2018-08-19

تشومسكي ودافيد جيبس، حديث حول: ترامب، الناتو، الحرب الباردة، فيتنام، الأسلحة النووية، تدمير البيئة

ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم: يعود تاريخ هذا النقاش، إلى يوم 2 شباط/فبراير 2017 في إطار جلسة نقاش مفتوحة، انعقدت بجامعة أريزونا أمام عموم الجمهور. لذلك، فالشكر للسيد مارفين واترستون لأنه رتب حيثيات لقاء من هذا القبيل، ثم إلى البروفيسور نعوم تشومسكي – أحد أكبر مثقفي العالم - نظرا لموافقته على جعله لقاء في متناول الجميع.

* دافيد جيبس: السؤال الجوهري الماثل داخل فكر كل واحد منا يركز على بداية عهد دونالد ترامب كرئيس. لقد أكد تقرير علماء الذرة على الخطر الشديد الذي يمثله ترامب، جراء تنامي خطر حرب نووية وكذا تغير مناخي غير قابل للسيطرة. بعد أن رنّ مجازيا ناقوس التقرير فقد توقف من جديد عند دقيقتين ونصف قبل منتصف الليل، وتعني “منتصف الليل” الكارثة. هل أنتم متفقون مع التقرير فيما يتعلق بالمخاطر المحتملة جراء انتخاب دونالد ترامب؟

* نعوم تشو مسكي: أحد المخاطر مؤكدة.من بين تهديدين وجوديين- تلك المتعلقة بالنهاية الحتمية للنوع وكذا باقي مختلف الأنواع – أولها،التغير المناخي، وحول هذا الموضوع لا أرى وجود أرضية للنقاش. لقد أبدى ترامب ميوعة فيما يتعلق بأشياء كثيرة. يحضر من خلال موقع تويتر،على كل الجبهات،لكن مقابل السياق الأول، تظل أيضا أشياء كثيرة منيعة جدا. أقصد: عدم المبادرة إلى أي فعل ملموس بخصوص التغير المناخي، ماعدا مزيدا من الإساءة إليه. ولا يتكلم ترامب فقط عن نفسه بل باسم كل الحزب الجمهوري، وخلفه جل القيادة. هذا يضمر ضمنيا مفعول الصدمة، وستكون أسوأ صدمة.

سنتكلم ثانية عن هذا الأمر خلال الأسبوع المقبل، عموما إن وُجدت وسيلة للتملص من ذلك، فلن يكون المسلك سهلا. أما بخصوص الأسلحة النووية، فيصعب بالأحرى وضع الأصبع على شيء محدد، بحيث تطرق ترامب إلى قضايا عدة. وكما أشرتم، فخبراء الأمن القومي مرعوبين، تفزعهم شخصيته، أكثر من قراراته. هكذا، إذا كنتم تقرؤون كتابات أشخاص مثل “بروس جي بلير”، أحد الموجِّهين المتخصصين الأكثر رزانة، والموثِّق جدا،بحيث قال، تأملوا تصريحات ترامب، هي تشمل كل الخريطة، لكن شخصيته تبعث على الخوف، رجل مصاب تماما بجنون العظمة، ويصعب أن نحدس طبيعة ردة فعله. حينما علم بإمكانية خسارته الانتخابات بنسبة ثلاثة ملايين صوت تقريبا، فقد أبان فورا عن موقف يعكس تصرفا جنونيا، وكما تعلمون، ثلاثة إلى خمسة مليون مهاجر بكيفية غير قانونية، نظموا أنفسهم تقريبا على نحو لا يصدق إن صح القول من أجل التصويت. يصعب مطلقا توقعه، حتى ولو ارتبط التأويل بأبسط حدث،على سبيل التمثيل مسابقة ملكة جمال الكون وأشياء من هذا القبيل، فإنك تجده سابحا هناك بين النجوم. بدوره، يُعتبر مرشده ”ستيف كيفن بانون” سيئا، ومخيفا أكثر. لكنه يعرف على الأرجح ما يريد القيام به.

*دافيد جيبس: مع مرور السنوات، تواترت حالة بعد الأخرى حيث ينبغي اتخاذ قرارات حساسة جدا، وإن اقتضى الأمر إطلاق أسلحة نووية في حالات جادة. فما الذي سيبادر للقيام به هذا الصنف من البشر إذا فشلت القدرات التفاوضية المتبجح بها، ورفض شخص معين تطبيق وجهة نظره؟ هل يكون جوابه لحظتها، طيب، لنقذفه بالسلاح النووي؟ قبل استطرادنا؟ تذكرون، أنه مع كل حرب نووية حاسمة، تنتِج الضربة الأولى اجتثاثا للبلد المهاجِم، ندرك هذه الحقيقة منذ سنوات عديدة. من الراجح جدا، أن تحدث الضربة الأولى الصادرة عن دولة عظيمة، ما نسميه شتاء نوويا، يؤدي إلى مجاعة شاملة ثم يضمحل كل شيء تماما.بعض الباقين الناجين ربما سيقبعون هنا أو هناك.

* نعوم تشومسكي: يمكن تأويل بعض تعليقات ترامب باعتبارها تضمر إمكانية المجازفة بحرب نووية. حاليا، وعلى وجه التحديد، ينصب التهديد الأساسي، على الحدود الروسية. انتبهوا ليست المكسيكية بل الروسية،والمسألة خطيرة. لقد أدلى بتصريحات مختلفة تتجه وفق منحى تخفيض التوترات،وتجيب على الانشغالات الروسية... إلخ.

من جهة ثانية، يلزم موازنة هذا مع انتشار قواتنا النووية، ثم يضاف ذلك إلى حالة التراجع التي يعيشها جيشنا مثلما يزعمون، بيد أنه الأقوى أصلا مقارنة مع باقي كل العالم ، يهاجم في سوريا، وإرسال قوات إلى هذا البلد،ثم الشروع في القصف.

من بوسعه الاطلاع على الخطوة المقبلة؟ موقف “مايكل فلاين”، مستشارنا للأمن القومي، وردة فعله خلال ذلك اليوم، على التجربة الصاروخية الإيرانية، كان مفزعا جدا. حاليا التجربة الصاروخية، ليست حكيمة كثيرا، ولا ينبغي لهم القيام بها. تمثل الجملة الأخيرة، محور حديثه، فليس المهم بالنسبة إليه انتهاك القانون الدولي أو الاتفاقيات الأممية، فقط لا ينبغي لإيران القيام بجنس الفعل. ربما أوحى موقفه بأننا سنخوض حربا انتقامية.هل ستبادر الإدارة الأمريكية إلى ذلك؟ إن حدث حقا، يصعب علينا ضمان التبعات. كل شيء قابل للانفجار.

نستحضر بهذا الصدد كذلك، الحظر المعتوه ضد سبع دول، بحيث يمنع فتح حدودنا لأي مهاجر قادم منها.  يقف تقريبا كل قارئ للوضع على بداهة مايلي: إقرار كهذا من شأنه فقط مضاعفة التهديد بالهلع، خيار يوطد أساس الرعب، وسياق يشبه كليا فظاعات معتقلات أبوغريب، بغرام، غوانتنامو. كما تجسد ضمنيا تقنيات الاستقطاب الأكثر روعة بالنسبة إلى تنظيمي القاعدة وداعش. يعلم الجميع ذلك. حاليا لا نطبق الحظر على كل العالم الإسلامي، بل سبع دول لم تتأكد مسؤوليتها عن أي عمل إرهابي. نعم، منعت البلدان السبعة، ثم تركنا المسؤولين الفعليين، مثل العربية السعودية، التي تجسد بؤرة للتبشير بالجهادية الإسلامية الراديكالية وتمويلها...إلخ، لكن يصعب علينا المساس بها نتيجة المصالح المالية والبترول... إلخ.

صدرت مؤخرا مقالة بين صفحات مجلة واشنطن بوست، لا أعلم إن كانت تهكما أم لا، حينما تحدثت عن المعيار الذي يسمح لك بالاندراج ضمن لائحة الدول المحظورة، والمتمثل في انعدام مصالح تجارية لدى ترامب. ربما، كان التقييم سليما، لكن ما يثير مخاوفي حقا، هذا النوع من الجنون المتوحش اللامتوقع والمتعجرف والنزق، أكثر من تصريحاته. راهنا، وبخصوص التغير المناخي، لا مجال للتعليق، فقد كان صريحا مطلقا.

* دافيد جيبس: لننتقل إلى دور وسائل الإعلام وهي تبلِّغ عن فرضية التدخل الروسي في المسار الانتخابي بالولايات المتحدة الأمريكية. صحافيون يحظون بوضع اعتباري وصفوا ترامب بكونه ألعوبة في يد روسيا،ويمثل نسخة معاصرة عن مرشح ينتمي إلى شعب المانشو.بينما انتقد البعض الثاني الإعلام لكونه استساغ أخبارا غير يقينية تتعلق بالتأثير الروسي، والتعامل معها كوقائع. مثلا أعلن “نورمون سولومون” و”سيرج حاليمي”، بأن الصحافة من خلال اهتمامها بهذه القضية تعود إلى هستيريا الحشد،التي تذكرنا بحقبة جوزيف ريموند مكارثي، في حين وصف “سيمون إيرش” هذا التركيز الإعلامي على روسيا ب”المخزي”. فما رأيكم بهذا الخصوص؟

* نعوم تشومسكي: أتصور ببساطة أن قسما كبيرا من العالم يتلوّى من الضحك. لنفترض أنها اتهامات صحيحة.أصغي لكل واحدة منها، فأجدها كثيرا غير محترفة حسب معايير الولايات المتحدة الأمريكية بحيث يصعب التماهي معها ضحكا. إن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، لا يختلف في شيء عن طبيعة الوصف الذي كتبته عن واقع إيطاليا سنة 1948. حالة تلو الأخرى كما يجري عندنا، عدم قرصنة أو بث إشاعات في الإعلام، بل القول، انظروا، سنذهب غاية تجويعكم حد الموت أو قتلكم أو تحطيمكم إذا لم تصوتوا كما نريد. أود القول،هذا ما نقوم به.

لنستعيد أحداث 11 سبتمبر 2011 الشهيرة، كي نعيد التفكير فيها لدقيقة.لقد جسدت عملا إرهابيا بشعا جدا، وكان في وسعها الإتيان بما هو أفظع. لنفترض حاليا، عوض أن تسقط تلك الطائرة فوق بنسيلفانيا، بلغت هدفها فعلا، الذي استهدف على الأرجح البيت الأبيض. ثم افترضوا كذلك، انتهاء العملية بمقتل الرئيس، وتخيلوا معي الخطط الممكن تصورها بالنسبة لانقلاب عسكري قصد الأخذ بزمام السلطة، فأدت العملية إلى مقتل خمسين ألف شخص وتعذيب سبعين ألف آخر.غير أن الأبشع من هجومات 11 سبتمبر، إحضار جماعة اقتصاديين إلى أفغانستان، أُطلق عليهم لقب”شباب قندهار ”فدمروا الاقتصاد سريعا وأرسوا دعائم ديكتاتورية خربت البلد.

أيضا جرت وقائع 11شتنبر 2011، قبل هذا التاريخ، في تشيلي يوم 11شتنبر 1973 (الإطاحة بالرئيس سلفادور أليندي). نعم، فعلنا ذلك. هل تدخلنا أم عملنا على قرصنة حزب؟ هو تقرير يشمل العالم برمته، إطاحة دائمة بالحكومات، الاجتياح، ثم إرغام الأفراد كي يمتثلوا لما نصفه بالديمقراطية، كما الشأن مع الحالات التي أوردتُها. وكما أقول، إذا كان كل اتهام صحيحا- التدخل الروسي في انتخاب ترامب- فالأمر مدعاة للسخرية، وأني على يقين بأن نصف ساكنة العالم تمعن في الضحك جراء هذا الموضوع. لأن من يعيش خارج الولايات المتحدة الأمريكية يدرك ذلك. بالتالي، لسنا في حاجة كي نشرح إلى شعب تشيلي الموضوع الأول المتعلق بـ 9/11.

* دافيد جيبس: إحدى مفاجآت حقبة مابعد الحرب الباردة، استمرار معاهدة منظمة حلف شمال الأطلسي وكذا تحالفات أخرى تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، تأسست مبدئيا خلال فترة الحرب الباردة أو استثناء من أجل احتواء التهديد السوفياتي القائم.سنة 1990-1991، اختفى الاتحاد السوفياتي من الخريطة، لكن أنظمة التحالف ضد السوفيات استمرت بل توسعت. لذلك كيف نفسر هذا الصمود لحلف الشمال الأطلسي وكذا تمدده؟ ما هو رأيكم حول موضوع الحلف الأطلسي بعد الحرب الباردة؟.

* نعوم تشومسكي: لدينا مجرد أجوبة رسمية عن هذا الموضوع. لذلك، أعتبره سؤالا وجيها جدا، حيث قصدت الحديث عنه بيد أن الوقت لم يكن يسمح. إذن، شكرا.

استفسارك في غاية الأهمية. فخلال خمسين سنة، سمعنا بأن حلف الأطلسي ضروري من أجل إنقاذ أوروبا الغربية ضد الحشود الروسية، تعرفون الدولة المستعبدَةِ، وهي قضية تطرقتُ إليها. لم نشاهد حشودا سنة 1990-1991.

طيب، ما الذي حدث؟ لقد تجلت رؤى حقيقية بخصوص ممكنات النظام المستقبلي. واحدة طرحها غورباتشوف وسماه النظام الأمني الأوروبي- الآسيوي، دون مجموعات عسكرية. بحيث أطلق عليه تسمية رجل أوروبي مشترك. لاتكتلات عسكرية، ولا حلف وارسو أو الناتو، مع سلط مركزية موزعة بين بروكسيل، وموسكو، وأنقرة، وربما فلاديفوستوك، وأمكنة أخرى. إذن، نظام أمني دون نزاعات.

أما الرؤية الثانية، فقد أتى بها جورج بوش الأب، كـ”رجل دولة” مع وزير خارجيته جيمس بيكر. ظهرت بالمناسبة معطيات عديدة حول هذا الموضوع. ونكتشف حقا أشياء عدة بخصوص ما وقع، مادامت الوثائق صارت متاحة. لقد وافق غورباتشوف كي تتوحد ألمانيا، بل وانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، مما شكَّل تنازلا كبيرا، لو أن حلف الناتو لم يمتد إلى ألمانيا الشرقية.

في هذا الإطار، قدم بوش وبيكر وعدا شفويا، حاسما، بعدم تحرك حلف شمال الأطلسي ولو مساحة ”قدم واحدة نحو الشرق”أي ألمانيا الشرقية. لم يصرح أي شخص بأكثر من هذا خلال تلك الحقبة. لن يتحركوا خطوة نحو الشرق. حاليا، توضح بأنه كان وعدا شفويا، لم يوثَّق قط. هكذا، لم يتردد الناتو كي يتوسع نحو ألمانيا الشرقية، فأظهر غورباتشوف شعوره بالتذمر، بيد أن جوابهم له استند على المبرر التالي: استمعوا، لم ندوِّن أي شيء على الورق.

طبعا، لم يصرحوا في وجهه بكلام من هذا القبيل، لكن ضمنيا جاء المحتوى مؤكدا لصيغة تقريرية: انظروا،هي مشكلتكم إن كنتم غبيّا بما يكفي، كي تثق في وعد شرف معنا.إذن، امتد حلف الأطلسي كي يشمل ألمانيا الشرقية. أحيلكم على عمل مهم جدا،إن أردتم الاطلاع عليه، أنجزه مثقف شاب من تكساس يدعى”جوشو شيفرينسون”، نشرته جريدة ”الأمن الدولي”،إحدى المنابر المرموقة الصادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لقد تفحص باهتمام كبير الملف التوثيقي،مستنتجا على نحو مقنع جدا بأن بوش وبيكر تعمدا خداع غورباتشوف.

لقد انقسم المثقفون بخصوص هذا الموضوع،ربما ببساطة لم يكونوا واضحين أو شيئا آخر؟. لكن إذا قرأتم هذه المقاربة، أعتقد بأنها تبلور حالة مقنعة جدا، تكشف على أن الأمور رتبت عمدا من أجل تضليل غورباتشوف. حسنا، شمل الناتو برلين الغربية وألمانيا الشرقية. وفي عهد كلينتون، امتد الحلف أكثر كي يضم مواقع روسية قديمة.

سنة 2008، اقترح رسميا على أوكرانيا الالتحاق بصفوفه. غريب. لأن الأخيرة، تعتبر مركزا جيو- سياسيا للاهتمام الروسي، بجانب عوامل الأواصر التاريخية، والساكنة، إلخ. يتموقع مباشرة عند لبنات بدايات كل ذلك، رجال دولة مهمين وأصحاب شأن، أشخاص مثل “جورج كينان”، على سبيل الذكر. لكن في الجهة الأخرى، نجد آخرين حذروا من امتداد الناتو جهة شرق أوروبا، لأن من شأن ذلك إحداث كارثة. بحيث يماثل، إمكانية وصول حلف وارسو الحدود المكسيكية، طبعا وضع غير مقبول.

إذن لقد حذر أشخاص يتمتعون بالاحترام من التمادي بهذا الخصوص، لكن أصحاب القرارات السياسية لم يهتموا أبدا برأيهم،ثم واصلوا تعنتهم. بل في هذه اللحظة نفسها، أين نتواجد؟ بالتأكيد، تحديدا عند الحدود الروسية، وقد بادر الطرفان إلى الإقدام على أفعال استفزازية،وأقاما قوات عسكرية. كما أن وحدات الناتو تجري مناورات على امتداد مئات الأمتار من الحدود الروسية،مثلما أن قذائف روسيا تدوّي إلى جوار القذائف الأمريكية، بالتالي أقل شرارة ربما أدت إلى إشعال الوضع، هل استوعبتم ذلك.خلال دقيقة واحدة، قد ينفجر أي طارئ فورا.

الطرفان بصدد تحديث وكذا تطوير أنظمتهم العسكرية، وضمن ذلك طبعا منظومتهم النووية.إذن، ماهو هدف الناتو؟ حقيقة، لدينا جوابا رسميا. لم يتم تداوله كثيرا،لكن تقريبا منذ سنتين، أعلن رسميا الأمين العام للحلف، موضحا بأن مشروع الناتو بعد الحرب الباردة، اتجه نحو السيطرة على مجموع أنظمة الطاقة، وخطوط الأنابيب، ثم الطرق البحرية. مما يعني، الناتو نظام شمولي وبالتأكيد لم يصرح بذلك، إنه قوة للتدخل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما تابعنا ذلك وفق حالات متتالية.

تلك هوية الناتو. فماذا عن سنوات تحصين أوروبا ضد الحشود الروسية؟ يمكنكم العودة إلى التقرير السري رقم 68 لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وتتأكدون إلى أي حد تعتبر المسألة جدية. بالتالي، نعيش في إطار هذا الخضم. تحديدا راهنا، الذي يهدد وجودنا شرذمة الإرهابيين المسلمين المنتسبين للدول السبعة، والذين لم يرتكبوا قطعا أبسط سلوك إرهابي. تقريبا نصف الساكنة تعتقد ذلك.

أريد القول، حينما ننظر خلفنا إلى التاريخ والثقافة الأمريكيتين، فالأمر مؤثر بشكل قوي. ظلت الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأوفر أمنا في العالم، ثم خلال ذات الآن أكثرها ذعرا. شعورا شكَّل جانب كبير منه مصدرا لثقافة السلاح. يلزمك امتلاك سلاح حين الذهاب إلى ستاربكس (شركة مقاهي أمريكية)، فلا أحد يضمن العواقب.

ببساطة، أمر من هذا النوع لاتعرفه بلدان أخرى.هناك شيء ترسخ جذريا في الثقافة الأمريكية، يمكننا بقوة التحقق من هويته،حين تصفحنا التاريخ. تذكروا، بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تمتلك سلطة كليانية، سوى حديثا نسبيا، جراء توسع داخلي.ينبغي لنا الدفاع عن أنفسنا ضد ما اشتُهر بإعلان الاستقلال، ذلك أن شخصا فذا مثل توماس جفرسون، قَلَبَ تلك التسمية إلى الاعتداءات على: ”الهنود المتوحشين بدون رحمة”حيث تتمثل الوسيلة المعروفة خلال القيام بالحرب في التعذيب وكذا الإبادة.

لم يكن جفرسون أبلها، بل يدرك بأنهم كانوا إنجليزيين همجيين،يقومون بتلك الممارسات دون رأفة. إذن بمناسبة الإعلان عن الاستقلال، الذي ينشد بورع كل يوم 4 يوليوز، يُراد إفهامنا أن الهنود المتوحشين من هاجمونا بغير مبرر، وباغتونا بغارات دون أي سبب. أريد القول، بوسعكم تخيل البواعث، إنها واحدة. كانت لدينا أيضا ساكنة من العبيد، يلزمنا حماية أنفسنا اتجاهها، بالتالي نحن في حاجة إلى أسلحة. إحدى نتائج هذا الأمر انعكست على ثقافة أهل الجنوب، بحيث صار امتلاك السلاح هناك دليلا على الرجولة، ليس فقط بسبب العبيد لكن أيضا أصحاب البشرة البيضاء.

إذا توفرتم على سلاح لا يمكن لأي السعي نحو الاعتداء عليكم. تعلمون، أنا لست من الأصناف التي يمكنكم صفعها.كان هناك أيضا عنصرا ثانيا،مهمّا جدا. فترة أواسط نهاية القرن التاسع عشرة، توضح لصانعي الأسلحة أن سوقهم محدودة. تذكروا بأنه مجتمع رأسمالي، ويجدر بأصحابه توسيع سوقهم. لقد باعوا أسلحة إلى الجيش. كان سوقا محدودا نسبيا. فماذا بخصوص بقية الأفراد؟ إذن، تجلى المنطلق بناء على مختلف أنواع الحكايات الخرافية المرتكزة حول شخصية ”وايت إيرب” وكذا قطاع الطرق المسلحين ثم الغرب الأمريكي القديم، فكم كان مثيرا رؤية هؤلاء الفتيان يحملون بنادق ويدافعون عن أنفسهم ضد كل شيء!. لقد ترعرعت وسط تلك الأجواء وأنا صبي.

دأبت وأصدقائي على ممارسة عادة لعبة رعاة البقر والهنود. بحيث أدينا أدوار رعاة بقر يطاردون الهنود، وفق آثار حكايات الغرب الأمريكي. امتزج مختلف ذلك بثقافة غريبة جدا، مرعبة. تابعوا استطلاعات الرأي الحالية، أعتقد بأن نصف الساكنة يتمسكون بسياسة الحظر الصادرة في حق مهاجرين أشرارا يأتون عندنا، ويقترفون، لا أعرف ماذا؟ لكن بين طيات ذلك، لم تتم الإشارة إلى البلدان الإرهابية حقا.

أظن بأن هذا يشبه، ما حصل في أوكلاهوما وهي تمنع قانون الشريعة. حاليا يعيش تقريبا خمسون مسلما في تلك الولاية، وينبغي لهم حظر قانون الشريعة. هل بوسعكم تمثل ذلك؟. هذا الرعب المهيمن على مجموع البلد يتم التحريض عليه باستمرار.

لقد حظي الروس بجزء من التقرير السري رقم 68 لمجلس الأمن القومي الأمريكي، مما شكِّل حالة درامية. هذا المعطى، كما الحال مع قسم كبير من البروباغنذا، لم يكن بالمطلق ملفَّقا. طبعا الروس يقومون بأفعال قذرة، يسهل إفرازها.

لكن جوهر الفكرة، مستندين على ماسماه ”هانس مورغينتو”بـ”اغتصاب الحقيقة” فقد كانت لائحة العالم تقريبا نقيضا لما تم تقديمه.لكن بكيفية ما، يتكرر باستمرار تسويق ذلك،على الأقل في إطار هذا النوع من الوضعيات.

* دافيد جيبس: خلال حقبة الحرب الباردة، عارض اليسار السياسي إجمالا التدخل العسكري. بعد 1991، تراجعت هذه الحركة المعارضة كي تحل محلها فكرة التدخل الإنساني، التي تحتفي بالتدخل كدفاع عن حقوق الإنسان. تحركات عسكرية في البلقان والعراق وليبيا، جميعها بُرِّرت باعتبارها تدخلات إنسانية تستهدف تخليص شعوب مقهورة، وقد حظيت بشعبية على الأقل لدى السياسيين الليبراليين. اقتراحات من أجل رفع مستوى التدخل الأمريكي في سوريا، تستند غالبا على المبدأ الإنساني. فما هو تقييمكم بهذا الخصوص؟

* نعوم تشومسكي: طيب، أنا لا أنظر إلى الأمور حسب هذا المنوال.حاليا، إذا تأملنا ثانية تلك الحركات المناهضة للتدخلات سابقا، فمن تكون؟ لنستحضر قضية فيتنام، موضوع أكبر جريمة منذ الحرب العالمية الثانية. بعض الحاضرين معنا داخل القاعة الذين بلغوا آنذاك سنا متقدما نسبيا سيتذكرون بالتأكيد حيثيات ماوقع خلال تلك الفترة.

هكذا، لم يكن في مقدورنا الاعتراض على الحرب طيلة سنوات. تحمس المثقفون الليبراليون المسيطرون على المشهد، من أجل دعم الحرب. في بوسطن، مدينة ليبرالية حيث كنت أعيش، لم يكن في وسعنا القيام بتظاهرات عمومية، دون أن يتم تكسيرها بقوة، مع هيمنة صحافة ليبرالية تصفق إلى غاية فترة متأخرة من سنة1966. لحظتها، كان مئات آلاف الجنود الأمريكيين مندفعين بحنق فوق أراضي فيتنام الجنوبية.منطقة أبيدت بالفعل. المؤرخ العسكري ”بيرنار فال”، المرجعية ومؤرخ فيتنام الأكثر تقديرا، أقر عدم تأكده، إن كان في وسع ذلك البلد الصمود ككيان تاريخي وثقافي تعرض للهجوم الأكثر ضخامة، لم تكابده أبدا أي منطقة أخرى يقارب حجمها حجم فيتنام.تحدث بكيفية عرضية عن فيتنام الجنوبية.

خلال تلك اللحظة بدأت تخرج بعض التظاهرات، لكن ليس من طرف المثقفين الليبراليين، لأنهم لم يعارضوا قط تلك الحرب. بالفعل قمة المأساوية بلوغنا سنة 1975،لحظة موحية جدا، فقد وضعت الحرب أوزارها، وتحتم على الجميع كتابة شيء ما حول الحرب، ثم دلالتها. لدينا كذلك استقراءات تتعلق بالرأي العام، مختلفة تمثيليا.إذن عندما نتأمل كتابات المثقفين، نجدها ذات صنفين. أحدها يقول: ”انظروا، لو أننا حاربنا بقوة أكثر، كان في وسعنا الانتصار”. تعرفون دلالة، طعنة الخنجر في الظهر. بينما لدى آخرين، انتموا إلى صف اليسار، وشخصيات ك”أنطوني ليفيس”، من نيويورك تايمز، ذات الحضور القوي عند تيار اليسار، أقول تمثل تصور الرجل سنة 1975، في أن حرب فيتنام بدأت بمجهودات حمقاء من أجل استتباب الأفضل.

لكن بحلول سنة 1969، تبين جليا أنها كارثة، وباهضة الثمن بالنسبة إلينا. فلا يمكننا نشر الديمقراطية داخل فيتنام، بتكلفة يكون في مقدورنا تحمل أعبائها. كانت، بالتالي حربا كارثية. هكذا جاء تصور أقصى اليسار. ألقوا نظرة خاطفة على معطيات الرأي العام خلال السنوات التالية. فما يناهز70% من الساكنة، أفصحت عبر بيانات استطلاعات الرأي، بأن الحرب لم تكن مجرد خطأ بل أساسا شريرة ولا أخلاقية. استمر هذا الموقف مدة طويلة قياسا لزمن الإحصائيات التي أجريت بداية سنوات الثمانينات.

لم يلتمس المسؤولون على تلك الاستقصاءات مبررات، بل قدموا ببساطة أرقاما. إذن، لماذا اعتقد الأفراد بأنها حرب جسدت الشر وانعدام الحس الأخلاقي؟ من بين الأجوبة، نعثر عليها عند إحدى الأسماء التي أشرفت على تلك التحريات، أقصد تحديدا ”إي.رايلي ”أستاذ ليبرالي بجامعة شيكاغو، حيث رجح تفسير ذلك إلى اعتقاد الأمريكيين بأن كثيرا من الأفراد قتلوا في فيتنام، ربما. تأويل ثان، كونهم لم يتقبلوا أننا ارتكبنا أبشع جريمة بعد الحرب العالمية الثانية. لكن رأيا كهذا، غير مقبول جدا، ولن يتم إبرازه باعتباره تأويلا قائما.حاليا،ماذا وقع إبان السنوات اللاحقة؟

أعتقد،استمر نفس التصور لدى الطبقات المتعلمة،بحيث يتحدثون عن التدخل الإنساني، كما لو أن فيتنام مثلت نموذجا في هذا الإطار. أما بالنسبة للعموم،فالأمر يختلف بحدة. لنأخذ حرب العراق، إنها أفظع جريمة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية.

فللمرة الأولى في التاريخ، تاريخ الامبريالية، احتشدت تظاهرات ضخمة قبل الإعلان الرسمي عن بداية الحرب. في الحقيقة، كانت أصلا جارية. لقد تابعنا تظاهرات ضخمة في كل مكان. أظن، ترتب عنها أثر. كان الجمهور منقسما دائما. بعد مرحلة فيتنام، ساد نوع آخر من التدخل، صُمِّمَ بكيفية لا يثير معها ردود فعل جماهيرية. تصور تبلور باكرا خلال الفترة الرئاسية الأولى لبوش الأب، بين طيات إحدى الوثائق التي حددت تصورا للمستقبل، حيث تخوض الولايات المتحدة الأمريكية حروبا ضد أعداء أكثر ضعفا، لكن يتحتم خوضها بكيفية سريعة وحاسمة قبل تطور الموقف الجماهيري. ويجدر في هذا الإطار، متابعة مانقوم به.

نتحدث مثلا عن غزو بنما Panama، فقد حُسم الأمر في غضون يومين، ثم كوسوفو، بحيث اختفى كل تواجد للقوات الأمريكية. لقد أنجزتم كتابا ممتازا حول هذا الموضوع. مع ذلك لستُ مقتنعا بأن حيثيات هذا التدخل الجديد اختلفت عن سابقاتها.

* دافيد جيبس: مع نهاية الحرب الباردة، عرفت الحركة النضالية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وأمكنة أخرى تراجعا فيما يخص قضية مناهضة التسلح النووي.

 مرة أخرى، تختلف الوضعية عن حقبة الحرب الباردة،وقد انتظمت آنذاك حركة حاشدة معارضة للأسلحة النووية - تذكروا حركة فريز سنوات الثمانينات- بيد أنها اختفت في جانب كبير منها بعد 1991 .يظل خطر قيام حرب نووية داهما أكثر من ذي قبل. في المقابل، أصبح الارتباط بهذه القضية ضعيفا. كيف تشرحون اختفاء الحركة المعارضة للتسلح النووي؟

* نعوم تشومسكي: نعم، صحيح تماما.أوج الحركة النضالية الشعبية ضد التسلح النووي تجلت سنوات 1980، وقد تميزت وقتها بكونها حركة هائلة. ثم حاولت إدارة ريغان، بل قررت تحييدها ونجحت بهذا الخصوص جزئيا، عندما تقدمت بسراب مشروع حرب النجوم ومبادرة الدفاع ألاستراتيجي، بحيث سيبعدنا ذلك تقريبا عن الأسلحة النووية.

التقطت ثانية إدارة ريغان خطاب الحركة المضادة للأسلحة النووية، ثم قالت: آه! أنتم على صواب يلزمنا القضاء على هذا النوع من الأسلحة، ووسيلتنا في ذلك تتجه نحو حرب النجوم، ومبادرة الدفاع الاستراتيجي، التي ستمنع ضربة الأسلحة النووية. إذن،هذا الانعراج أفرغ مضمون تلك الحركة. حينما انهار الروس، بدا أنه بوسعنا لجم هذا النزوع نحو التسلح النووي، السعي الذي تحقق فعلا خلال ظرف معين، بحيث تقلص السلاح النووي لدى الطرفين الأمريكي والروسي، وسلكا خطوات مختلفة،لم تثمر نتائج بما يكفي، لكن في نهاية المطاف تحقق ما تحقق.

من جهة أخرى، مهم جدا استيعاب الموقف الرسمي الأمريكي، بالتالي يلزمكم الاطلاع على تفاصيل ذلك، بالرجوع إلى وثيقة لكلينتون بالغة الأهمية صدرت سنة 1995، يتم التحفظ عليها دائما، لكن فقرات كبيرة منها صارت في المتناول، سميت ب”أصول قوة الردع بعد الحرب الباردة”. ماذا يعني ذلك؟ تدل قوة الردع على توظيف الأسلحة النووية.

هذا ما أوحت به القيادة الإستراتجية المكلفة آنذاك بالتخطيط للأسلحة النووية وتدبير أمرها.كتبتُ عن هذا الموضوع منذ البداية وأواصل غاية الآن. لكن منذئذ، لم أعثر بخصوص الوثيقة عن أية إشارة، مع أنها مذهلة. أساسا، هذا منطوق مضمونها: تؤكد بأنه يلزمنا التمسك بالحق في الضربة الأولى، وكذا استعمال السلاح النووي، حتى ضد قوى غير نووية.لكن للاستدراك، فقد استُعملت الترسانة النووية فعليا باستمرار، مادامت تلقي بظلها حول أفعال عسكرية أخرى.

بمعاني أخرى، حينما يعلم الآخرون أننا على استعداد كي نلتجئ إلى مفعول السلاح النووي، فسيتراجعون إلى الوراء، ولو بادرنا نحو القيام بأفعال عدوانية. لذلك، استعنا دائما بهذا الشبح. راهنا، وهي سمة أبرزها ”دان إيلسبرغ”منذ سنوات، حينما شبه المسألة كما لو أنتم وأنا تسللنا إلى داخل مخزن بغرض سرقته مع توفرنا على سلاح.

حيال وضعية كهاته، لا يمكن للشخص المهاجَم سوى الإسراع إلى منحكم كل النقود التي يحتويها الصندوق. بمعنى ثان، يستفاد من مفعول سلاح رغم عدم استعماله.

هكذا الشأن بالنسبة للسلاح النووي- أساسا حسب برنامج الردع بعد الخرب الباردة – تلقي بشبحها على كل شيء. ثم واصل حديثه مضيفا، ينبغي لنا العمل على تقديم شخصية وطنية، يميزها كونها غير عقلانية وذات طابع انتقامي، لأن من شأنها بث الرعب في نفوس الأفراد، مما سيدفعهم إلى التراجع. ثم يبررون بقولهم كما تعلمون، هذا لا ينطبق على ترامب، ربما كلينتون وليس تحديدا نيكسون. يلزمنا أن نكون مجانين وانتقاميين، لأنها حالة ستخيف الجميع. نموذج رسخناه طيلة سنوات، الوضع الذي يمنحنا القدرة على تفعيل المواقف كما نريد.إنها استراتجيتنا النووية، منذ السنوات الأولى لما بعد الحرب الباردة. أظن بأنه فشل حقيقي بالنسبة لفئة المثقفين، ومعهم المعرفة والإعلام. فالوضع، مغاير لما تشير إليه العناوين الكبيرة في كل مكان. ليس ذلك بسر، فالوثائق بين أيدينا، وأرجح بأنها تعكس وجه اللوحة الأصيل.

تعلمون، حديث الناس عن”نظرية الرجل المجنون”ل نيكسون. لا نحيط بالخبايا الكثيرة المرتبطة بهذا الموضوع. بل وردت ضمن مذكرات، أحد الأشخاص. لكنها واقعية.

إنها النظرية الحقيقية للرجل المعتوه. يلزمنا الاتصاف بالجنون والعدوانية، كي لا يضبط الأفراد تحديدا طبيعة وجهتنا. أفق غير مرتبط بترامب ولا ستيفن بانون بل تبلور منذ حقبة كلينتون.

* دافيد جيبس: أظن بأنه لدينا بعض الوقت من أجل طرح تساؤل آخر. إن جملة ”أمن قومي” في الخطاب الشعبي، تعني تقريبا على وجه الاستثناء الحماية من التهديدات العسكرية. وصف يؤدي إلى تقهقر دلالات التهديدات غير العسكرية، مثل التغير المناخي، ثم الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية أو الأوبئة الفيروسية. يظهر إذن من جهة، عدم التوازن بين التهديدات التي تعتبر عسكرية، وتحصل بالتالي على تمويل حكومي ضخم وكذا اهتمام الصحافة.ومن جهة أخرى، تهديدات غير عسكرية تحظى نسبيا بدعم أقل. لماذا في رأيكم هذه الأهمية المفرطة الواضحة التركيز على ما هو عسكري؟

* نعوم تشومسكي: نعم، بوسعنا تلمس التهديدات العسكرية واقعيا، وأيضا تخيلها. لا يلتفت الأفراد نحو موضوعها بما يكفي. لكن إذا فكرنا فيها قليلا، يمكننا حينئذ استشراف،أن هجوما نوويا بوسعه وضع نهاية لكل شيء. أما عن التهديدات الأخرى، فتعتبر بطيئة الحدوث، أي قد لا تداهمنا السنة المقبلة. ربما العلم ليس مٌؤكَّدا، وربما لا ينبغي لنا الشعور بالانزعاج. مع ذلك، يبقى التغير المناخي أسوأها جميعا، دون الإغفال عن تهديدات أخرى. لنأخذ الأوبئة، بحيث يمكننا أن نعاني بسهولة وباء عضالا. الكثير من ذلك، مصدره أصل لا نمنحه انتباها كبيرا: أكل اللحم. فصناعة إنتاج اللحم، وإنتاجه الصناعي، تستخدم كمية ضخمة من المضادات الحيوية.

لا أتذكر حاليا الرقم بالضبط،لكنه على الأرجح تقارب ما يناهز نصف المضادات الحيوية. إذن، الأخيرة لها مفعول: تؤدي إلى تحولات تجعلها غير فعالة. يلزمنا حاليا اقتفاء آثار مضادات حيوية تتصدى للخطر الناجم عن التحول السريع للجراثيم.

إذن، ينبوع الوباء، صناعة إنتاج اللحم.فهل يخيفنا هذا؟ يتحتم أن يكون الأمر كذلك. يعتبر الذهاب حاليا إلى المستشفى مجازفة، لأنه قد تصاب بعدوى أمراض متفشية هناك يصعب علاجها. أكرر، نعثر على آثار الكثير من ذلك في الإنتاج الصناعي للحم. إنها تهديدات جدية، تعم كل مكان. أيضا، انتبهوا إلى أمر لانفكر فيه حقا: البلاستيك المنتشر في المحيط. أقصد، فداحة مفعول ركامه على البيئة.

عندما أعلن علماء الجيولوجيا عن بداية حقبة جيولوجية جديدة، من خلال المركزية البشرية، ثم بشر يخرِّبون البيئة، فمن أهم الملاحظات التي شددوا عليه تمحورت على استعمال البلاستيك في كوكب الأرض.لا نفكر في ذلك،لكن له تأثير هائل.

 معطيات لا يراها الشخص مباشرة كل يوم، بل ينبغي له استحضارها ذهنيا قليلا، حتى يستخلص نتائجها. من السهل دفعها جانبا، وعدم تطرق الإعلام لها، لأن قضايا أخرى تفوقها أهمية. كيف سأتمكن غدا من وضع الطعام فوق المائدة؟ قضية كهاته يلزمها أن تقلق راحتي، إلخ.

الأمر في غاية الدقة، مع أنه يصعب الوقوف على ضخامة هذه الأسئلة، حينما لايتم استلهام السمة المأساوية لشيء يمكننا التطرق إليه عبر أفلام، وكذا أسلحة نووية تتساقط ويختفي الجميع.

"المجلة الثقافية الجزائرية"