2018-09-26

الدولة العربية المعاصرة

د. فؤاد خطيب

الدولة العربية القديمة سقطت عندما انتهت مع خروجنا من الأندلس عام 1492 بعد أن استفحل التكفير العربي هناك، وقسّم دولة الاندلس الراقية الى دويلات صغيرة حكمها ملوك الطوائف الضعفاء وباعوها بثمن بخس وهربوا الى صحراء العدم.

مع نهاية دولة الاندلس استفحل التكفير وحرقت كتب ابن رشد في ساحات قرطبة العامة وطرد منها شر طردة.  بعد الأندلس الدولة دخلنا الدولة الجديدة بدءا من المغول وحتى الصهاينة.

في مرحلة استقلال الدول العربية دخلنا تحت هيمنة الدولة البرجوازية الوطنية الكمبرادورية (أي البورجوازية التي تتحالف مع رأس المال الأجنبي تحقيقا لمصالحها وللاستيلاء على السوق الوطنية) في ظل بقاء هيمنة الاستعمار من الخارج وهيمنة الثقافة الدينية ليس بشكلها الفكري بل بصيغها المتخلفة في الداخل الموروثة التي تمجد المورث الماضي المُقدس.

التفتنا منذ حينها الى الوراء الى ذاك العالم الأصولي القديم الذي غرر بنا وأسكت عقولنا التى كفت عن الفكر العلماني التقدمي وفشلت في فصل الشريعة عن الحكمة اي الدين عن الدولة العصية التي ندفع ثمن بقائها دماً وعرقاً وارضا ً وكرامة وطنية وقومية. الدولة البرجوازية الضعيفة التي لم تدخل الثورة الصناعية الحقيقية بنت لنا أطرا واصلاحات سياسية واجتماعية ولكنها ابقتنا في اقتصادنا أتباعا ضعفاء مرغمين في كنف علاقات الرأسمالية والتبعية المطلقة للرأسمالية ومنها الى الامبريالية المعلومة المعاصرة التي سلبتنا ثرواتنا وأرضنا وكرامتنا القومية.

الدولة العربية لم تفلح في خلق الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة وخلق الدولة العلمية كما حصل في أوروبا عام 1848 الذي يدعى هناك وبحق ربيع الشعوب خلافا للربيع العربي الكاذب بعد أن قضت الشعوب هناك على الممالك والأحكام الاستبدادية وخلقت البرلمانات والجمهوريات الديمقراطية التي تواصل تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والمعيشي الى يومنا هذا. عندنا لم تفلح الديمقراطية بل العكس هو الصحيح تنامت أوصال الدولة الاستبدادية بكل صورها من الجمهورية حتى الممالك المتخلفة التي من المفروض ان تكون خارج التاريخ في هذه الفترة المتقدمة من تاريخ الامم

في ثقافتنا تأصل الفكر الرجعي والفكر اللاهوتي الديني الرجعي وزاد العداء للفكر العقلاني والمادي التاريخي وغدونا نسير رغما عن أنفنا في مسار معاكس تماما لمادية التاريخ وجدليته. أي هربنا الى دواخلنا وعلقنا كل موبقاتنا وعجزنا على شماعة السلف الصالح الذي نعبده ونعود الى سيرته وأخلاقه وفعله وثقافته مُتناسين كل ما اكتسبته الدنيا من تقدم وعلم واختراعات غيرت صورة ومسيرة ووجه العالم طيلة 1500 عام .

لهذا كله وجدنا حالنا خارج اطار الدول المتطورة مَسلوبي الارادة نعتمد بالأساس على الدولة الامبريالية التي تسرق فكرنا وتقدمنا وتسرق ثرواتنا وحتى تراثنا حتى وجدنا نفسنا الآن في خضم صراع وجودي كبير نعم نكون أو لا نكون. علينا أن نقر ونعترف الآن وفي خضم الاحداث الرهيبة التي تدور في عالمنا العربي كله ان ميراث التخلف التي تحمله الأمة اليوم في معظمها ونحن نسير من ارض العالم القديم الى العالم الجديد اي الدولة المعاصرة هو موروث نعم موروث كلون عيوننا بعد ان وصل حتى الى صبغاتنا الوراثية كلها

بغياب الفكر التقدمي القومي نحن واقعون وسنبقى الى ما شاء الله تحث سطوة هذا الارث السلب الكبير الذي يشدنا اليه الى الوراء آلاف السنين مع كل ظواهره اللاعقلانية والرجعية التي وَلدت الدمار في نفوسنا وفي بلادنا وقد اصبحنا ندفع الثمن باهظا من كرامتنا الوطنية والقومية وحتى الشخصية .

مشهدنا العربي العام الآن سلبي بمجمله وخائر وضعيف بعد أصبحنا عالة على العالم المتقدم لا نصنع خبزنا ولا سلاحنا وجعلنا تحت امرته وسطوته وجشعه في سلبنا كرامتنا وسلبنا ارضنا وثرواتنا وتدمير حضارتنا العربية – الاسلامية التي تُعد الأم للحضارة الغربية بعد ان وصلتهم عن طريق الاندلس وطورها الاستشراق الماضي والحالي ليس محبة للعرب بل للبحث عن كنوز العرب وكيفية الطريق اليها وسرقتها منا بوقاحة منقطعة الضمير لم تعرفها البشرية من قبل. شعوبنا العربية الحالية هي فريسة التخلف والتكفير الديني المُتخلف ومن ثم فريسة الامبريالية المعولمة والصهيونية العالمية.

لن نخرج من هذا المستنقع الآسن إلا بتجفيفه وإنهاء وجوده وهذا ليس وظيفة الدولة البرجوازية العاجزة أصلا فقط، بل هو مسؤولية كل فرد عربي وخصوصا المثقفين الغائبين عن المشهد العربي الحالي بخوفهم أو اجترائهم أفعال الدين السياسي التكفيري السائد او غيابهم في أبراجهم العالية يسبحون في نعمة البترودولار القذر الذي استعمل ومنذ أن وجد ضد العرب ومصالح العرب.