2018-10-13

قراءة في كتاب الدكتور مصطفى حجازي

التخلف الإجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

مراجعة: نعيم ناصر

يجدر قبل الولوج إلى مضمون الكتاب موضوع القراءَة، أن نشير إلى أن مؤلفه د. مصطفى حجازي، هو من مواليد مدينة صيدا اللبنانية في العام 1936، وهو أكاديمي ومفكر لبناني حاز على دكتوراة في علم النفس من جامعة "ليون" الفرنسية. وعمل استاذاً لعلم النفس في الجامعة اللبنانية بين عامي 1983 و1990، واستاذاً للصحة النفسية والإرشاد النفسي في جامعة البحرين بين عامي 1995 و 2006، وهو متقاعد الآن.

بلغ عدد مؤلفاته وترجماته أكثر من 30 كتاباً. أما عدد مقالاته وأبحاثه فبلغ 50 بحثاً ومقالة، يتمحور معظمها حول علم النفس التطبيقي، ولا سيما الصحة النفسية والإرشاد الأسري وقضايا الطفولة والشباب والجنوح وغيرها.

وأصّل في هذه الأعمال بنجاح مميز علماً وافداً،هو علم النفس الإيجابي في البيئة المحلية العربية.وعرّف د. حجازي علم النفس الإيجابي، عبر حوار أجري معه من قبل الباحث المغربي المهدي مستقيم، ونشر في الموقع الألكتروني العلماني "مؤمنون بلا حدود" بأنه فرع جديد من فروع علم النفس ما زال في بدايته التي لم تتعدى عشرين سنة (ظهر في سنة 1998 على يد مارتن سليغمان رئيس الرابطة الأمريكية لعلم النفس) وسعى هذا العمل إلى اكتشاف الإيجابيات وأوجه الإقتدار وتنمية الإمكانات لدى الفرد والجماعة.

وقد نشأ رداً على المبالغة في التركيز على أوجه الإضطرابات النفسية والعقلية، خصوصاً في علم النفس المرضي، الذي حوّل علم النفس، عموماً، في أذهان الناس إلى مرادف لما هو غير طبيعي وغير سوي، مع تجاهل أوجه القوة والعافية وطاقات النماء والإنطلاق.

وأضاف أن الأطروحة المركزية لهذا العلم هي أنه في مقابل أوجه الإضطراب والقصور والتشاؤم واليأس لدى الإنسان،هناك أوجه للصحة والقدرة والتفاؤل والأمل الصانع للمصير. فعلاج الإضطراب لا يكفي وحده لأنه يحتاج إلى تنمية طاقات الإنسان وتفعيلها أمام الإيجابيات.

 في مؤلفه "التخلف الإجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" الصادر في طبعته التاسعة عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء عام 2005، يفتح د. مصطفى حجازي باباً واسعاً لمزيد من الدراسات أكثر عمقا في خبايا الإنسان الخاضع لاشتراطات تخلف محيطه الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والعلمي.

ويحلل فيه عبر صفحاته البالغة 256 صفحة من القطع الكبيرة، واقع غالبية مواطني لبنان، خصوصا، ومواطني البلاد العربية، عموما، ويقارب فيه ظاهرة التخلف من جانب يغاير مثيلاتها من المقاربات التقليدية الشائعة، الاقتصادية والإجتماعية والسياسية.  هذه المقاربة تتجه نحو البيئة والطبيعة النفسية للإنسان مستخدماً المقاربات العيادية ليكون عمله هذا منضوياً تحت ما يمكن تسميته "علم النفس العيادي".

والأفكار الأساسية في الكتاب يمكن إختصارها في أن استمرار التخلف لا ينتج فقط من استمرار تواجد العوامل الإقتصادية والإجتماعية التي تسبب التخلف، فحسب، وإنما ينتج أيضاً من الطبيعة النفسية المتخلفة للإنسان، التي تقوم بدورها بتعزيز البنى الإقتصادية والإجتماعية المتخلفة، وبالتالي إذا أريد القضاء على التخلف في المجتمعات العربية، لا يكفي تغيير العوامل الإقتصادية والإجتماعية، كما يحاول ذلك بعض السياسيين والمنظرين، حيث قاموا باستيراد نظريات اقتصادية واجتماعية طورّت في مجتمعات متقدمة، وحاولوا تطبيقها في المجتمعات المتخلفة، وإنما يتم القضاء على التخلف بإضافة جهد آخر يتوجه إلى تغيير عميق في الطبيعة النفسية للإنسان المتخلف "وهكذا يتآزر الفعلان: تغيير الإنسان وتغيير ظروفه، ومن ثم يتم كسر الحلقة المعيبة المساهمة في استدامة التخلف". 

تعود فكرة اصدار الكتاب - بحسب المؤلف - إلى سنوات عدة خلت، عندما استدعت الحاجة تدريجياً، ثم إلى اجراء دراسات خاصة ببنية شخصية الإنسان العربي وديناميتها، من خلال التعامل العيادي والإرشادي مع الأحداث والأطفال الذين يأمون مؤسسات الرعاية ومع ذويهم والراشدين، عموماً، الذين يلجأون إلى مراكز الخدمات الإجتماعية.  واتضح له أن النظريات النفسانية المطروحة في البلاد الصناعية، اذا ما كانت مفيدة للإختصاصي من الناحية المنهجية، فهي في محتواها لا تحيط بالخصائص النوعية لإنسان العالم المتخلف وتوجهاته الحياتية وممارساته السلوكية. والكثير من التفسيرات الجاهزة - بحسب الكاتب - مضللة تخفي مشكلات محلية ذات طابع مغاير.

وإذا كان المجتمع المتخلف حظي بالعديد من الدراسات القيمة – الإقتصادية والإجتماعية والسياسية- فإنه محروم في الوقت نفسه من دراسات نفسية خاصة به تعكس واقع انسانه الحي.

من هذين الإعتبارين الحّت على الكاتب فكرة القيام بهذه الدراسة التي حواها الكتاب، والذي اعتبره طموحاً جداً يحتاج إلى تضافر جهود مجموعة كبيرة من العلماء والباحثين يكرسون طاقاتهم له خلال ردح طويل من الزمن. 

واعتبر د. مصطفى حجازي (مؤلف الكتاب) محاولته هذه ليست سوى بداية متواضعة على طريق ابتكار علم خاص بالمجتمعات العربية. وعلى الرغم من أن الأفكار الواردة في الكتاب انطلقت من العمل العيادي والإرشادي، إلا أنها تغذت من ملاحظات وقراءَات تناولت الواقع العربي.  من هنا برزت ملامح أولية لسيكولوجية الإنسان العربي.  والمؤلف لم يعرض في كتابه هذا سوى بعض الملامح البارزة لبنية التخلف الإجتماعي، وما تولده من سيكولوجية خاصة عند الإنسان المقهور.  كما أنه لم يتناول بالبحث سوى بعض الأساليب الدفاعية الأكثر بروزاً التي يجابه بها الإنسان المتخلف من خلالها مأزقه الوجودي.

ولا شك أن هناك جوانب مهمة كثيرة على كل صعيد، لا بد للأبحاث الميدانية أن تميط اللثام عنها.  فالميدان - بحسب المؤلف - لا يزال بكراً، وقد يكون ما يخبئه من معطيات أهم وأخطر مما ظهر منها.  ولكن - يضيف الكاتب - "أن ما نستطيع توكيده هو أن الخصائص النفسية التي تميز شخصية المؤلف وأولوياته الدفاعية تشكل في الكثير من الحالات عقبات جدية في وجه التغيير الإجتماعي، وتكوّن كوابح مهمة لمشاريع التنمية.  وهنا يكمن خطرها تحديداً، وتبرز أهمية اكتشافها والوعي بها ومعرفة تحريكها لحياته وتحكمه بها.  ذلك هو أيضاً المبرر الأساسي لبذل جهد كبير للأبحاث في هذا الميدان، إذا أردنا لمشاريع التغيير والتطوير في مجتمعنا العربي أن تنطلق من أسس صلبة تحيط بالواقع وتتحكم بالقوى التي تحركه.  بذلك وحده يمكن للآمال التي نضعها فيما نرسم من مخططات تنموية أن تؤتي بعض أكلها".

ينقسم كتاب د. مصطفى حجازي إلى قسمين: يبحث القسم الأول في الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور.  أما القسم الثاني فيعرض أبرز الأساليب الدفاعية التي يجابه بها هذا الإنسان وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها. 

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المؤلف استخدم في هذه المقاربة منهج ومفاهيم التحليل النفسي الذي ظهر في أوائل القرن العشرين على يد فرويد.  وهذا التحليل يستند على مفاهيم ومسلمات أساسية، أبرزها أن للإنسان عقلاً واعياً ومدركاً يتبع لمنطق في اتخاذ قراراته، وعقلاً غير واع يشكل جزءاً كبيراً من حياة الإنسان النفسية، ويوجه الكثير من سلوك الإنسان ومواقفه دون أن يشعر الوعي بذلك الذي تستمر فيه عقد منذ مرحلة الطفولة أبرزها: عقدة الهجر، وقلق الإنفصال وقلق المنع.  ووفق التحليل النفسي فإن أي موقف، أو حالة مهددة أو مقلقة يتعرض لها الإنسان تثير لديه هذه العقد، فيتولد عنها قلق شديد يسعى بطرق عديدة للتخلص منه.  وهذه الطرق تسمى آليات دفاعية.

الخصائص النفسية للتخلف

تحت هذا العنوان يتحدث الكاتب عن علاقة القهر التي تربط المتسلط بالإنسان المقهور، ويقرر أنه بقدر ما تتضخم "أنا" السيد وينهار الرباط الإنساني بينه وبين الإنسان المقهور، وتتأكد في ذهن المستبد اسطورة تفوقه، وخرافة غباء وعدم آدمية الإنسان المستضعف يصبح الأول (المستبد) أسير ذاته وينحدر الثاني (الإنسان المستضعف) إلى أدنى سلم الإنسانية.

ومن الأمثلة على ما تقدم أبرز المؤلف نظرة الحركة الصهيونية إلى العرب على أنها نظرة ازدراء واحتقار "بينما ينظر الصهيوني إلى نفسه بتعال وتفوق،  من خلال نشر أساطير القدرة في الإنتاج والعلم والغنى والحرب ... تلك كانت صورة الإنسان العربي قبل الغزو الصهيوني لفلسطين في كتابات زعمائهم من أنه لن يكون للعرب سوى وظيفة واحدة هي القيام بالأعمال المنحطة".

ثم ينتقل المؤلف إلى تبيان المراحل الثلاث التي تمر بها علاقة القهر، حيث يكون لكل مرحلة بيئتها النفسية الإجتماعية، وخصائصها المميزة التي تعكس جانباً من الوجود المتخلف.

الأولى: مرحلة الرضوخ والقهر: وتمتد زمناً طويلاً نسبياً، واعتبرها الكاتب فترة مظلمة في تاريخ المجتمع، حيث تكون قوى التسلط الداخلي والخارجي في أوج جبروتها، وحالة الرضوخ في أشد درجاتها.

وأبرز ملامح هذه المرحلة - بحسب الكاتب - حالة الخضوع التي غرسها المتسلط في نفسية الجماهير، فيزدري انسان العالم المتخلف ذاته ويخجل منها ويود لو يهرب من مواجهتها، وينقم عليها في الوقت نفسه، فيكره الإنسان نفسه ويوجه سلوكه العدواني تجاه نفسه وتجاه أمثاله من الناس، ومن ثمّ يشرع بتغيير هذا السلوك، ليمارسه تجاه من هو أضعف منه ألا وهو المرأة، التي تمارس بدورها السلوك نفسه تجاه أبنائها.  وفي هذه الحالة تكثر-كما يرى الكاتب- الميول الإنتحارية النابعة من تفاقم مشاعر الإثم ومن تراكم السلوك العدواني المرتد إلى الذات.

ومن الملامح الأخرى للإنسان المقهور التي يوردها المؤلف الإعجاب بالمتسلط والإستسلام له، ويرى فيه الإنسان الفائق القدرة، الذي له حق شبه إلهي في السيادة والتمتع بالإمتيازات كلها، وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ "مازوشي" من خلال الإعتراف بحق المتسلط لفرض سيادته على الجمهور. 

وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز الإنسان المقهور، أبرزها - بحسب الكاتب: عقدة النقص وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله التي تجعله يحجم عن كل جديد ويتجنب الخوض في كل تجربة قد تساهم في تغيير وضعه. "لذلك فهو لا يحرك ساكناً، وإنما ينتظر البطل المخلص الذي سينشله مما هو فيه.  وهذا يمهد له الطريق للتعلق بالزعيم الفرد تعلقاً يغري بالتسلط والدكتاتورية.  اما عقدة العار، التي هي في نظر المؤلف التتمة الطبيعية لعقدة النقص .. فهي التي تجعل  الإنسان المقهور يخجل من ذاته، ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله، فيتمسك بالمظاهر التي تشكل ستراً واقيا لبؤسه الداخلي، ثم يسقط العار على المرأة (العورة) فتصبح هي رمز الشرف والكرامة التي يبرر من أجلها القتل (قتل المرأة).  والإنسان المقهور بدل أن يثور ضد مصدر عاره الحقيقي، وهو المتسلط، يثور ضد من يمثل عاره الوهمي، وهو المرأة المستضعفة، بينما تحتفظ الفئة المستغلة لنفسها بلقب الشرف والنبل، عبر ما تتمتع به من امتيازات".

ومع ذلك ليست عقدة العار - بحسب الكاتب - وقفاً على الفئة المقهورة فقط، بل هي عامة في المجتمع، حتى أن الفئة ذات الإمتيازات لا تخلو منها، وإن كانت درع المظاهر التي تحتمي بها أقوى واصلب وأشد مناعة.

وإلى جانب ما ذكره الكاتب يعاني الإنسان المقهور من اضطراب الديمومة، حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة في شكل تضخم في آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل.

ويرى الكاتب أن تفاعل عقدتي النقص والعار واضطراب الديمومة، يزيد في حدتهما ووطأتهما لدرجة يصعب احتمالها. "وهكذا يغرق الإنسان المقهور في ضعفه وعجزه واستسلامه ازاء قوى لا قبل له على مجابهتها.  وكلما زاد غرقه اشتد تخلفه بالضرورة، لانه يكون قد فقد العزم والقدرة على الفعل والتأثير والمبادرة وسيطر عليه الجمود فينطوي على ذاته مجتّراً مأساته".

الثانية: مرحلة الإضطهاد: وفيها - بحسب الكاتب - يُسقط الإنسان المقهور مشاعر الذنب والتبخيس المعتملة في ذاته على مقهور آخر وليس على المتسلط، ويوجه اليه سلوكه العدواني المتراكم لديه متخذاً طابع الحقد المتشفي.  والهدف من ذلك هو تحطيم الصورة غير المقبولة عن ذات الإنسان المقهور يعكسها على من هو أكثر غبناً منه، ما يعطيه انطباعاً، ولو وهميا، بالإفلات من ذل القهر. أما تجاه المتسلط فيبدأ السلوك العدواني بالظهور نحوه عبر التعبير اللفظي والرمزي، غير المباشر، الذي لا يتضمن مجابهة صريحة. وهكذا يتم خلق مناخ عام من العنف يسبغ العلاقات الإجتماعية بمجملها بطابعه. "وهذا المناخ وما يتضمنه من اسلوب متوتر في التفاعل، كان مصدراً استغله المستعمرون والمتسلطون المحليون، حين فسّر في شكل مزوّر على أنه جزء من طبيعة بعض الشعوب التي عانت طويلاً من القهر، لأن أفرادها لا يفهمون سوى لغة القوة .. اللطف لا يجدي معها .. لا يجوز التساهل معها لأنها ستستجيب بالعنف والتخريب .. كي لا تتطاول على أرباب نعمها".

الثالثة: مرحلة التمرد والمجابهة: وفيها يصبح العنف المسلح هو السبيل الوحيد ليتخلص الشعب المقهور من عقد النقص والجبن والخوف، التي غرسها المستعمر والمستبد في عروقه، وهو يحقق بذلك ذاته وينقّي نفسه من الكسل والجهل والإتكالية.  ولكن للأسف - بحسب الكاتب - كثيراً ما يتحول هذا العنف إلى رد فعل غاضب يعيق التفكير والتنظيم طويل الأمد. "وهكذا يصبح العنف آلية من آليات الدفاع النفسية التعويضية، فيقع الإنسان المقهور في الأخطاء نفسها التي وقع فيها قاهرة المستبد، ويصبح ممجداً للقوة، ويصبح هو نفسه مستبدأ، ومتسلطاً على غيره".

خصائص العقلية المتخلفة

تحت هذا العنوان يعرض المؤلف سمات الذهنية المتخلفة وأسبابها، ويحرص على توضيح أن ما يطرحه لا يعدو كونه محاولة أولية لا تدّعي الشمول في عرضها للواقع، وغاية ما يرجوه هو أن يكون طرحه منطلقاً لأبحاث ميدانية أكثر تحديداً.  وعمد الكاتب إلى تقسيم الخصائص الذهنية على النحو الآتي:

أولا: الخصائص الذهنية المنهجية:

وتتلخص في أمرين أساسيين: الأول اضطراب منهجية التفكير، والثاني قصور الفكر الجدلي.  ويتلخص الخلل في الأمرين بصعوبة السيطرة الذهنية على الواقع بكل تفصيلاته.

ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المتخلف من قصور في الفكر النقدي الذي يتجلى في العجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة، بين المميزات والعيوب لمسألة ما .. انه (الفكر المتخلف) يعجز عن الذهاب بعيدا في تحليله للأمور لأنه لا يدرك أن لكل ظاهرة مستويات من العمق، ويكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعاً يخفي الحقيقة، وهو يقوم باطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل.  وهو إضافة لذلك يتميز بانعدام المثابرة، فهو ينطلق بحماس كبير، ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها.

ويتميز الفكر المتخلف أيضا - بحسب الكاتب - بانعدام الدقة والضبط، وكل شيئ يظل في مستوى التقدير الإجمالي والإنطباع العام .. وكل ما سبق يؤدي إلى العجز في التخطيط للمستقبل، الذي يكون أفقه ضيقاً عند الإنسان المتخلف.

أما قصور التفكير الجدلي - يضيف الكاتب - فهو لب الذهنية المتخلفة، فهي جامدة، قطعية، وحيدة الجانب، عاجزة عن العمل تبعاً لمبدأ التناقض، تخفق في إدراك الترابط والتفاعل بين الظواهر وما ينتج منه من حركية وتغير.

ثانيا: الخصائص الذهنية الإنفعالية:

ينطلق الكاتب، عبر هذا العنوان الجانبي، من مقولة أن طغيان الإنفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في الأزمات، ولكنها عند الإنسان المتخلف تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود.  انه يعيش في حالة من التوتر الإنفعالي الذي ينبت في حنايا شخصيته معطلاً القدرة على الحكم الموضوعي والنظرة العقلانية للأمور.  "إن العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية يدفع إلى النكوص إلى المستوى الخرافي وإلى الحلول السحرية والغيبية.  وكلما زاد القهر والعجز تفشت الخرافة.  ولهذا فليس من المستغرب أن نجدها (الخرافة) تعيش في عالم المرأة لأنها - أكثر من غيرها - حرمت من أهم امكانات المجابهة العقلانية الموضوعية للواقع، وهي بدورها (المرأة) تعمل على نشر الخرافات، وترسيخ التفكير الغيبي من خلال غرسهما في ذهنية الطفل، إلى أن يكبر مع بقاء الخرافة متأصلة في أعماقه، وجاهزة للبروز أمام الصعاب"، بحسب الكاتب.

ورغم كثرة انتشار الخرافة في الطبقات المقهورة من السكان، إلا أن الفئات المتعلمة لا تفلت منها.  وأهم من الخرافة الواضحة، هناك الخرافة المغطاة بقشور من التعليم وبفقشور من الحداثة والسطحية لأنها تشكل عقبة فعلية في وجه التغيير والتجديد، وعقبة في وجه العقلانية والموضوعية.

عوامل تخلف العقلية في العالم المتخلف

إن لب تخلف العقلية يكمن - في نظر الكاتب - في أسباب اجتماعية وسياسية، وهي المسؤولة عن نمط الإنتاج وأدواته وتقنياته، وانعكاساتها على الذهنية وتختصر في اتجاهين أساسيين مترابطين:

الأول: سياسة التعلم وتخلف الذهنية، حيث يعاني المتعلم في العالم المتخلف من استمرار الذهنية اللاعلمية لتضافر أسباب عدة: كثرة غرس التفكير الخرافي في ذهنه منذ الطفولة، وسطحية التعليم وعدم تكامله في الشخصية لبعده عن تناول القضايا الحياتية والإجتماعية، والإنفصام بين العلم النظري والتجربة المعاشة، والخوف من التصدي للتيارات السائدة، من قبيل الخوف من الإتهام بالإلحاد، حفاظا على لقمة العيش في مجتمع قامع لا يضمن حرية الفكر، ولا يؤمّن للإنسان غده .. "وهكذا تسد السبل على أكثر من صعيد أمام تجاوز تخلف الذهنيةوالإرتقاء بها إلى المنهجية العلمية الصائبة".

الثاني: علاقات التسلط والقهر وتخلف الذهنية المتمثلة في قهر حياتي يكون الإنسان المتخلف ضحية له، وقهر الطبيعة وتداعياتها، وقهر المتسلط في المجتمع الزراعي، وقهر التقاليد العشائرية التي تشل الفكر، ثم القهر الذي تمارسة السلطة المدنية على اختلاف وجوهه وأشكاله وتبريراته ... كل ذلك يخلق جواً عاماً من العنف يمارس على الشخصية، مانعاً تفتحها وانطلاقتها وتصديها لمختلف القضايا الوجودية.    وهذا القهر يمتد مع الإنسان منذ الطفولة، حيث القهر الذي يمارسه الأبوان في الأسرة، ومن ثمّ تتابع المدرسة القهر عبر عملية التدجين، إلى أن تسلمه إلى المجتمع، وما فيه من قهر أثناء التدريب المهني، وفي العمل وفي كل مكان .. وهكذا يحدث لديه شلل في الفكر النقدي، وتقلص في مدى حركته ومرونته نتيجة فرض الطاعة دون منحه حق النقاش والفهم.

الحياة اللاواعية للإنسان المقهور

تشكل الحياة اللاواعية الوجه الخفي للتجربة الوجودية للإنسان، عموماً، وتكتسب وزنها من خاصيتها الأساسية وهي الافلات التام من سيطرة الوعي والإرادة، من ناحية، ومن شدة ومدى الضغط الذي تمارسه المكبوتات على جميع أوجه النشاط الحياتي، من ناحية ثانية.  ويتغلغل اللآوعي في كل حركة وتوجه ونظرة وقيمة تحيط بحياة الإنسان أو تعطى له.  ويعاني الإنسان المقهور في جانبه اللاوعي من تداعيات الحياة التي يعيشها.  فعلاقة التسلط والقهر تقابل بنيوياً علاقة "السادومازوخية" وتقابل "دينامياً" قلق الخصاء (المنع) حيث يخشى الطفل من والده الذي يفرض عليه الخصاء وهذا يدفع الطفل إلى النمو ليصبح مثل أبيه في قوته.  ولكن إذا كان حب الوالد شديداً وكانت العدوانية تجاهه بسبب الخوف من الخصاء شديدة أيضاً، عجز الطفل عن المرور بعملية التماهي مع الأب، واستقر في حالة الخصاء، التي تزعزع كيان الإنسان المقهور، وتخل بتوازنه فيتجه بعدوانيته إلى ذاته، ويقوم بتبخيسها وتحطيمها.  وعندما لا يجدي ذلك في التخلص من القلق يلجأ إلى وسائل تعويضية، كالإحتماء بالزعيم المنقذ أو التعلق بالأبطال، أو اللجوء إلى المشايخ والأولياء.

أما اعتباط الطبيعة - بحسب الكاتب - فيأخذ صورة الأم السيئة، ويفجر عند الطفل - الإنسان المقهور - قلق الهجر، وتثار أشد حالات انعدام الشعور بالأمن.  وكتعويض عن ذلك يقوم الإنسان بمحاولة اندماج مع الأم تأخذ شكل الذوبان في الأسرة والعشيرة.  وهكذا فمأساة الإنسان المقهور لا تقتصر على بعدها الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، فحسب، بل تفجر مأساة ثانية أكثر بدائية هي القلق الطفلي اللاواعي، متمثلة في انعدام مشاعر القدرة والإحساس بالأمن، وقلق الخصاء (المنع) وقلق الهجرة.  وكل من المأساتين تعزز الأخرى ما يؤدي إلى تضخم معاناته.  ويتفاقم هذا التضخم نظراً لانفلات الأمر من سيطرته في الحالتين، ليس المصير المادي هو الذي ينفلت منه، فحسب، ولكن أيضاً تفجير القلق النابع من اللآوعي، خصوصاً، باعتبار أن الخاصية الأساسية لما هو "لاواع" هي الإفلات من سيطرة الوعي والإرادة.  كل ما سبق يخلق - بحسب الكاتب - اختلالاً في التوازن الوجودي عند  الإنسان المقهور ويجعل حياته صعبة الإحتمال ويدفع به إلى توسل العديد من وسائل الحماية التي تذهب في كل اتجاه.  وهذه الوسائل يتضمنها القسم الثاني من الكتاب.

الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور

يلجأ الإنسان المقهور - بحسب الكاتب - إلى مجابهة القهر الواقع عليه متخذاً عدداً من الأساليب الدفاعية أبرزها:

الإنكفاء على الذات:

وفسرها الكاتب بأنها الحركة الأولى التي يحاول الإنسان المقهور من خلالها تجنب ما تفرضه عليه الطبيعة من بلاء، ويفرضه المتسلط من قهر، تأخذ شكل الإنكفاء على الذات فينسحب ويتقوقع بدلاً من مجابهته للتحديات الراهنة والمستقبلية، ويغرق في بؤسه الذي يتخذ عندها طابع القدر والنصيب، ومن ثمّ يقوم بأمور أخرى عديدة من أجل إدخال بعض التوازن إلى وجوده وإبعاد شبح القلق الذي يعتريه.  من هذه الأمور: التمسك بالتقاليد والماضي المجيد، الذوبان في الجماعة، البحث عن ملاذ أو زعيم منقذ ليعتمد عليه.

ويرى الكاتب أن التمسك بالتقاليد والأعراف والاحتماء بالماضي يشكل أولوية دفاعية ضد قلق مجابهة المسؤولية الذاتية، بما يسبغ عليها من صفات القانون الملزم، تتضمن تبريراً للعجز الذاتي عند الإنسان المقهور الذي يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدراً للكبرياء والرضى عن الذات.  وأحياناً يصل الأمر إلى التزمت في تمسكه بالتقاليد، وهو بذلك يقف ضد تغيير علاقة القهر وتطوير بنى المجتمع.

أما التمسك بالماضي فهو طريقة يبعد فيها الإنسان المقهور عن نفسه تهديد انعدام القيمة بالاحتماء بالقيمة التي كان يتمتع بها في الماضي.  وفي هذا النكوص تحدث عملية تزيين الماضي، من خلال طمس عثراته، من جانب، والمبالغة في تضخيم حسناته، من جانب آخر .. وهكذا يتحول الماضي إلى عالم من السعادة والهناء.

ويشكل الإحتفاء بأبطال القصص الشعبية اسقاطاً لأمل الإنسان ورغبته من امتلاك القدرة على مجابهة قدره، ويقوم المتسلط بتشجيع حلقات رواية القصص الشعبية، لما تساعد عليه من تصريف للتوتر الوجودي، وبالتالي تصريف السلوك العدواني الذي يهدد بالإنفجارضده، من خلال الغرق في عالم خرافي يحمل ارضاءات وهمية للإنسان المقهور.

أما الذوبان في الجماعة فيشيع في المجتمعات المتخلفة والمقهورة. وترتفع درجة الذوبان في الجماعة، عادة، على المستوى الفردي، بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة.  وأكثر الأفراد ذوباناً في الجماعة وتعصباً لها هم، في معظم الأحوال، أشدهم عجزاً عن الاستقلال والوصول إلى مكانة فردية، وإلى قيمة ذاتية تنبع من شخصيتهم. وتنشأ نتيجة الذوبان جماعات مغلقة على نفسها تقوم بينها وبين الجماعات المجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد، وتزداد هذه العلاقات العدائية بقدر تعرض هذه الجماعات لقوى متسلطة لا قبل لأي منها بمقاومتها. وتأخذ وضعية الاتكالية لدى الإنسان المقهور- بحسب الكاتب - شكل المراهنة في خلاصه على الزعيم المنقذ الذي يسبغ عليه كل صفات القوة والرحمة والكمال، التي هي نقيض نظرته عن نفسه .. إنه (الإنسان المقهور) يتكل عليه (الزعيم) بشكل كلي دون أن يعطي لنفسه دوراً في السعي لهذا الخلاص سوى دور التابع المعجب المؤيد دون تحفظ ، والمنتظر للمعجزة التي قد تأتي على يد قائد انقلاب عسكري يتحول فيما بعد إلى ديكتاتور، لتعود حالة القهر والتسلط كما كانت في اول مرة.

التماهي مع المتسلط:

ويشكل أحد المظاهر البارزة في سعي الإنسان المقهور لحل مأزقه الوجودي، والتخفيف من انعدام الشعور بالأمن أو التبخيس الذاتي الذي يلحق به جراء وضعية الرضوخ، وهو عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها، وهروب من الجماعة وتنكر للإنتماء اليها عبر التشبه بالمتسلط.  وتمثل هذه الظاهرة - بحسب الكاتب - ثلاثة أشكال:

الأول: التماهي مع أحكام المتسلط: وفيه يقوم الإنسان المقهور باكتساب عدوانية المتسلط وتوجيهها إلى الذات في شكل مشاعر ذنب ودونية وتبخيس للقيمة الذاتية، ويوجهها أيضا تجاه جماعته، حيث ينخرط في حرب شعواء على الجماعة مكدساً الأدلة من ظواهر الحياة اليومية على ضعفها وعجزها وسوئها .. أنها الجماعة المسكينة التي لا يرجى منها خير، والتي ستظل أبداً غارقة في المهانة والجهل. وبذلك يكون قد ابتدأ تدريجياً في السير على التماهي مع عدوان المتسلط، وتهيأ للعب دوره تجاه الأشخاص الأضعف حين تسنح الفرصة.

الثاني: التماهي مع عدوان المتسلط: ويتظاهر بالاستعلاء على الضعفاء واستعراض القوة. وفي الحالات الشديدة يمارس أشد أنواع البطش والعنف والتعذيب بحق الضعفاء .. وهكذا يصبح رجل الشرطة، الذي يحس بضعفه الذاتي وقلة قيمته اشد قسوة من سيده المتسلط والمستبد، ويقوم هذا الشخص بمحاربة مشاعره الدونية بصب جام غضبه على الفقراء والمستضعفين، حيث كان سابقاً واحداً منهم، والذين يذكّرونه بضعفه.

الثالث: التماهي مع قيم المتسلط واسلوبه الحياتي:  ويتم ذلك من خلال رغبة الإنسان المقهور في الذوبان في عالم المتسلط عبر التقرب من اسلوبه الحياتي وتبني قيمة ومثله العليا .. وهكذا يصبح الخلاص بالنسبة اليه التحول من وضعية الراضخ إلى وضعية المتسلط، حتى لو كان ذلك عبر المظاهر الخادعة، التي ربما لا تخدع سواه. أما الخلاص الجماعي، عبر تغيير البنية وقلب موازين العلاقات ضمنها، فهو لا يقتنع به مطلقاً في قرارة نفسه وإن صرح به وادعاه بلسانه.

السيطرة الخرافية على الواقع:

يجد الإنسان المقهور نفسه، نتيجة عيشه في ظروف من التسلط والاستبعاد، لا حول ولا قوة ولا قدرة له على التأثير فيما حوله من أحداث .. وهذا العجز والشلل - بحسب الكاتب - يخلق توتراً لديه ما يدفعه إلى انتهاج وسائل متعددة كي يعيد لنفسه بعض التوازن المفقود.  من ذلك، وكي يسيطر المقهور على حاضره المليء بالمشاكل والأزمات، يلجأ إلى الأولياء ومقاماتهم للتبرك والإبتهال معتقداً أن لديهم القدرة على التحكم بأحداث حياته، فيطلب منهم العون.  ومن ذلك أيضاً القاء تبعات ما يحدث له وعزوها إلى قوى خارجة عن إطار قدرته على التحكم، كالجن والشياطين الذين يصبحون مشجباً لتعليق كافة الأحداث السيئة عليه، وكل المساوئ الذاتية وأوجه القصور الشخصية.

ولا يكتفي الإنسان المقهور بذلك، بل يقوم بتفسير الأحداث السيئة  في حياته، على انها نتيجة الحسد والسحر، مسقطاً بذلك ما يجول في لا وعيه من أفكار وعدوانية ونزوات وتوترات على الآخرين الذين يحسدونه ويتعاونون مع السحرة ليؤذوه.

وهو (الإنسان المقهور) لا يقتصر على ذلك فقط، وإنما يلجأ أيضاً لاستخدام السحر ذاته ليرد على أذى الأشرار، ولينزل الأذى بالآخرين.  وليس بعيداً عما سبق قيام الإنسان المقهور بالبحث عمن يقرأ له طالعه من المنجمين والمشعوذين الذين يخلطون بين العلم والروحانيات، ويلعبون على الإيمان الديني لطالب الحاجة لإقناعه بصحة ما يتنبؤونه من تنبؤات مستقبلية.

كل ما سبق يجعل الإنسان المقهور أسيراً لقدرية مكبلة تقوم بتنظيم الإعتباط الذي يحيط بوجود الإنسان (اعتباط الطبيعة واعتباط المتسلط) ويقبل الإعتباط كأمر واقع. وكمظهر من مظاهر الكون والأشياء.  وإذا ما استفحل الأمر يسير الإنسان خطوات أبعد من ذلك حيث تتحول القدرية إلى نوع من الواجب:  ضرورة قبول المصائب كامتحان للإيمان، وبالتالي لا يجوز التمرد عليها أو رفضها.  وكل ما يسمح للإنسان هو الدعاء بالرحمة.

تلك هي وسائل السيطرة على المصير حين يتفاقم القهر ويستفحل ويعجز الإنسان وتنعدم قدرته على التأثير في الأحداث .. إنها دفاعات تساعد المرء على تحمل مصيره بالحد الأدنى من الصراع النفسي، ولكنها تشكل عقبة جدية في وجه النهوض لتغيير المصير كحل وحيد وفعال في نهاية الأمر .. أنها تدفع المرء إلى الإستسلام والإستكانة للأمر الواقع، وبالتالي تعزز هذا الواقع وتحافظ على استمرارية.  ومن هنا كان تشجيع الحكام والمستفيدين منه على انتشار القدرية.  فليس أفضل منها للحفاظ على امتيازاتهم. "وانطلاقاً من هذه القدرية يأخذ الغربيون على الإنسان العربي، خصوصاً، والشرقي، عموما، قدريته واستسلامه للظروف دون أن يحاول ألتأثير فيها. كما يلومونه على تخاذله وسلبيته اللذين يعتبرونهما عيباً خلقياً حضارياً" وفق قول الكاتب.

العنف:

ويسرد الكاتب في ختام حديثه عن الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور بعض مظاهر العنف ويقسمة إلى قسمين: مظاهر العنف المقنع والعنف الرمزي.

ويقصد بمظاهر العنف المقنع العدوانية المرتدة إلى الذات في شكل إدانة الإنسان لنفسه، وذلك كي يجمد الأمور ويعدم الإحساس بها، وبالتالي يخفف من قلقه وتوتره الداخلي.  وقد يرتد العنف المقنع على الذات متخذاً شكل السلوك الرضوخي و الميول التدميرية الذاتية، أو يتوجه إلى الخارج في شكل مقاومة سلبية.

كما يأخذ العنف المقنع - بحسب الكاتب- شكل عدوان موجه إلى الخارج في شكل كسل، وتخريب للمتلكات العامة، واطلاق النكات والتشنيعات على اختلافها.  كما يدخل في ذلك مختلف تصرفات الخداع والتضليل والإحتيال في التعامل مع التسلط.

أما العنف الرمزي - بحسب الكاتب - فيأخذ شكل سلوك جانح يهدف إلى خرق القوانين. وذلك يدل على ما يعتمل باطنياً في بنية المجتمع من اضطراب، وما يتراكم من عدوانية كامنة قابلة للإنفجار في ظروف معينة.

إن تراكم العدوانية المزمن يقود الى توتر وجودي وعلاقات اضطهادية يعيشها الإنسان المقهور، ويتجلى ذلك بانفجار العدوانية اللفظية التي تنفجر في سيل الشتائم والسباب، والاستخدام العنيف للسلاح او العضلات في فورة غضب، وذلك لوجود احساس دفين بانعدام فعالية اللغة اللفظية واسلوب الإقناع، ما يحول الأمر بسرعة إلى الحسم العضلي أو الناري من خلال الإخضاع.

ومن مظاهر التوتر الوجودي والعلاقات الإضطهادية في العالم المتخلف توجيه العدوانية إلى جماعات خارجية، عبر التعصب العرقي أو الطائفي، وما يرافقه من ميول فاشية .. أنه ينظر إلى الآخر ليس على أنه شرير، وحسب، بل هو رمزالشر والسوء ولذلك من المقبول بل من الواجب إراحة البشرية منه، فيصبح العدوان مشروعاً بل مطلوباً.

بعد ذلك يتناول الكاتب نظريات تفسير العنف ويذكر منها وجهة نظر علم نفس الحيوان، ووجهة نظر التحليل النفسي، وبعدها يحاول أن يستعين بهذه النظريات في تفسير وفهم العنف في المجتمع المتخلف.

وضعية المرأة في المجمتع المقهور

ويختم الكاتب الفصل الأخير من كتابه بالحديث عن وضعية المرأة في المجتمعات المتخلفة، كونها ابلغ الأمثلة على وضعية القهر، بكل اوجهها، في المجتمع المتخلف، اذ تعتبر العنصر الأكثر تلقياً للظلم في مجتمعها وهي تعبير واضح عن الإنسان المقهور. وتلعب العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المتخلف دوراً مهماً من الناحية الدفاعية، حيث يتهرب الرجل من مأزقه بتحميل كل مظاهر النقص والمهانة التي يشكو منها في علاقته بالمتسلط وقهره وقهر الطبيعة للمرأة.

ولذلك يُفرض على المرأة أكثر الوضعيات عبئاً في المجتمع المتخلف .. إنها محط اسقاطات الرجل السلبيه والإيجابية ، على حد سواء، وهي تُدفع نتيجة لذلك إلى اقصى حالات التخلف، ولكنها من هوّة تخلفها وقهرها ترسخ تخلف البنية الإجتماعية عبر ما تغرسه في نفوس أطفالها من خرافة ورضوخ.

وبخصوص العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة تقع الملامة على المرأة دائماً، فهي - بحسب الكاتب - المذنبة أبدا .. مذنبة إن استسلمت للإغراء قبل الزواج، ومذنبة إن حرمت المتعة برفقة زوجها، نظراً لما تعرض له جسدها من قمع، ومذنبة إن هي لم تنجب، ومذنبة إن لم تنجب الذكور.  وكما يقيد جسد المرأة ويؤجر جنسياً واقتصادياً، عبر القوانين الدينية والمدنية، التي تحاول تطويقه من أجل ترويضه، وبالتالي تعويد حاملته على الرضوخ غير المقيم على الصعيد الإقتصادي.  كذلك فإن هذه القوانين سلاح في يد المتسلط لاستغلال طاقة الرجل وتطويق جسده بقوة .. وسلاح في يده للجم كل التحركات التمردية التي تهدد المتسلط وتخيفه.