2018-09-22

بدون مؤاخذة - السعودية و"فصعة" القرن

جميل السلحوت

تواتر في الأنباء أنّ المملكة السّعودية قرّرت عدم السّماح لمن يحملون جواز السّفر الأردني دون رقم وطني "المؤقّت"، بدخول أراضي المملكة لآداء العمرة، كما أنّه لن يسمح للاجئين الفلسطينيّين في مخيّمات لبنان من حملة "وثيقة السفر" بدخول الأراضي السّعوديّة، ويسمح لمن يحمل منهم جواز سفر لبنانيّ بالدّخول.

ولمن لا يعرف من العربان من المقصودون بجواز السّفر الأردنيّ المؤقت، فإنّهم المقدسيّون الفلسطينيّون الذين يعضّون على تراب الوطن بالنّواجذ، ويشكّلون درعا للمسجد الأقصى، المقترن بالكعبة المشرّفة والمسجد النّبويّ الشّريف، ويجري تدنيسه بشكل شبه يوميّ، وما يوم هدمه أو تقسيمه ببعيد، يضاف إليهم فلسطينيّو الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة ممّن لا يحملون جواز السّفر الفلسطينيّ.

فهل هذا القرار السّعوديّ قرار بريء لتنظيم عمليّة زيارة الحرمين الشّريفين، أو حفاظا على أمن البلد، أم هناك ما هو أدهى وأكثر مرارة؟ وهل يشكّل فلسطينيّو الأراضي المحتلة وجوهرتها القدس التي باع العربان شرفها، ولاجئو لبنان خطرا حقيقيّا على أمن السّعوديّة؟ أم أنّ هناك سياسات وأجندات أجنبيّة تستهدف الفلسطينيّين وقضيّتهم وتقوم السّعوديّة بتنفيذها؟

ولتبيان الحقيقة الكامنة دعونا نستذكر بعض الحقائق، ففي أيّار –مايو-2017 جنّدت المملكة السّعوديّة قادة العالمين العربي والاسلامي لاستقبال الرّئيس الأمريكي رونالد ترامب في الرّياض، في محاولة منها أن تثبت لأمريكا أنّها القاعدة الأمريكيّة الرّئيسيّة في المنطقة، وليس إمارة قطر التي توجد فيها أكبر قاعدة عسكريّة أمريكيّة خارج الأراضي الأمريكيّة!

وفي محاولة من القيادة السّعوديّة لاسترضاء أمريكا وطمأنتها في نقل الملكيّة من أبناء عبد العزيز آل سعود لجيل الأحفاد، وضمان ذلك للأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز الذي لمع نجمه أثناء زيارة ترامب، فقد قدّمت السّعوديّة طائعة راضية ما قيمته 470 مليار دولار لأمريكا، يتبعها صفقات وعقود غاليّتها عقود أسلحة تزيد على ترليون دولار. وكان قد سبق وصول ترامب للرّئاسة الأمريكيّة وفي 25 مارس 2015 بداية حرب ما يسمّى بالتّحالف العربيّ بقيادة السّعوديّة بالوكالة على اليمن، والتي كلّفت الخزينة السّعودية مليارات الدّولارات، للحفاظ على المصالح الاسرائيليّة والأمريكيّة في المنطقة، وخصوصا في قضيّة مدخل البحر الأحمر "مضيق باب المندب"، ولمن يعتقد أنّ الحرب تستهدف الوجود الايراني في اليمن الذي يضمنه الحوثيّون، فللتّذكير فقط فإنّ العائلة الملكيّة التي حكمت اليمن حتّى العام 1962، وآخرهم الإمام البدر بن يحيى حميد الدّين، فإنّها من الحوثيّين، وأنّ الإمام البدر كان متزوّجا من إحدى بنات الملك عبد العزيز آل سعود، وقد حاربت السعوديّة الانقلابيّين في اليمن برئاسة المشير عبدالله السّلال، وحاربت التّدخل المصري في اليمن آنذاك دفاعا عن الملكيّة وعن الحوثيّين، كما أنّ الرّئيس اليمنيّ السابق المغدور علي عبدالله صالح، الذي حكم اليمن 20 عاما حوثيّ أيضا، وكانت تربطه علاقات جيّدة مع السّعوديّة وغيرها.

وسبق ذلك أيضا التّمهيد لتنفيذ المشروع الأمريكيّ "الشّرق الأوسط الجديد"لإعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، لتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعيّ. الذي بدأ التمهيد له بتدمير العراق واحتلاله وقتل وتشريد شعبه وهدم دولته في مارس 2003، وتبع ذلك حرب اسرائيل على لبنان في حزيران 2006، للقضاء على حزب الله اللبناني، حيث أعلنت كونداليزا رايس وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة يومذاك من وسط بيروت "الآن بدأ تنفيذ مشروع "الشّرق الأوسط الجديد"، لكنّ صمود حزب الله خيّب آمالها. وبعدها تمّ شنّ أكثر من حرب على قطاع غزّة للقضاء على المقاومة فيه.

وتبع ذلك "ما سمّي بالرّبيع العربيّ"، فجرى اسقاط نظام معمّر القذّافي في ليبيا، واشعال نار الفتنة في ذلك البلد، بتمويل خليجيّ تتزعمّه قطر، وبتحالف مع بعض القوى المتأسلمة التي أفرزت داعش وأخواتها، كما جرى اسقاط نظام حكم حسني مبارك في مصر بعد أن انتهت صلاحيّاته، وتمّ استبداله بجياد جديدة، لينتقل الارهاب والتّخريب إلى سوريّا.

علاقة ما يجري بالقضيّة الفلسطينيّة

لكن الرّئيس الأمريكي ترامب لم يكتف بالأموال التي اقتنصها من السّعوديّة، فقد جنّد ما يسمّى بالتّحالف العربيّ في الحرب على اليمن، من أجل تطبيع العلاقات مع اسرائيل التي تواصل احتلالها لأراضي الدّولة الفلسطينيّة، حتّى وصل التّطبيع إلى تحالفات أمنيّة وعسكريّة من أجل محاربة ايران، والحفاظ على المصالح الاسرائيليّة، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعيّ، ومنع الشّعب الفلسطينيّ من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة. وبدأت أمريكا بتطبيق ما يسمّى "فصعة القرن"، فجاء اعتراف الإدارة الأمريكيّة في 6 ديسمبر 2017 بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل السّفارة الأمريكيّة إليها، ممّا يعني حسم قضية القدس لصالح اسرائيل، أو كما قال ترامب"انزال القدس عن طاولة المفاوضات"، وتوالت الضّغوط بقطع المساعدات الماليّة الأمريكيّة عن السّلطة الفلسطينيّة، وعن مستشفيات القدس، واغلاق مكتب منظمة التّحرير في واشنطن، وعن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيّين لتصفيتها، وتصفيّة حقوق اللاجئين الفلسطينيّين ومنها حقّ العودة إلى ديارهم وأملاكهم التي شُرّدوا منها.

قانون القوميّة الاسرائيلي

ويبدو أنّ العربان لم يقرأوا جيّدا قانون "القوميّة" الذي أقرّه الكنيست"البرلمان الاسرائيلي" مؤخّرا، والذي ينصّ على أنّ "أرض اسرائيل" هي الوطن القومي لليهود أينما وجدوا، وهذا يعني أن لا حقوق للفلسطينيّين الذين يعيشون في ديارهم منذ آلاف السّنين، وهذا تمهيد لطردهم من ديارهم.

المقدسيّون الفلسطينيّون

ولتذكير العربان فقط، فإنّ القانون الاسرائيلي المطبّق على الفلسطينيّين المقدسيين منذ وقوع المدينة تحت الاحتلال في حرب حزيران 1967، يعتبرهم "مقيمين حتّى حصولهم على جنسيّة دولة أخرى". وهم يتعرّضون إلى تطهير عرقي صامت.

جواز السّفر الأردني ووثيقة السّفر اللبنانيّة

يحمل المقدسيّون الفلسطينيّون جواز السّفر الأردنيّ المؤقت، بإرادة ملكيّة لتسهيل مرورهم إلى الأردن، ومنها إلى دول أخرى للعمل أو لطلب العلم أو لزيارة الأقارب في الشّتات أو غير ذلك، وهذا ينطبق أيضا على فلسطينيّين آخرين لا يحملون جواز السّفر الفلسطينيّ من أبناء الأراضي المحتلّة.

أمّا وثيقة السّفر اللبنانيّة التي تمنح للاجئين الفلسطينيّين في لبنان، فهي أيضا لتسهيل تنقّلهم لأسبابهم الخاصّة إلى دول أخرى.

القرار السّعوديّ

ولا يمكن تبرير وفهم القرار السّعوديّ بخصوص حاملي جوازات السّفر الأردنيّة المؤقّتة، أو وثيقة السّفر اللبنانيّة بعيدا عن "فصعة القرن". هذه "الفصعة" التي لن تقتصر خوازيقها على فلسطين وشعبها، بل ستتعدّاها إلى شعوب ودول المنطقة برمّتها، فعدم قبول وثيقة السّفر اللبنانيّة تحمل في طيّاتها دعوة لتوطين اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، وبالتّالي حصولهم على الجنسيّة اللبنانيّة، وشطب حقّ العودة لهم.

أمّا بخصوص عدم قبول الجواز الأردنيّ المؤقّت، فهذا يعني الضّغط على الأردن وعلى الفلسطينيّين، كي يقبلوا استبدالها بجواز السّفر الأردني مع رقم وطنيّ، أيّ أنّ من يحملون الجنسيّة الأردنيّة هم مواطنون أردنيّون، ولهم الحقّ في العيش والتملّك في الأردن، وهذا ما لا يمكن قبوله فلسطينيّا أو أردنيّا، لأنّه يعني ببساطة ترخيصا لاسرائيل بطرد حملة جوازات السّفر المؤقّتة إلى "وطنهم الأردنّ" لتبقى القدس ومناطق “c” حسب اتفاقات أوسلو سيّئة الذّكر نهبا للاستيطان اليهوديّ والأسرلة.

فهل يدرك أصحاب القرار في السّعوديّة خطورة وعواقب قرارهم؟ أم أنّهم شركاء في تنفيذ "فصعة القرن" التي سيكون فيها العربان مجرّد "حطابين وسقّائين"؟