2018-08-05

من اليمين إلى الشمال

د. حسن مدن

كنت منهمكًا في الكتابة على الحاسوب في مقهى بمدينة أوروبية، ذات سفر، وكان يجاورني على طاولة قريبة رجل أجنبي يحتسي قهوته، ولكن لاحظت أنه يتلصص النظر إليّ، مراقبًا الطريقة التي أكتب بها، قبل أن يسألني، بغتةً: بأي لغة تكتب؟ أهي العربية؟ أجبته بنعم، وبدا أن الفضول بلغ عنده مبلغه، فسحب كرسيه مقتربًا من طاولتي، وراح يحدق فيما كتبته على صفحة الحاسوب، بطريقة أثارت الريبة في نفسي. هزّ رأسه، مبتسمًا، وهو يقول: هذا ممتع.

"أتكتبون من اليمين إلى الشمال"؟ سألني، فرددت بالإيجاب. قبل أن يضيف: كيف تحسنون ذلك؟ أليس صعبًا. قلت له إن الأمر، في النهاية، يعتمد على التعليم منذ الصغر والتدريب، تمامًا كما تعلمت أنت وتدرّبت على الكتابة بلغتك.

تمنيت، ساعتها، ألا يسألني عن سبب أن اللغة العربية تكتب من اليمين إلى الشمال، على خلاف غالبية اللغات، لأني في الحقيقة لا أعرف الإجابة، فلم يسبق أن استوقفني الأمر، ولكنه سأل سؤالًا آخر، بعدما أعاد كرسيه إلى مكانه، ربما لأنه أدرك أنه قطعني عن عملي، أما السؤال فكان: وهل تكتبون أيضًا من أسفل الصفحة صعودًا إلى الأعلى؟ رددت عليه، كما ترى فإني أكتب من أعلى نزولًا إلى الأسفل، تمامًا كما تفعلون، ولكني سمعت أن بعض اللغات تكتب بتلك الطريقة.

أثار هذا الحوار فضولي للبحث في الأمر، فقمت، في وقت لاحق، بالتحري في الأمر على الشبكة العنقودية، وأحب أن أدعوكم لقراءة مقال مطول على مدونة "ديوان العرب" للأستاذ عبدالرحمن الصباغ، يتناول فيه الموضوع بالكثير من الإسهاب، ومع أنه بدأ الحديث بالقول إنه قد يكون للأمر علاقة بتفضيل العرب لليد اليمنى في كل شيء: في المصافحة والسلام والأكل، وبما أن الكتابة كانت فعلًا مقدسًا، فمن الطبيعي أن تنطلق من اليمين.

لكن الباحث يستدرك، فيقول إن هذا تفسير غير كافٍ، فحتى من لا يحسنون استخدام اليد اليمنى بالفطرة، يبدأون الكتابة من اليمين، وإن يكن بيدهم اليسرى، ويعزو الأمر إلى أن الكتابة العربية "تتميز بحروف قابلة للصق، في حين أن الحروف اللاتينية حروف منفصلة، ويجوز لصقها فقط حين الكتابة اليدوية، تخلو بطبيعة الحال من الحروف الوسطية أو الأولية أو الأخيرة ما دامت لا تلصق حروفها في الكلمة الواحدة".
وعلى سيرة تفضلينا نحن العرب لاستخدام اليد اليمنى في كل شيء، يذكر أمين الريحاني في كتابه "ملوك العرب"، أنه عندما زار البحرين في العشرينات الماضية، وقصد مجلس حاكم البلاد للسلام عليه، مدَّ يده اليسرى لتناول فنجان القهوة العربية ممن كان يصبها، وبعد انتهاء المجلس جاء من يعاتبه نيابة عن الحاكم: "في مجالس الشيوخ لا يجوز مدّ يدك اليسرى".

شعر الريحاني بالحرج، وأكدّ للرجل أن السبب يعود إلى عطب في يده اليمنى يمنعه من تحريكها.