2018-08-07

الحرب الأهلية الإسبانية

والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين والعرب

 نعيم ناصر

شهدت اسبانيا في الربع الأول من القرن العشرين تحركات جماهيرية واسعة احتجاجاً على الأوضاع الإقتصادية والمعيشية المتردية وازدياد معدلات البطالة بين السكان، وتجبّر الحكم الديكتاتوري الذي كان سائداً في تلك الفترة.

وفي انتخابات برلمانية جرت في اسبانيا فرضتها الهبات الجماهيرية المتواصلة، في أوائل العام 1931 وأوصلت إلى السلطة حكومة شعبية مؤلفة من عدد من الأحزاب التقدمية، تم عقبها اسقاط الحكم الدكتاتوري الذي أقامه في البلاد الجنرال "دي استيلا ميغيل دي رفيرا" (1870 - 1930)، وموافقة الملك الفونسو الثالث عشر (1886 - 1941) على إعادة الحقوق الدستورية للبلد.  غير أن هذه الخطوة لم تقنع الشعب الإسباني، وطالب بإلغاء النظام الملكي.

وعلى إثرها فرّ العاهل الإسباني بتاريخ 14/4/1931 إلى انجلترا وأعلنت الجمهورية الثانية*، التي أعادت الحقوق المسلوبة إلى الشعب الإسباني، وبخاصة إلى الفئات المعدمة، وفي مقدمتها الحريات السياسية.  غير أن هذا الأمر لم يعجب القوى الفاشية ورجال الكنيسة الكاثوليك، فاعلن الجنرال "فرانكو" الحرب على الجمهورية بتاريخ 18/7/1936، وانطلق بقواته التي كان عمادها الفيلق الإفريقي قادماً من المغرب، حيث كان على رأس الحامية الإسبانية هناك، (كان شمال المغرب خاضعاً للحماية الإسبانية بينما كان جنوبه خاضعاً للحماية الفرنسية).

ويقدر أن نحو 90 في المائة من الضباط وثلثي الجيش الإسباني كانوا يتعاطفون مع الفاشيين، تساندهم الكنيسة الكاثوليكية وأصحاب الأراضي ورجال الأعمال.  أما الجمهوريون فقد نالوا تأييد البقية الباقية من الجيش ومعظم السكان المدنيين.

ولمقاومة هذه الهجمة الفاشستية الشرسة تشكلت جبهة شعبية اسبانية من الكونفدرالية الوطنية للشغل، والفدرالية الفوضوية الإيبيرية، والحزب الشيوعي الإسباني، وحزب العمل للتوحد الماركسي، والحزب الإشتراكي العمالي الإسباني، والاتحاد العام للشغيلة.

وفي المقابل تشكلت القوى المساندة للجنرال فرانكو من: الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل، وتحالف الأحزاب الكاثوليكية، والألفونسيون (تطلق على أعضاء حزب ملكي سعى إلى إعادة الملكية لإسبانيا)، والفلانجة الإسبانية (وهي جماعات فاشستية)، والإتحاد العسكري الإسباني، وتجمع الضباط الراغبين في قلب النظام الجمهوري.

وقد دعمت قوى اليمين الإسبانية الدكتاتوريات الفاشستية الأوروبية، وبخاصة في ألمانيا وايطاليا والبرتغال، في حين لم يلق الجمهوريون أي دعم سياسي أو عسكري من "الديموقراطيات الغربية"، بل على العكس وقع 25 بلداً أوروبيا في شهر أيلول من عام 1936 معاهدة عدم التدخل، التزمت بموجبها بعدم مساعدة أي من الطرفين المتقاتلين.  وحظي الجمهوريون فقط بدعم الإتحاد السوفياتي والمكسيك في حينها.  وقد اتسمت الحرب الأهلية هذه بين الجانبين، الجمهوريين والفاشستيين، بالشراسة والوحشية، ويقدر عدد ضحاياها بنحو مليون نسمة، وقدرته مصادر أخرى بنحو 600 الف.  وكانت الكفة فيها إلى جانب الفاشيست بسبب الدعم اللامحدود من العتاد الحربي الذي زودتهم بها ألمانيا وايطاليا. 

وفي شهر كانون الثاني (يناير) 1939 سقطت مدريد بيد الفاشستيين، وبسقوطها انتهت الحرب الأهلية في اسبانيا.  بعدها عاشت اسبانيا في ظل الحكم الديكتاتوري الفاشي 36 عاماً، ولم يتخلص منه الإسبانيون إلا بعد وفاة الجنرال فرانكو بتاريخ 20/11/1975، وعودة أسرة "آل بوربون" الملكية إلى اسبانيا في شخص الملك خوان كارلوس.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن الايديولوجية الفاشستية قوي عضدها واستشرس معتنقوها في أوروبا بعد انتصار ثورة اكتوبر الإشتراكية عام 1917 في روسيا وتأسيس الإتحاد السوفياتي، وتعاظم نضالات الطبقات العمالية في دول أوروبية عديدة بقيادة الأحزاب الشيوعية.  ومعروف أن الفاشستية تيار سياسي، وأحد أشكال سيطرة أعتى أقسام البرجوازية الإحتكارية المغرقة في رجعيتها.

وظهر تعبير الفاشستية أول ما ظهر في ايطاليا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى.  وقد مارس الفاشستيون إرهاباً دمويا بحق الطبقة العاملة وأحزابها السياسية، وقضت على النظام البرجوازي البرلماني بمساندة الرأسمالية الإحتكارية وتمكنوا في سنة 1922 من الإستيلاء على السلطة في ايطاليا وإقامة دكتاتورية موسوليني التي امتدت حتى عام 1944.  أما في ألمانيا فقد ساندت البرجوازية الإحتكارية الحزب النازي الذي تمكن من جر جماهير البرجوازية الصغيرة المغرقة في الشوفينية وراءه، ومن خداع الفئات المتخلفة من الطبقة العاملة السائرة وراء الزعماء اليمينيين للإشتراكية الديمقراطية الألمانية.

ولم يقتصر نفوذ الفاشستيون، قبل الحرب العالمية الثانية، على ألمانيا وايطاليا، بل تعداها إلى اليابان وبولونيا وبلغاريا وإسبانيا الفرانكفونية (نسبة إلى الجنرال فرانكو) وتجلت الأيديولوجية الفاشية بالعداء السافر للشيوعية، والإيمان بالعرقية "المتفوقة" والحط من الشعوب والقوميات الأخرى، وباضطهاد الجماهير الشعبية واستغلالها.

وبالعودة إلى الحرب الأهلية الإسبانية نشير إلى أن مساهمة عشرات ألوف المغاربة الذين انضموا إلى جيش فرانكو، من حسم المعركة لصالح الفاشستيين الإسبان.  وقد قدر عدد هؤلاء بنحو مائة ألف مقاتل، وفي رواية أخرى سبعون ألفاً.  وذكر بعض الكتب التي أرخت للحرب الأهلية الإسبانية، أن هؤلاء المقاتلين المغاربة كانوا عندما يحتلون قرية أو بلدة اسبانية يستبيحون النساء ويسلبون وينهبون مما خلف انطباعاً سيئاًً تجاههم لدى المواطن الإسباني حتى يومنا هذا.

وقد استخدم الفاشستيون الإسبان العديد من الطرق لتجنيد هؤلاء المغاربة، وبخاصة في المناطق التي كانت خاضعة لهم في شمال المغرب، منها الادعاء بمحاربة الشيوعيين الكفار، واستغلال ظروف الفقر والبؤس الإجتماعي والبطالة التي كانوا يعيشون في ظلها، إلى جانب الإغراءات المادية التي كانت تعرض عليهم.

وهنا اقتبس نص تقرير صحفي كُتب عن أحد الجنود المغاربة الذين حاربوا إلى جانب الفاشستيين، نشرها الموقع الألكتروني لقناة العربية الفضائية بتاريخ 6/1/2009، للتدليل على هذه الأساليب التي مارسوها: "يبتسم سليمان بتماكي وهو يتذكر الرعب الذي بثه في قلوب القرويين الإسبان لصالح الدكتاتور الإسباني الراحل فرانشسكو فرانكو.  فقد جُنّد هو والكثير من زملائه للدفاع عن قضية فرانكو، وما زالوا يؤمنون بصواب هدف القتال ضد المتعاطفين مع الشيوعيين الإسبان الحمر الذين كان الجنود المغاربة يرونهم اعداء الدين ... يتذكر بتماكي، وهو الآن في السابعة والثمانين من عمره (عندما كُتب عنه هذا التقرير) كيف كان الأطفال والنساء والمسنون يفرون حين يسمعونه هو وزملاؤه يبسملون وهم يهاجمون ويدمرون قراهم.  قال بتماكي: "لم نكن نبقي على شيء .. لا إنسان ولا أي شيء، ونقتل كل من يصادفنا.  كنا نصلي على سيدنا محمد ونردد الأذكار قبل أن نشنّ الغارات، وكان الإسبان المذعورون يحاولون الفرار فور سماعهم أصواتنا" (انتهى الإقتباس).

ولمكافأة المقاتلين المغاربة من قبل فرانكو لجأ، عقب انتصاره في الحرب الأهلية، الى الإحتفاظ بمجموعة منهم ليتولوا حراسته إلى أن مات في العام 1975.

وهنا لا يظنن أحد أن حال المغاربة كان هكذا، بل لقد ثاروا ضد الاستعمار الإسباني الذي كان جاثماً على صدورهم في شمال المغرب، بقيادة الثائر عبد الكريم الخطابي (1882 – 1963) وحققوا انتصاراً على الإسبان في معركة "أنوال" وأقام "جمهورية الريف" إلا أنها لم تعمر طويلاً، حيث اجتمعت اسبانيا وفرنسا على حربه وتمكنتا من هزيمة قواته واعتقاله ونفيه إلى إحدى جزر المحيط الهندي سنة 1926، وظل فيها عشرين عاماً، ثم التجأ إلى القاهرة عام 1947 إلى أن توفي عام 1963.

المتطوعون العرب والفلسطينيون إلى جانب الجمهوريين

وفي مقابل الدعم الذي حظي به الفاشستيون الإسبان من قبل فاشستي الدول الأوروبية، التحق ألوف المتطوعين من غير الإسبان للقتال إلى جانب الجمهوريين. وقد قدّر عددهم بنحو 40 ألف رجل وامرأة قدموا من 56 بلداً، من بينها عدد من الدول العربية.  ومن بين هؤلاء أعلام أدبية من أمثال الأديب الأمريكي ارنست همنجواي، مؤلف رواية "لمن تقرع الأجراس"، والكاتب الفرنسي أندري مالرو صاحب كتاب "أمل الإنسان"، والأديب الإنجليزي جورج أوريل، مؤلف كتاب "تحية إلى كتالونيا"، والصحافي الهنغاري آرثر كويستلر صاحب كتابي "إسبانيا الذبيحة" و "حوار مع الموت".

وتعززت أعداد المتطوعين إلى جانب الجمهوريين، عقب دعوة مؤتمر الأممية الشيوعية (الكومنتيرن) في العام 1935 الأحزاب الشيوعية والقوى المعادية للفاشستية، إلى تكوين جبهات شعبية للنضال ضد الفاشستية.

وقد رحب عدد من الأحزاب الشيوعية العربية بما فيها الحزب الشيوعي الفلسطيني، وكانت بلدانها تحت نير الإستعمارين الإنجليزي والفرنسي، بهذه الدعوة، ونشطت في مضمار مكافحة الفاشستية نشاطا ملحوظاً، واهتمت بفضح الفاشستية ايديولوجياً، وتعرية شعاراتها البراقة التي طرحتها في بعض الأقطار العربية، مستغلة كره العرب للإستعمارين الإنجليزي والفرنسي.  ونظمت حملات شعبية واسعة من أجل التضامن مع الجمهوريين الإسبان.

ولم تكتف هذه الأحزاب بذلك، بل عمدت الى إرسال متطوعين للقتال إلى جانب الجمهوريين، أسوة بالمتطوعين الأجانب الذين كان أغلبهم من الإتحاد السوفيتي والدول الأوروبية. ومع ذلك بقيت مشاركة العرب مسألة اكتنفها الغموض، ولا يجد الباحث فيها إلا بضع إشارات تفتقر للدقة والوضوح. ففي ندوة دولية عقدت حول هذا الموضوع في جامعة لوزان السويسرية ترأسها الأستاذ جون باتو، فاجأ المؤرخ المغربي عبد المجيد بن جلون الحاضرين بتأكيده أن عدد المقاتلين العرب من شمال إفريقيا الذين حاربوا إلى جانب الجمهوريين (المغرب، تونس، الجزائر) ناهز الألف رجل، وأبدى أسفه لتجاهلهم من قبل الباحثين الذين تناولوا الحرب الأهلية الإسبانية.  وقد عُدّ هذا الرقم مبالغاً فيه.  ولكن الباحث الإسباني كاتيس اندرو أجرى دراسة حول هذا الموضوع تضمنت الأعداد الآتية للمتطوعين العرب:

  1. العربية السعودية   :أربعة متطوعين، لم يقتل ولم يؤسر أي منهم.
  2. الجزائر              :493 متطوعاً، قتل منهم 54، وأسر وفُقد 45.
  3. المغرب              :201 متطوع، قتل منهم 32، وفقد وأسر 20.
  4. سورية               :ثمانية متطوعين لم يقتل أو يفقد أو يؤسر أي منهم(1).

الملاحظ في هذه القائمة أنها لم تشمل المتطوعين المصريين أو الفلسطينيين، أو اللبنانيين أو العراقيين أو التونسيين الذين قاتلوا إلى جانب الجمهوريين الإسبان. ولكن سجلات أرشيف GASPI السوفياتية أفادت أن عرباً آخرين حاربوا إلى جانب الجمهوريين وهم: عراقيان وثلاثة مصريين، ولبناني واحد و 11 سورياً (بدلاً من ثمانية سوريين كما ذكر في القائمة السابقة).

وبخصوص المتطوعين الفلسطينيين ذكر الأرشيف السوفيتي عينه أن مجموعتين حملتا رقمي 625 و 626 تحويان سجلات شخصية لنحو 125 متطوعاً من فلسطين، غالبيتهم الساحقة من المتطوعين اليهود، قدم بعضهم إلى فلسطين قبيل عام 1936. وجند غالبية هؤلاء في فرقة "نفتالي بوتوين" وكان عدد الفلسطينيين العرب بينهم ثلاثة، اثنان قتلا في المعركة والثالث رُحّل.(2)

وحتى عدد المتطوعين الفلسطينيين فيه شك، لأن ما وجدته من خلال بحثي في هذا الموضوع أن عددهم كان أكثر من ذلك، وأقصد العرب منهم والأرمن الفلسطينيين.والأسماء التي عثرت عليها في عدد من المصادر هي:

  1. علي عبد الخالق، عامل زراعي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني.
  2. فوزي صبري النابلسي، عضو الحزب الشيوعي.
  3. نجيب يوسف، عضو الحزب الشيوعي.
  4. مليح الخروف، عضو الحزب الشيوعي.
  5. علي الجيباوي، عضو الحزب الشيوعي.
  6. علي التيوني، عضو الحزب الشيوعي.
  7. الطبيب جورج خروف، وهو مهاجر استقر في البيرو قبل تطوعه إلى جانب الجمهوريين.
  8. نجاتي صدقي، عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني المنتدب إلى الأممية الشيوعية. 

وقد لقي مصرعه منهم في أثناء القتال كل من: علي عبد الخالق، وفوزي صبري النابلسي، وعلي الجيباوي. ولم يعرف مصير الآخرين، باستثناء نجاتي صدقي**، الذي كلف من قبل الأممية الشيوعية بالسفر إلى اسبانيا، وعرف هناك باسم مصطفى بن جلا، للقيام بحملات دعائية عبر المناشير لثني المقاتلين المغاربة عن مواصلة القتال إلى جانب قوات فرانكو والإنحياز إلى الجمهوريين.  وهناك ساهم بتأسيس "الجمعية الإسبانية - المغربية" التي عملت في اتجاهين:

  1. حث المقاتيلين المغاربة في صفوف فرانكو إلى الإنضمام إلى صفوف الجمهوريين واقناعهم بأن الجمهورية الإسبانية ستتيح لهم حرية الإختيار بين البقاء في إسبانيا أو العودة إلى وطنهم المغرب.
  2. اقناع الجنود الإسبان الجمهوريين أن المغاربة ليسوا فريقاً في الحرب الأهلية الإسبانية، وإنما قد غُرر بهم، أو استدرجوا للقتال بسبب فقرهم وسوء أحوالهم المعيشية الناتجة من تجبر الإستعمار الإسباني(3). ولم تتوقف المناشدات عن حث المقاتلين المغاربة على الإنسحاب من قوات فرانكو، بل حتى وزارة الدعاية في الجمهورية الإسبانية عملت على ذلك عبر نموذج المناشدة الآتية:

"بسم الله الرحمن الرحيم

"أيها الجنود المغاربة المسلمون

"يأمركم الله ورسوله بأن لا تطيعوا من يدفعكم إلى البغي والضلال وارتكاب الموبقات .. الأولى بكم أن تهربوا من صفوف قوات الجنرال فرانكو بأسلحتكم الكاملة.. وتعدكم حكومة الجمهورية بأنها تؤمنكم على حياتكم وتعيدكم إلى بلادكم حيث نساؤكم وأطفالكم يموتون من الجوع.

"الذي يبقى منكم مع فرانكو سيموت غريباً عن دياره وأهله، والذي يأتي إلينا يسلم بروحه وننقده عشرة "بسيطات" يوميا.

"والسلام عليكم"(4).

ورغم كل هذه المناشدات للمقاتلين المغاربة إلا أن الحصيلة كانت محدودة واقتصرت فقط على العشرات من هؤلاء.

وبالعودة إلى المتطوعين الفلسطينيين في صفوف الجمهوريين والغموض الذي اكتنفهم واكتنف مصيرهم، فقد لفت انتباه الكاتب الفلسطيني حسين ياسين، الذي أنشأ رواية عن المتطوع الفلسطيني علي عبد الخالق تحت عنوان: "علي.. قصة رجل مستقيم" التي صدرت عن دار الرعاة في رام الله العام الماضي (2017).  ففي حوار اجري معه من قبل الصحافي أوس يعقوب ونشره الموقع الألكتروني "رمان" تحت عنوان: "حسين ياسين: نحن أيضاً حاربنا الفاشية في إسبانيا".  وجواباً عن سؤال حول الدافع الذي شجعه على كتابة روايته تلك قال: "معظم شعوب العالم، وبلغاتها المختلفة، كتبت عن الحرب الأهلية الإسبانية، فقدسوا ذكرى من ماتوا وعظّموا نضال أبطالهم.  كما وثقّت مقالاتهم الترجيديا الإسبانية والمحنة الإنسانية.  أما العرب فقد غابوا، كعادتهم.  الأمر الذي شوه صورة العربي عند اليسار العالمي، وخاصة الأوروبي، فبدا وكأن العرب حلفاء لليمين العالمي وعدو اليسار.  هذه "التهمة" تعززت بسبب مشاركة المغاربة القسرية في صفوف قوات فرانكو".

وأضاف: "فجأة فرأت للمؤرخ الألماني غيرهارد هوب***، عميد كلية التاريخ في جامعة "لايبتسك" أن علي عبد الخالق وفوزي صبري النابلسي تطوعا للدفاع عن الجمهورية الإسبانية، وكلاهما سقطا في الجبهة ودفنا في الأراضي الإسبانية.  ولاحقاً اكتشفت أنهم خمسة فلسطينيين عرب، وسبعة فلسطينيين أرمن، وسوري واحد وآخر لبناني، وعراقي واحد وعدد كبير من بلاد المغرب".

وتابع: "على مدى خمس سنوات طاردته (علي عبد الخالق) في كتب الأدب والتاريخ العربي، وفي أرشيف الحزب الشيوعي، الفلسطيني .. تقصيت أخباره عند كبار السن والمثقفين وقدامى الحزب (الشيوعي الفلسطيني) وعلى لساني سؤال واحد: هل سمعتم عن عرب فلسطينيين تطوعوا لمحاربة الفاشية في الحرب الأهلية الإسبانية بين سنوات 1936 - 1939؟ لا شيء .. فكان عليّ أن أرويه".

وعن الظروف التي ساهمت في دفع المناضل علي عبد الخالق التطوع للقتال إلى جانب الجمهوريين الإسبان، وهو الذي كان معتقلاً في سجن عكا، قال الكاتب حسين ياسين على لسان علي في روايته سالفة الذكر: "رجال المخابرات البريطانية جالوا على المعتقلين الشيوعيين في السجون وحثوهم على السفر إلى إسبانيا، حتى أنهم عرضوا مساعدتهم وتسهيل أمور رحيلهم، وتزويدهم بجوازات سفر، وبكل الأوراق الثبوتية .. أرادوا التخلص منهم، وغير ذلك فإنهم سيبقون في عذاب السجن زمناً طويلاً .. وفي أحد أيام الخريف دخل رجل مخابرات إلى زنزانتي في سجن عكا وقال لي: يا علي غلّبتنا كثيراً وغلّبناك أكثر.. منذ أن عدت من الإتحاد السوفيتي قبل ست سنوات وأنت تدخل السجن وتخرج بضعة أيام وتعود.. أنت معتقل إداري عشرات المرات، وكلما تهتز الريح نعتقلك، نتحفظ عليك .. حياتك موزعة بين دخول وخروج من السجن .. أضربت عن الطعام أياماً عديدة .. عشت شتاء بارداً بلا ملابس في الزنازين .. تشاجرت مع رجال الأمن كثيراً .. ما الذي لم تلاقه من أنواع المعاناة والعذاب؟  ما رأيك؟ أعرض عليك الحرية .. سافر إلى إسبانيا .. هناك تحارب "أعداءك" .. غير ذلك ستبقى في السجن حتى تهترئ .. لن تخرج من هنا إلا للقبر.

- قلت: إنك تهددني!

- لا، مجرد عرض اقدمه لك .. بالمناسبة هذا العرض قبله بعض رفاقك .. فكرت مليا في محنتي وفي العرض المقدم لي .. في نهاية الأمر المعركة عالمية وإنسانية بين قوى الظلام وأنصار الحرية .. بالنسبة للثائر كل جبهة ضد الظلم هي جبهة نضال عادل .. إسبانيا اليوم تتصدر جبهة النضال العالمية .. جمهوريون ضد الفاشية.

جاءَت موافقة الحزب.

قلت له: أنا أتطوع للحرب الأممية في إسبانيا، فلا يظنن أحد أنني أفعل ذلك هروباً من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي .. لا أهرب ولا أترك وظيفتي ومنصبي في بلادي لأنني اشعر بأن عليّ واجباً يجب أن أقوم به في إسبانيا ومن أجل العدالة والسلام في العالم .. إسبانيا اليوم مكان ندق فيه أوتاد خيمتنا في بحثنا عن مستقبل أفضل(5)".  وفعلاً خرج علي من سجن عكا (هذا ليس من السرد الروائي) وتوجه عبر أراضي الإتحاد السوفياتي إلى إسبانيا حيث قتل وهو يدافع مع رفاقه عن مدريد، وجرت له جنازة عسكرية مهيبة.

وعقوبة إبعاد الشيوعيين الفلسطينيين، سواء كانوا عرباً أو يهوداً، عن فلسطين كانت دارجة في ذلك الحين من قبل الإستعمار البريطاني. وقدر عدد الذين طردوا خارج فلسطين بنحو الفي شيوعي كانت أغلبيتهم من اليهود الروس الذين هاجروا إلى فلسطين.

****

تأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن بعض ما وجدته في بعض المصادر عن المتطوعين الشيوعيين الفلسطينيين غير دقيق، وينسحب الأمر كذلك، على المتطوعين، العرب، وهذا يعود إلى أحد عاملين، من وجهة نظري، الأول، إخفاء اسمائهم الحقيقية بعد منحهم أسماء أخرى حرصاً على حياتهم، وبالتالي إخفاء بلدانهم الأصلية. أما العامل الثاني فهو عدم اهتمام احزابهم، بما فيها الحزب الشيوعي الفلسطيني، بمتابعة أخبارهم، أو البحث عنها في أرشيف الحرب الأهلية الإسبانية أو أرشيف الحزب الشيوعي الإسباني، أو أرشيف الأممية الشيوعية (الكومنتيرن). الأمر الذي يمكن أن يشجع المعنيين بهذا الموضوع إلى البحث والتقصي لإعادة الإعتبار لهؤلاء المناضلين الأمميين، وبالتالي يسعد أهاليهم ويدفعهم إلى الإفتخار بأبنائهم.

هوامش:

  1. المقاتلون العرب في صفوف الجمهوريين الإسبان (1936 - 1939). مدونة "موسوعة الأندلس".
  2. المصدر نفسه.
  3. مذكرات نجاتي صدقي، إعداد وتقديم حنا أبو حنا، إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 146.
  4. المصدر نفسه، ص 143
  5. رواية "علي .. رجل مستقيم"، ص 235 و 236.

* أعلنت الجمهورية الإسبانية الأولى في شهر شباط (فبراير) 1873 بعد تنازل الملك أماديوس الأول عن العرش، إلا أنها لم تعمر إلا فترة قصيرة لم تتجاوز شهر كانون أول (ديسمبر) 1974.

  • ولد في القدس بتاريخ 5/5/1905، وانتسب إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في عام 1924، وسافر إلى موسكو للدراسة، ثم عاد إلى فلسطين في العام 1929، وانتدب للعمل في مكتب الأممية الشيوعية في موسكو، التي كلفته بالذهاب إلى إسبانيا، إبان الحرب الأهلية، لدعم الجمهوريين، ثم ألى فرنسا، ثم أرسل من قبلها (الأممية الشيوعية) إلى دمشق والعمل مع الحزب الشيوعي في سورية ولبنان.

تعرض للإعتقال مرات عديدة من قبل المستعمرين البريطانيين، وعمل في ميدان الصحافة، وله مؤلفات عديدة في مواضيع مختلفة.

توفي بتاريخ 17/11/1979.

  • غرهارهُب (1942 - 2003) درس اللغة العربية في جامعة كارل ماركس بمدينة لايبسغ (في المانيا الديمقراطية سابقا) ثم عمل باحثاً في معهد الإستشراق في الجامعة نفسها، وله العديد من الكتب والأبحاث المنشورة في المجلات العلمية.