائلًا: "ألمْ يقلْ لكَ والدُكَ انَّ البيوتَ تموتُ حين يتركُها أصحابُها يا ولدي"؟

تناولتُ سيجارةً ورحتُ أشربُها على مهلٍ، أتخيّلُ والدي يلعبُ ويتقافزُ وينطنطُ في حوش الدار، هناكَ أمامَ الكنيسةِ المطلّةِ على بحرِ حيفا وروحِ حيفا".