2018-08-14

سمير أمين

د. حسن مدن

غادر دنيانا المفكر المصري - الأممي الكبير سمير أمين، وفي بيان صدر أمس نعته وزيرة الثقافة المصرية د. إيناس عبد الدايم، قائلة: «إن الراحل أحد المفكرين العظماء الذي أثرى مجاله بإنجازات ستظل علامات مضيئة في التاريخ»، منوهة بإنجازاته الفكرية المهمة.

سمير أمين الذي تمسّك بانحيازاته اليسارية حتى رحيله، ولد عام 1931 لأب مصري وأم فرنسية، وقضى طفولته بمدينة بورسعيد، نال الشهادة الثانوية العامة من مدرسة فرنسية في مصر، قبل أن يتابع دراساته في فرنسا، إلى أن حاز درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة السوربون.

بالإضافة إلى مؤلفاته الكثيرة في الاقتصاد السياسي ونظريات التبعية التي كتب بعضها باللغة الفرنسية، وتولى مترجمون مرموقون ترجمتها إلى العربية، يعد أمين من كبار الخبراء الاقتصاديين، لا على مستوى البلدان النامية وحدها، وإنما على مستوى العالم، وعمل مستشاراً في العديد من المؤسسات الاقتصادية الإقليمية، خاصة في إفريقيا.

وخلال سبعينات القرن الماضي، تم تعيينه مديراً لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في داكار، كما شارك في تأسيس «المجلس الإفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية»، وكذلك «منتدى العالم الثالث».

قدّم سمير أمين مجموعة من القراءات لعدد من القضايا الأساسية، مثل العلاقة بين المركز والأطراف، ومحاولة لتجديد قراءة المادية التاريخية وأنماط الإنتاج. والفكرة المحورية في أبحاثه هي رفض المركزية الأوروبية كمنطلق للبحث والتحليل، وهو لا يقوم بذلك من موقع ردة الفعل تجاه الغرب، الظالم حقاً، وإنما من موقع العلم، حين يقدم التشخيص التاريخي الملموس الذي يدحض هذا المنطلق أوروبي التمركز، الذي يقع في شراكه نفر غير قليل من المثقفين والمفكرين العرب.

يقترح سمير أمين قراءة أخرى للتاريخ، يسميها غير أوروبية التمركز، وفي هذا السياق تأتي نظريته عن التطور غير المتكافئ، سواء بالنسبة للمراحل السابقة على الرأسمالية أو بالنسبة للرأسمالية المعاصرة، وكذلك مفهومه عن التضاد بين المركز والأطراف على المستوى العالمي.

حسب الباحث؛ فإن فتوحات الأسكندر الأكبر أنشأت فصلاً جديداً في تاريخ المنطقة المطلة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، التي أصبحت إحداها عربية إسلامية، فيما أصبحت الأخرى أوروبية مسيحية، حيث أنهت تلك الفتوحات الانعزال لمختلف شعوب العصر القديم، ومن هنا تكونت منظومة مجتمعات وصفها ب "الخراجية"  اشتقاقاً من مفردة الخراج)، تشترك في أهم سماتها الاجتماعية والثقافية.

ويعطي سمير أمين تعريفاً محدداً لما يقصده بالمثقف، الذي هو حسب تقديره من يشترك في إنتاج المشروع المجتمعي في مجال معين من مجالات احتياجات إقامة هذا المشروع، ويشير إلى أن مجالات هذا الإنتاج متنوعة ومتعددة لتشمل، فيما تشمل، طرح نظم القيم وأهم الأفكار والتصورات المنسجمة مع المشروع المعتبر، وإنتاج الصور الفنية التي تلعب دوراً فعالاً في تقديم هذا المشروع.

لا يمكن، والحال كذلك، اعتماد النموذج الأوروبي نموذجاً مثالياً أوحد، على شعوب العالم الأخرى الاقتداء به، وفي هذا المجال يصبح واجباً على المثقفين أن يكونوا قاطعين في رفض النظرة أو المشروع العالمي الذي يدعو لتجانس الإنسانية من خلال تعميم النمط الغربي، والتخلص من الخصوصيات الثقافية باعتبارها مسؤولة عن تخلف هذه الشعوب، حسب أصحاب هذا المشروع، ليصلوا إلى أهمية تأكيد هذه الخصوصيات واحترامها، منطلقاً لمشروع التحديث الذي يدفع بمجتمعاتنا نحو استحقاقات العصر