2018-09-18

الأقصى صدع رأس السيد سامي الديب

سعيد مضية

تجتذب استطلاعات الرأي مختلف المصالح للتأثير في نتائجها لأغراض الدعاية؛ والأجهزة السرية أنشط المبادرين للتأثير في الاستطلاعات لتغليب سياساتها. وفي الاستطلاع الذي طرحه السيد سامي الديب حول "صداع" الأقصى نجد بصمات الأجهزة الاستخبارية في العديد من الأجوبة المبتذلة والسفيهة، المستفزة لمشاعر المؤمنين.

للسيد سامي الديب مطلق الحرية في طرح آرائه بصدد الأديان وممارسات المتدينين، لكنه غيرمخول بطرح الأقصى للمزاد. وانا لا أكتب في الموضوع من منطلق ديني؛ فالأقصى وكل ذرة تراب في فلسطين مقدسة وعزيزة على قلب كل إنسان شريف في فلسطين. والأقصى قبل كل شيء معلم قومي فلسطيني، وحين بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بديلا للكعبة، كان يدرك أن الأقصى هو الموقع الذي يصدق المؤمنون انه المكان الذي أسرى إليه رسولهم. ونظرا لقصر الفاصل الزمني عن موعد النبوة فإن التشكيك في علاقة الأقصى بمسرى النبي، والذي يراد له الشيوع في الوقت الراهن لم يكن كذلك حين شيد الأقصى. ولولا ثقة الأموي برسوخ المعتقد الشعبي لشيد الجامع في موقع آخر.

مسرى الرسول لا يخضع لمنطق العقل ، كما يفيد السيد سامي الديب وكتاب آخرون، وكذلك فإن نزول الرب من عليائه كي يقطع الأرض لإبراهيم ونسله أبعد عن المنطق والمعقول. تلك هي الديانات ولا يجوز إخضاعها لمنطق العقل؛ فهي قناعات تعبر عن منسوب ثقافي وينبغي أن تحترم. وحين نشكك، في قدسية الأقصى فمن الأجدى التشكيك، بل الجزم، في موقع الهيكل، علما بأن البحث عن الهيكل شرعت به اللجنة البريطانية المختصة عام 1867، أي قبل أكثر من قرن ونصف القرن دون أن يعثر على أثر له. وفي العام 1838، رسم كاتروود، وهو من المسيحيين الأصوليين، خارطة فلسطين، وأطلق على الموقع اسم"جبل الهيكل" وجرى منذ ذلك الحين تداول التسمية، بحيث غدت جزءا من الثقافة الشعبية في أقطار الغرب لا أساس عقلانيا لها.

ليس في التوراة ولا في القرآن ولا في الإنجيل ما يشير إلى أن احداث التوراة وقعت بالفضاء الفلسطيني. وهناك باحثون أثريون مسيحيون ويهود قطعوا باليقين عدم قيام دولة داوود وسليمان على أرض فلسطين، وان التوراة ليس كتابا في التاريخ.

لو كان الصراع الفلسطيني يدور فقط حول الأقصى لبررنا للسيد سامي الديب مسعاه للتخلص من مصدر "الصداع"؛ ولكن إسرائيل اغتصبت وتغتصب الأراضي من أصحابها العرب منذ اليوم الأول لقيامها. وفي القرار العنصري المتخذ في الكنيست جرى النص على أن الاستيطان قيمة عليا سوف تتواصل ، بمعنى ان الفلسطينيين سوف يكونون غرباء في وطنهم خلال بضع سنوات. وحتى لو نجح مخطط نتنياهو بإجلاء الفلسطينيين شرقي النهر لن تسكت الصهيونية عن بقاء فلسطينيين في جوارها يذكرون العالم بجريمة العصر. وحيث شاركت إسرائيل بدور رئيس في التحريض على غزو العراق وامدت فرق التخريب في سوريا بكل صنوف المعونات، فإنها لن تترك الأردن بجمهوره الفلسطيني بسلام، وباعها طويل في حبك المكائد، وإثارة النعرات. الصهيونية لا تضع في الحسبان التصالح مع شعوب المنطقة.

الفاشيون الإسرائيليون هم أول من نادى بتقسيم ساحة الأقصى، ودأبهم أن يضعوا لهم موطئ قدم ثم يتوسعون. وفي تقارير المخابرات الغربية أن الحركة الصهيونية وضعت نصب عينيها الفوز بقرار التقسيم عام 1947، ثم تتصرف لترسم الحدود حسب قدراتها العسكرية. ومرارا صرح بن غوريون ان على الأجيال للاحقة إكمال مشروع الاستحواذ على فلسطين بكاملها.

وأصدر المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابيه، صاحب كتاب التطهير العرقي في فلسطين.. أصدر مؤلفا جديدا وصف عدوان حزيران بأنه بداية مخطط صهيوني لاستكمال تهجير شعب فلسطين من وطنه.

وحيث أن الحرب انتهت في بضعة أيام فقد عهد الى الاحتلال مهمة إنجاز المرحلة الثانية من التطهير العرقي. فالاقتراح الذي يدعو له السيد سامي الديب ليس جديدا وليس "حلا وسطا"، ولن يكون فصل المقال في القضية الفلسطينية. 

يجدر بالسيد سامي الديب، وهو الباحث المدقق، أن يراعي هذه الحيثيات وغيرها كثير حين يعالج ما يعتبره"صداع" الأقصى.