2018-09-18

قصيدة:

أرى ما أرى! (2)

أيلول – 2018

* خليل توما

متلفعا بغمامة سوداء يجذبني الرصيفْ،

هجرت مفاتنَها الشوارعُ واختفى العشاقُ

وانكسرت قوارير الضياءْ،

والريح: مأفون تجرأ ناثرا رمل الصحارى

في الأزقة والعيونْ،

عادت لنا الصحراءْ،

حدقت في هذي السماءْ،

جرداء ما من نجمة ترنو ومن قمرٍ

وعلا العواء،

في قمة الليل البهيم علا العواءْ،

ذئب هنا- ذئب هناكَ

وفي الدهاليز الخفية أوغلت في غيّها

زمر الثعالب والضباعْ،

هوذا الجراد محلقا قضم المشارف والوهاد

والقادمون على ظهور الغيمِ

في حزن المسافات البعيدةْ،

يتوشحون دماءهمْ،

ويسائلون الرعد عن وعدٍ وعن مطر الشتاءْ،

صمت وثرثرة على أطرافهِ

وكأننا كنا هنا من قبلُ

جئنا مرة في أول الليل الطويلِ

فأغلقت أبوابها مدنٌ

ولم تحفل بمقدمنا المنصات العريقةُ

وانتظرنا في رصيف الأولياءْ

لم نُبقِ من فَرْضٍ ولا ترنيمةٍ

يا سيدي افتح نوافذ رحمتكْ

أشعل لنا نارا إذا نهش الصقيع عظامنا

أطعم من الجوع اللئيم صغارنا

وهب الشباب عزيمة لا تنثني

وكرامة لا تنحني، وهب البنادق والبيارقْ

وهب القلوب سكينة الفجر الأكيدْ

طالت حبال السجنِ

لا برقٌ على جبلٍ ولا نارٌ على شط بعيدْ

لم يأت بعد قطارنا

حملته أجنحة الملائك مرةً

وهوى إلى الوديان وانحطم الرجاءْ

ها نحن ثانية نحدق في جدار الأشقياء

من أين نشعل شمعنا في الليلة الظلماءِ، إذ حان المسيرْ

كل القناديل التي كانت تلألئ نورها انطفأت،

وتفرق الحراس لا حصنا ولا جسرا…. وناموا

لي موقد أرخي على شطآنه وجع الليالي

قارئا في نورهِ ما تكتب الكف الخفية في الظلالِ:

جفت ينابيعٌ… وما جف السرابْ!!!!!

ما بين أوصال مقطعةٍ، وحمى، وخرابْ

ستعود أسواق النخاسة من جديدْ

فهراوة الشيطان في الأفق المدمى،

وتبدد النبعُ القديمُ

ونجمة ضاءت مفازتَكم طويلا

ثم ضاعت في ضباب الحالمين.

* شاعر فلسطيني مناضل