2018-08-25

حنا مينة

د. حسن مدن

في كلمة الغلاف الخلفي لإحدى رواياته التي صدرت في ثمانينات القرن الماضي، لعلها «الياطر»، كتب الراحل د. سهيل إدريس، الروائي هو الآخر، ومؤسس وصاحب دار «الآداب» التي كانت تنشر روايات حنا مينه، وعلى هيئة تساؤل، ما مفاده: لماذا تخطئ جائزة نوبل للآداب مبدعاً كبيراً مثل حنا مينه؟

كان إدريس مأخوذاً بتلك الرواية، التي كان أول من اطّلع عليها، بصفته ناشراً لها، وبمجمل روايات حنا مينه، وهذا ما حمله على طرح ذلك السؤال المليء لا بالإعجاب وحده، وإنما بالحرقة أيضاً، لأن يرى أن أدب حنا مينه يجعله أهلاً لنيل جائزة دولية كبرى مثل «نوبل».

أما حنا مينه نفسه، فقد رحل عن الدنيا راضياً، غير متبرم من شيء. بل إنه يرى بأنه نال من التقدير والاحتفاء ما يكفي، لذلك ناشد محبيه في وصيته بألا تقام له حفلات تأبين، «فالذي سيقال بعد موتي سمعته في حياتي».  

وبدا في السنوات الأخيرة كما لو أنه ضجر من الحياة التي عاشها مديداً، ولعل مصدر هذا الضجر آتٍ من شعوره بأنه، وقد تقدم به العمر، لم يعد قادراً على المزيد من العطاء، وأنه آن أوان رحيله، بعد أن قدّم من الإبداع ما قدّم.

ولعل حرصه على أن يستمر في الكتابة أطول ما يمكن هو سبب أن رواياته المتأخرة جاءت أقل وهجاً من رواياته الأولى، هو الذي بدأ الكتابة الروائية عندما بلغ الأربعين على نحو ما قال في وصيته، وفي جعبته تجربة حياتية ثرية، هو الذي عارك الشقاء حتى انتصر عليه، وفي جعبته أيضاً عدة ثقافية وفكرية عميقة، وهو الذي تلقى خبراته الأولى، ولما يزل شاباً، في صفوف الحركة الوطنية والتقدمية في سوريا.

ويغادر حنا مينه الدنيا راضياً، ليس لأنه غالب الشقاء وهزمه فحسب، وليس فقط لأنه ما نال من التكريم ما يكفي، وإنما أساساً، لأن كل ما فعله في حياته هو «أداء واجبي، والقول له، تجاه وطني وشعبي، وقد كرّست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته».

لم يعد ممكناً، ليس اليوم فقط، وإنما قبل ذلك بعقود، كتابة تاريخ الرواية العربية دون الوقوف أمام التجربة الروائية الرحبة لحنا مينه، ومثلما لا يمكننا تخيل تاريخنا الروائي دون تراث نجيب محفوظ، لا يمكننا تخيله أيضاً دون تراث حنا مينه، بمصابيحه الزرق، وشراعه وعاصفته، وياطره، وحكاية بحّاره، وأبنوسته البيضاء، وثلجه الذي يأتي من النافذة، ونهاية رجله الشجاع، وشمسه في يوم غائم، وبقايا صوره.

ولا يمكن لنا معرفة سوريا العظيمة دون أن نقرأ تطواف حنا مينه في بحرها وبرها وغاباتها، دون سير الرجال والنساء الذين سبر أغوارهم، فنقلهم من هامش الحياة إلى قلب الرواية.