2018-10-08

محفوظ عبد الرحمن ينفخ الروح في الدراما التاريخية

* الباحثة سميرة أبو طالب ترصد دور الكاتب المصري في إعادة قراءة التاريخ والتراث العربي بما يثري اللحظة الراهنة *

القاهرة - من أحمد رجب: لا تحظى الدراما التليفزيونية العربية بمتابعات نقدية لائقة تعبر عن الدور الذي تلعبه الدراما في المجتمع، كما تفتقر أغلب الكتابات النقدية المنشورة عنها إلى الرؤية الكلية للنص الدرامي المرئي، فبعضها ينطلق في تعامله مع النص من مناهج النقد الأدبي، ومنها ما يتجه إلى تقنيات النص المرئي متغافلا عن مضمونه والرؤية التي يحملها، ومنها ما يأتي انطباعيا سريعا لا يضيف شيئا للقارىء أو لأصحاب العمل.

هذا الواقع البائس للنقد الدرامي ترصده الكاتبة سميرة أبو طالب، وتقترح سبلا لتجاوزه في كتابها الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وعنوانه "الخطاب السردي في الدراما التاريخية التليفزيونية في أعمال محفوظ عبد الرحمن"، وهو في الأصل رسالة جامعية نالت عنها الباحثة درجة الماجستير في النقد من جامعة القاهرة.

نص الصورة

هل آن للنقد العربي أن يدخل الدراما التلفزيونية في حيز اهتمامه؟ تقر سميرة أبو طالب بأن الإجابة عن هذا السؤال تأخرت كثيرا، وإن بدت بعض الإشارات في كتابات علي الراعي وشوقي ضيف، وغيرهما من الكتاب الذين رأوا في الوافد الجديد سلاحًا ذا حدين، يمكن من خلاله توسيع قاعدة تلقي النصوص الإبداعية، وتوظيف إمكانات هذا الوسيط، لفتح مجال أوسع أمام اللغة العربية كي تكتسب بعدًا إيحائيًا يضيف بصيرة أخرى للمتلقي، وأشارت كذلك إلى المدارس النقدية الجديدة التي تقوم على تداخل الأنواع الأدبية، إلى حد سقوط الحاجز الوهمي بين الوصفي والسردي، أو بين المرئي والمكتوب، هذا التداخل الذي أنتج "نظرية نص الصورة" التي يروج لها الدكتور شاكر عبد الحميد، وتنطلق الباحثة في دراستها من هذه النظرية في تناولها للبني الدرامية في النص (الدرامي والمشهدي)، ونصوص الكاتب الراحل محفوظ عبد الرحمن أتاحت  للباحثة هذا التناول النقدي، حيث تقدم أكثر من وجه للتعامل مع الإبداع الدرامي التلفزيوني، وتحديدًا التاريخي، وتتيح الفرصة لتلمس الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية التي تنصهر في بوتقة النص الدرامي التلفزيوني لديه، وكيف تتضافر هذه الأنواع في نسيج جديد، ويؤسس لبناء درامي تنسجم فيه الكلمة مع الصورة، ويكتسبان معا حياة نابضة على شاشة العرض التلفزيوني، وتفتح المجال لإعادة قراءة التاريخ والتراث العربي بما يثري اللحظة الراهنة.
تميزت أعمال محفوظ عبد الرحمن بوضع عناوين فرعية للمشاهد، كما في مسلسل "سليمان الحلبي" بهدف تهيئة الذهن لأحداث النص الدرامي، من خلال العنوان الرئيس للعمل، وربطه بالعناوين الأخرى، وإنتاج دلالات تحفز المتلقي لمتابعة السرد الدرامي حتى النهاية.

ونجح محفوظ في أن يفتح أفق التوقع الدلالي عند المتلقي باستخدام اللقطات داخل النص المشهدي، وإن كانت لغة الصورة تعطي الأهمية والفاعلية، لما يأتي على يسار الكادر باعتباره الأقوى في الفعل الدرامي، بل كان في سليمان الحلبي محرك للأحداث، ومحور النص الدرامي.

وأشارت الدراسة إلى أن  التكثيف الزمني سمة واضحة في أعمال الكاتب الحريص على ربط الحدث التاريخي باللحظة الراهنة، فكان اختيار البناء الشكلي في نصوصه نتاجا لوعي الكاتب، ورؤيته لاستلهام التاريخ في نصوصه الدرامية، كذلك عمد محفوظ عبد الرحمن إلى تطوّر الشخصيات داخل المشاهد الدرامية، من خلال احتكاكها بمحاور الصراع الدرامي الذي يؤثر في الحتمية على أفكارها وأفعالها، ولا يهم إذا كان التطوّر إلى الأفضل أو الأسوأ، لأن السرد يتنامى وفق سياقاته التاريخية، ورؤية الكاتب التي تحلق في فضاء التخييل ومقاربة الأحداث المؤرخة، وحتى التي في مرمى التأويل.

وتلاحظ الدراسة أن عبد الرحمن ميز شخصياته (كما في عنترة وسليمان الحلبي) بالوعي والمعرفة، لذا يتولد الصراع بينها وبين الشخصيات ذات الطبائع المتعارضة معها، كما جعلها حاملة لصفات البطل الملحمي حتى وإن كانت نماذج بشرية عادية إلا أنه ميزها دراميا بامتلاك الوعي اللازم لمواجهة الخصم، وغالبا ما يكون الحاكم أو ممثل السلطة، ويمنح لكل منهما فريقا من الشخصيات ليكتمل النسيج النصي وتتضح دلالته، فهناك من يناصر البطل وهنالك من يتملق السلطة، وهكذا لا تصبح الشخصيات الدرامية لونا واحدا، بل تتحول إلى نماذج للكينونة ولأنماط السلوك، والبطل عند عبد الرحمن شخصية لا تسكن التاريخ بقدر ما تعيش الحاضر، ويقدمها متيحا الفرصة للمتلقي ليكتشف ذاته، كما يضيء دواخل الشخصيات بوضعها في مواجهة آخر يشاركها نفس محيطها، كما في مسلسل الخطر، حيث تتوجه شخصية الفتاة ريم إلى السلطة بخطاب ناقد، وبالمثل تخاطب الضمير الجمعي لينهض من غفوته، والعمل ككل يرفض أن تتعلق آمال الناس ببطل واحد مخلص، بل يريد أن  تحل صفاته في المجموع.

وقد عمد محفوظ عبد الرحمن إلى تطوير الشخصيات داخل المشاهد الدرامية، من خلال احتكاكها بمحاور الصراع الدرامي الذي يؤثر على أفكارها وأفعالها، فالسرد يتنامى وفق سياقاته التاريخية، ورؤية الكاتب، ويحتلّ الحوار مكانًا بالغ الأهمية في الخطاب الدرامي الذي يحمله النص. وترى الباحثة ان محفوظ عبد الرحمن عبر نصوصه، اهتم بالحوار بغية الوصول إلى المتلقي، سواء كان النص دراميًا للمسرح، أو للسينما أو التلفزيون، فالحوار قاسم مشترك بينها. وحوارات نصوص محفوظ عبدالرحمن تعتمد على مستويات عدة في إنتاج الدلالة المشهدية، وتتغيا أكثر من شكل لتجعل المتلقي في حالة انتباه  مستمر لما يحمله النص المشهدي أو الدرامي من دلالات.

المعاصرة توظيف التراث

تذهب الباحثة إلى أن أعمال محفوظ عبد الرحمن في لجوئها للتاريخ أكسبته بعدا إنسانيا يجعل الفترة التي يقدمها تنبض بالحياة، وليس كتلة محنطة، فأدخل الشخصيات في علاقات طبيعية يظهر فيها الضعف الإنساني، واستحدث توليفة حياتية تمنح النص روحا دون أن تخل بأحداث التاريخ، فمثلا سليمان الحلبي قتل كليبر وقدم من حلب لذلك، لكن محفوظ عبد الرحمن جعله باحثا عن المعرفة من خلال الارتحال والبحث عن الحقيقة، وقدمه كبطل مخلص وليس مجرما، وقد منحه ملامح تراثية تقترب من شخصية على الزيبق في مراوغاته للعدو، ومن السندباد في ترحاله.
وتذهب أيضا إلى أن القضايا التي عالجتها نصوص محفوظ عبد الرحمن، قضايا مترابطة تتعلق كلها بوجود الإنسان وبمصيره، ولا تنفصل عن اللحظة الآنية رغم اتخاذها لشكل تراثي، فهو وبالرغم من عوداته المتكررة إلى التاريخ وإلى التراث إلا أنه يجد في الفترات التاريخية المشكلة لأحداث نصوصه لحظات نابضة تاريخيا يقدم من خلالها مضمون قضيته الأسمى، وهي السعي نحو العدل والحرية، ويسعى من خلالها لاكتشاف القوانين الحاكمة لعلاقة الإنسان بالسلطات التي تحكمه بل وتشكل مصيره.