2018-10-04

في ذكرى القائدة الشيوعية فيليتسيا لانغر:

حقوق الانسان نابعة عن معركة الشعب الفلسطيني التحررية وليست اختزالا لها!

عصام مخول

من أجل ارتكاب جريمة حرب يفترض ان تتوفر ثلاثة شروط: توفر المجرم – وتوفر الضحية وتوفر ملايين الناس الذين ينظرون في الاتجاه المعاكس بعيداً عن موقع الجريمة... في فلسطين كانت هذه الشروط حاضرة بقوة بعد عدوان حزيران 1967 واحتلال اسرائيل لفلسطين كلها وإطلاق مشروعها التاريخي لإخضاع الشعب الفلسطيني كاملا ونهائيا وصولا الى صفقة القرن

في هذه الظروف ظهرت فيليتسيا لانغر في القدس لتواجه مجرمي الحرب.. وتعيش في ثنايا نضال شعب بطل يتحسس طريقه الى الحرية ويبني مقاومته للاحتلال من قلب عتم النكسة معلناً إصراره على تحقيق استقلاله الوطني..
كانت مهمة فيليتسيا الشيوعية اليهودية وخياراتها مركبة، في مركزها مهمة لفت أنظار الملايين في كل أنحاء العالم وشدّها الى حيث ترتكب الجريمة والى ما تشهده هي بـ"أم عينها".. 

خلقت فيليتسيا لانغر، المناضلة الأممية الكبيرة والقائدة الشيوعية - نموذجا كفاحيا ثوريا يتجاوز الانتماء الى حدوده القومية والدينية الضيقة، وجدلت مفهوما متميزا للتضامن الأممي ينتمي الى الموقف التقدمي والثوري العالمي، والى المعركة التحررية المجيدة للشعب الفلسطيني وحقوقه القومية العادلة.. من موقعها في قلب المجتمع الاسرائيلي المشبع بالشوفينية والعداء للشعب الفلسطيني والاستعلاء عليه في أعقاب حرب حزيران العدوانية عام 1967، انبرت المحامية الشابة فيليتسيا لانغر تمارس مفاهيمها الثورية الشيوعية من قلب القدس الغربية لتصبح عنوانا للمناضلين الفلسطينيين من مقاومي الاحتلال الاسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة وأسرى الحرية والمعتقلين الاداريين والمبعدين عن الوطن، وبلسما لمعاناتهم ولمعاناة عائلاتهم

وسرعان ما تحول مكتبها الى مدرسة تمرّس فيها وتخرّج منها عشرات المحامين الوطنيين التقدميين الذين ساروا على هذا الطريق وأصبحوا قوة أساسية في مجابهة الاحتلال. وكما أن معركة الشعب الفلسطيني الوطنية لم تعتمد على منح "دول مانحة"، فإن انخراط فيليتسيا في الدفاع عن المناضلين لم تعتمد على صناديق التمويل ولا على أَنجَزَة (NGOs) النضال.. كثيرون ممن يشيدون بفيليتسيا لانغر يركزون، بروح العصر، على أنها مناضلة عنيدة دفاعا عن حقوق الانسان الفلسطيني في المناطق المحتلة بشكل خاص.. وهذا صحيح ومثير للاعتزاز والتكريم.. لكن ما يميّز فيليتسيا لانغر– القائدة الشيوعية الاسرائيلية،  في دفاعها عن حقوق الانسان الفلسطيني – أنها لم تنظر الى حقوق الانسان الفرد بمعزل عن النضال من أجل حقوق الشعوب وحرياتها وقضاياها القومية العادلة، ولم تتعامل مع قضايا المناضلين الفلسطينيين بمعزل عن سياق هذا النضال التحرري.

وانطلقت من الاعتراف بحق الشعب الواقع تحت الاحتلال – وواجبه – في مقاومة الاحتلال،وحقه وفق الشرعية الدولية والقانون الدولي، في اختيار كل وسائل النضال المتاحة التي يرتئيها والتي تدفع قضيته التحررية الى الامام حتى إزالة كابوس الاحتلال..

فيليتسيا مجّدت حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال

رفضت لانغر جوهرياً أية مماثلة بين حق الشعب الواقع تحت الاحتلال في مقاومة المحتل، وبين ما يدعيه المحتل من مصداقية لاستعمال وسائل القمع والاضطهاد والتنكيل دفاعا عن أمن احتلاله

خلقت فيليتسيا مفهوما جديدا للدفاع عن المقاومين الفلسطينيين ضد الاحتلال ودولة الاحتلال، فأصبحت جزءا من المعركة السياسية منخرطة حتى النخاع في النضال لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وتحرر الشعب الفلسطيني

إن مشكلة المؤسسة الصهيونية الحقيقية مع فولا اليهودية، نابعة عن أن فيليتسيا تكره العدوانية الاسرائيلية، وتدين التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، وتعادي الاقتلاع والقمع والطرد من الوطن، والاحتلال الاسرائيلي والاستيطان والفاشية وتقاومها بالأدوات التي تتوفر لها، وتعتبر أن الصهيونية هي مصدر خطر حقيقي ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل على اليهود أيضا. وتعتبر أن تخليص الشعب الفلسطيني، من الاحتلال ومن الهيمنة الصهيونية هو الشرط المسبق لتخليص اليهود من هيمنة الفكر والممارسة الصهيونية العنصرية ايضا.

إن أهم أسلحة التضليل التي تحاول المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة اللجوء اليها، هو الخلط المقصود بين اليهود والصهيونية وإسرائيل واحتلالها.. ليتسنى لها الخلط بهدف الابتزاز السياسي، بين الحق الأخلاقي في رفض الصهيونية، وفي إدانة السياسة الاسرائيلية، وملاحقة جرائم النخب الحاكمة فيها، وبين "ظاهرة اللاسامية".. 

لذلك حولت المؤسسة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل فيليتسيا الى "عدو الشعب في اسرائيل" ورمزا "لخيانة" يهوديتها كما حرضت عليها..  ويسوق الصديق الكاتب والصحفي البارز المقيم في لندن الياس نصر الله، والذي عمل الى جانبها في مكتبها في القدس، تفاصيل خطيرة لما كانت تتعرض له لانغر في محيطها الاسرائيلي، ضمّنها في كتابه الرائع: "شهادات على القرن الفلسطيني الاول" ما يلي

"أذكر في أحد الايام، وكان يوم جمعة، أن لانغر عادت الى بيتها في رمات غان من زيارة للمعتقلات الفلسطينيات في سجن النساء في نفيه ترتسا، فاتصلت بي في المكتب (مكتبها)، لمعرفة ما إذا كان أي جديد. بعد دقائق معدودة عادت الى الاتصال بي مرة أخرى مستنجدة، وبان من طريقة كلامها أنها في حالة رعب شديد. إذ كانت وحدها في البيت فسمعت قرعا على الباب، ففتحته وصدمت عندما مدت لها يد غليظة دُست بها من الباب المشقوق باقة ورد أزهارها سوداء، فصرخت وسدت الباب بسرعة، ولاحظت وجود قصاصة ورق مع باقة الازهار السوداء، كتبت فيها عبارة: "مع تحيات طي.إن.طي".. وهي الآحرف الاولى من الاسم العبري لمنظمة טרור נגד טרור أي إرهاب ضد الارهاب.. وهو تنظيم شكله متطرفون يهود بعد حرب 1967، فألقت بباقة الورد في المدخل خشية أن يكون بداخلها ما يؤذيها.... قبل أن تهدأ لانغر من هول الصدمة سمعت همهمة غير عادية في الشارع خارج بيتها فأزاحت الستار ووقع نظرها على مشهد رهيب. كان في الخارج جمهور كبير من اليهود المتعصبين يتظاهرون وهم يرتدون ثيابا سوداء في ما يشبه الجنازة، وحملوا نعشا مطليا باللون الاسود، كتب عليه بخط عريض اسم "فيليتسيا لانغر"...

إن ما قدمته فيليتسيا لانغر لم يقتصر على الانخراط حتى النخاع في الدفاع عن المقاومين الفلسطينيين للاحتلال والدفاع عن الارض الفلسطينية والحق الفلسطيني، وانما ساهمت في تدوين وتوثيق معركة الشعب الفلسطيني اليومية التي شهدتها وكانت شاهدا عليها بـ"أم عينها"، ودونت ووثقت بطولات المقاومين الفلسطينيين فصار "أولئك إخوانها" وأبطالها الشخصيين.. وصارت ذاكرتها ومذكرتها أرشيفا وطنيا فلسطينيا مجيدا وثّق بطولات المقاومين الفلسطينيين وتجاربهم الكفاحية العينية المتراكمة في مقاومة الاحتلال وداخل زنازينه، وجعلت منها جزءا مركزيا من التراث الثوري والانساني التقدمي العالمي.

فيليتسيا لانغر وإن رحلت، فقد كانت وما زالت حيّةً فينا، أنشودة على ألسنة أجيال من المناضلين الفلسطينيين، وكوكبا مضيئا في سماء فلسطين وفي وجدان أجيال من التقدميين في المجتمع الاسرائيلي وفي ضمير الشعوب المكافحة على امتداد العالم، لم تكن فيليتسيا محاميةً أمميةً بارعةً ومتحدية للظلم فقط، وانما كانت قبل كل شيء قائدة ثورية أممية مرموقة وبارزة في قيادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.. على شاكلتهما ومثالهما.