2018-08-25

عن قانون القومية الاسرائيلي: بين التشريع والشرعية

* الأسير/ أمير مخول

قانون القومية الحالي ليس بأشد خطرا على الجماهير العربية الفلسطينية من "وثيقة كينغ" المشهورة في صلب مخطط تهودي الجليل، والتي سبقت يوم الأرض 1976.

إن يوم الارض لايزال برأيي الحدث الأكبر أثرا والأكثر مفصليّة بعد نكبة العام 1948، وهو كما النكبة حدث متواصل في طبيعته وليس ابن لحظته فحسب.

فقد أسس يوم الأرض لمعركة مفتوحة على مستوى الجماهير، كما وردع سياسة تهويد الجليل، وضرب العديد من ركائزها وبالذات المصادرات ونهب الأراضي العربية وأفكار التهجير "الذكي"  المبطن. ليشكل أحد الدروس الهامة ومفاده أن تطبيق التشريع العنصري على الأرض ممكن فقط بقدر ما تتراخى هذه الجماهير أمامه، وهو غير ممكن بفضل صلابتها الكفاحية.

قانونهم وفرصتنا

شرّع الكنيست الإسرائيلي (18.7.2018) قانون القومية ليغدو قانونًا رسميّاً أساسيًّا. وقد يبدو تشريعه للوهلة الاولى، انتصارا صهيونيا مدويّا كما اعتبره رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، أو كما قال النائب من حزبه آفي ديختر  والذي بادر للقانون حين كان عضوا في حزب كاديما "الوَسَطي" موجهاً كلامه المتعجرف والمتحدي الى النواب العرب وجماهيرهم: "إننا هنا قبلكم ولن تكونوا بعدنا" وعلى الاقل لم يربط نهاية التاريخ بحضرته ولا بحضوره.

وإذ يبدو هذا انتصارا "للقبيلة" بين ذاتها وفي أعين ذواتها، لكن وعلى المستوى الاستراتيجي فإن اسرائيل قد سدّدت لذاتها ضربة ليست ببسيطة في هكذا تشريع، بحيث يضع على المحك شرعيتها هي ذاتها والتي تآكلت في نظر أوساط ليست بقليلة في المجتمع الدولي بما فيه الاتحاد الاوروبي، تآكلت كديموقراطية وتعزّزت كعصبيّة عدوانية حتى تجاه ربع مواطني الدولة.

وقد يكون تشريع قانون القومية ممكنا وسهل التحقيق فقط في عصر دونالد ترامب وما يمثله من عدوانية لا ترى قيمة الاّ بالقوة والسطوة وإرهاب الدولة العظمى. أو في المخططات الامريكية-الاسرائيلية المكشوفة والساعية الى تصفية قضية فلسطين حتى بأدوات عربية اقليمية ، وربط المصالح العليا للمنظومة العربية الحاكمة باسرائيل، ليدفع الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري ثمن ذلك.

وها نحن بصدد دولة تتصرف وكأن لها غريزة تحركها، أو أنها دولة تسير حسب غريزة حكامها الاكثر شراسة وعنصرية.

إن القوانين لا تخلق واقعا عنصريا بقدر ما تعبّر عنه وتثبته. أو تعبّر عما هو موجود كواقع وما هو قائم في عمق الدولة وكيانها. وهذا الواقع ليس من صَنع القانون بل أن القانون جاء ليبرّره، حتى وإن كانت هذه القوانين لا تعبّر عن رأي كل المجموعة المهيمنة، وحتى لو عارضته أوساط فيها.

من الممكن أن ننظر الى قانون القومية كحلقة من معركة مفتوحة. فمنذ العام 1948 تكاد الجماهير العربية الفلسطينية أن تكون لم تحصل على حق أو إنجاز الاّ بقدر ما ناضلت من أجله ودفعت ثمنه. وخلال العقود السبعة ذاتها يكاد لا يشرع الكنيست قانونا عنصريا، الاّ وكان الواقع الاسرائيلي أكثر عنصرية من النص ومن سطوة القانون القهري بحد ذاته

إسرائيل أكثر عنصرية من قوانينها بما فيها قانون القومية. وهو أحد أذرع العنصرية البنيوية الممأسسة في عمق الدولة وأسسها التي قامت عليها. فالمنظومة القانونية الاسرائيلية أشبه بالأذرع الأخطبوطية التكاملية، وأدوات الحكم أشبه بالشبكة المحكمة التي لا مفر منها.

لقد جرى عمليا وعلى ارض الواقع تطبيق قانون القومية والعمل بروحه قبل تشريعه، بل ومنذ قيام الدولة ولغاية اليوم. ولو عدنا الى الجذور والى الفكر الصهيوني، فإن الحركة الصهيونية و"الييشوف" اليهودي في فلسطين قبل 1948، اعتبروا بأن الشعب العربي الفلسطيني- أهل البلاد وغالبية سكانها العظمى- بأنهم أقليات على الهامش المستقبلي للييشوف ( البيت القومي اليهودي). وبهذه الخلفية فإن قانون القومية الحالي استعماري بامتياز نصّا وروحا.

ولو أمعنّا النظر في المنظومة الأخطبوطيّة المذكورة، فإن من أبرز أدوات هذه اللعبة ما يُطلق عليها "المؤسسات القومية أي الوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت)، وكيرن هييسود والهستدروت الصهيونية العالمية، وهي مؤسسات أقامت الدولة وبقيت مُلكًا لليهود في العالم كما تنصّ دساتيرها، وهي بعلاقة تعاقدية بنيويّة مع اسرائيل- الدولة اليهودية ودولة اليهود سواء أكانوا مواطنيها أم من غير مواطنيها في أنحاء العالم، حيث يوفّر لهم قانون المواطنة والعودة جوهر الامتيازات على حساب أهل البلاد الفلسطينيين العرب الباقيين فيها أم اللاجئين قسرًا.

وتشكل المؤسسات المذكورة، ويضاف اليها المجالس الاقليمية ودائرة أراضي اسرائيل التي لهم الغالبية فيها، المنظومة المسؤولة عن السياسات الاسكانية والسكانية على أساس قومي.

وعلى أرض الواقع فإن امكانيات السكن العربي في بلدات يهودية معدومة في الغالب، واذا حصل مثل هذا السكن فإنه بفعل قوّة التحدي والقوة الاقتصادية والسياسية للعرب او احتياجات سوق العمل أو بفعل التراجع العنصري الاضطراري أمام المدّ السكاني للعرب الفلسطينيين. كذا الأمر مثلا في مستعمرات نتسيريت عيليت وكرميئل ومعلوت التي أقيمت جميعها في العقد الأول للدولة وضمن مشاريع احتلال الأرض وتهويد المكان وتغيير الطابع السكاني، وهي من حيث الأهداف والتطبيق لا تختلف عن اي مستعمرة استيطانية في الضفة الغربية وبالذات المدن مثل اريئيل ومعالي أدوميم.

أما الكيبوتس والموشاب والبلدات التعاونية والبلدات الجماهيرية حيث تقف "لجان القبول" بالمرصاد لكل معني أو معنيّة بالسكن فيها، فهي مُوصدة بالكامل في وجه المواطنين العرب. وهي مقامة بالكامل على "أراضي الدولة"، وهذه تتشكّل من الاراضي الفلسطينية العامّة قبل 1948 والأراضي الخاصة المصادرة والفردية والجماعية للاجئين والمهجرين وبلداتهم وكذلك ما صودر من أملاد خاصة عام (48) ولاحقًا والأوقاف الاسلامية بالكامل.

وهذه حقيقة مهمة وهي كونها مقامة على اراضي دولة أي على حساب الصالح العام الجماعي للمواطنين. وهذا اختلاف جذري وجوهري عن البلدات العربية المقامة بالأساس على أراضي سكانها الفردية والجماعية قبل قيام الدولة التي نهبت الكثير من أراضيهم

وفي حين أن قانون القومية يتيح لكل مجموعة قومية أن تبني بلداتها بطابعها، لكن ما  جرى منذ 1948 هو بناء أكثر من 700 بلدة ومدينة ومستوطنة اسرائيلية داخل "الخط الأخضر، بينما الدولة ليس فقط أنها لم تبنِ أيه بلدة عربية بل منعت بالقوة اقامة أية بلدة وحتى أنّها قلصت عدد البلدات العربية التي بقيت قائمة بعد العام 1948 ( 531 قرية وبلدة ومدينة هُدمت وشُرِّد أهلها مع اقامة اسرائيل) فقد هدمت عشرات القرى في النقب وحده وجمّعت سكانها في معازل ضمن سبع بلدات في ظروف قاهرة. وهناك حالات أخرى كما هي قرية "رمية" التي ابتلعتها مستعمرة كرمئيل بحجّة بناء أحياء جديدة للمهاجرين الروس في التسيعنيات. وكذا أم الحيران والعراقيب التي تهدم للمرة المائة والثلاثين ويعيد اهلها بناءها.

إن السعي للمساواة بين الحالتين والوضعيّتين وتأكيد "حق" كل مجموعة بالعيش المنفرد هو مسعى مغرض لتبرير العنصرية والتظاهر بالمساواة والنديّة لتعزيز التمييز.
لقد استخدمت الاغلبية القومية في الكنيست سطوة الأغلبية التشريعية أو دكتاتوريتها في سن قانون القومية. وهذا قانون دستوري ومن شأن قانون أو دستور أن يجري التعامل معه عالميا بالتوافق والحوار، وليس باستخدام القوة الاعتباطية السافرة للدولة في معاداة المجموعة القومية المستضعفة والتي تشكل 25% من سكانها. فإن شأن هذا القانون أن يضبط العلاقة بين المجموعتين القوميتين في ذات البلد ومن خلال استخدام عنف وسطوة الدولة التي تنتمي لمجموعة واحدة وليس للمواطنين على أساس المساوة الفردية وليس للمجموعتين على السواء.

هل حسم القانون الوضع؟

ليس مفروغا منه أن يكون من السهل على إسرائيل إعمال هذا القانون وتغيير الواقع الحالي، إلا إذا كانت الجماهير العربية ضعيفة، وهي ليست كذلك، بل أنها جماهير منظّمة طوعًا ولها مرجعية جامعة هي لجنة المتابعة العليا، وهذا الجمهور قويّ سياسيّا واقتصاديا واعلاميا ومُنتج ثقافيا ومتماسك اجتماعيا وكفاحيا. وفي العقود الثلاثة الاخيرة يتزايد حضوره على حلبة القضية الفلسطينية وعلى الحلبة الدولية.

كما أن الطريق الكفاحي لهذه الجماهير هو طريق مجرّب وضامن للانجازات ولمواجهة التحديات ويوفر حماية شعبية للناس. وهو قابل للتطور وللتحديث والتواصل باستمرار. وهذه القابلية تؤكد مدى متانة قاعدته.

وفي مقارنة وعلى عجالة وعلى أرض الواقع، فإن قانون القومية الحالي ليس بأشد خطرا على الجماهير العربية الفلسطينية من "وثيقة كينغ" المشهورة في صلب مخطط تهودي الجليل، والتي سبقت يوم الأرض 1976.

إن يوم الارض لايزال برأيي الحدث الأكبر أثرا والأكثر مفصليّة بعد نكبة العام 1948، وهو كما النكبة حدث متواصل في طبيعته وليس ابن لحظته فحسب. فقد أسس يوم الأرض لمعركة مفتوحة على مستوى الجماهير المنظم، كما وردع سياسة تهويد الجليل، وضرب العديد من ركائزها وبالذات المصادرات ونهب الأراضي العربية وأفكار التهجير "الذكي"  المبطن. ليشكل أحد الدروس الهامة ومفاده أن تطبيق التشريع العنصري على الأرض ممكن فقط بقدر ما تتراخى هذه الجماهير أمامه، وهو غير ممكن بفضل صلابتها الكفاحية.

وفي المقابل فقد حدّدها نتانياهو بوصفها حربًا مفتوحة مع أعدائه العرب الفلسطينيين مواطني اسرائيل أي فلسطيني 48. والحرب المفتوحة بطبيعتها هي حرب غير قابلة للحسم في المدى المنظور ولا تتوقّف عند معركة واحدة. بل حتى في هذه المعركة لم ينتصر نتانياهو على عدوّه بل قد يكون انتصر تكتيكيّا على خصومه شركائه في الائتلاف الحكومي أو معارضيه، لكنه لم ينتصر على الشعب الفلسطيني أو أي جزء منه، حتى وإن أطلق صرخته الهستيرية لكن الرهيبة بقوله: "إنها لحطة فارقة، هذه هي دولتنا دولة اليهود وهذه هي لغتنا وهذا هو نشيدنا الوطني وهذا هو علمنا..

عاشت دولة اسرائيل". مع التأكيد أن رئيس الحكومة ليس رئيس التشريع بل رئيس السلطة التنفيذية التي غدت مفترسة بالمفهوم السياسي، وقد فقد السيطرة على شره السلطة من ناحية وعلى غريزته العنصرية التي يسعى الى تحويلها الى قيمة عليا للدولة وبالذات على جمهور ناخبيه.

آليات رقابة وحماية دولية ثابته

إن الرّد على التشريع الساعي الى نزع شرعيّة الوجود العربي الفلسطيني ولغته وروايته يجدر أن يمسّ في شرعيّة المشرِّع والطعن في سيادته القسريّة والقهرية.

اضافة الى النضال الشعبي والصمود الذي يبقى الاساس في كل معركة، فإن البُعد الدولي له قوته ايضا لو أجدنا استخدامها. وإنني على قناعة بأن لدى الجماهير العربية التجربة المتراكمة في هذا المضمار. وهذا البعد هو فوق سيادة الدولة وطغيان قانون القومية ومجمل المنظومة العنصرية في اسرائيل.

إن طرح الموضوع على جدول أعمال المفوضيّة السامية لحقوق الانسان ومجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة من خلال التعاون والاستفادة من نفوذ ممثلية فلسطين الدائمة لدى الأمم المتحدة ومن المجموعة العربية وبالتعاون مع منظمات دولية والسعي الى تجنيد دعم من أطراف في الاتحاد الأوروبي، هو أمر ممكن أكثر من السابق، لأنه مُبرّر بسبب القانون ذاته.

كما ومن شأن لجنة حماية المدافعين عن حقوق الانسان أن تناقش الموضوع. وأن يكون المسعى هو بلورة آلية مستحدثة لحماية الضحايا وللرقابة الثابته على إسرائيل وتقديم تقارير سنوية في انتهاكاتها وهذا مبرر بالمفهوم الدولي لأن الدولة في اسرائيل قد كشفت عن عنفها السافر الممأسس والعنصري وسطوة الأغلبية وتعزيز النظام العنصري الرسمي بفضل قانون القومية.

* سجن "الجلبوع"- كتبت في الشهر الماضي تموز/ يوليو 2018