2018-08-05

انفضوا الغبار والتشبث في النص

وجيه الشيخ

عندما سألوا أحد النحاتين الايطاليين الكبار كيف يصنع تماثيله أجاب بان التماثيل موجودة على الصخر ولكنني ازيل الغبار والتراب العالق بها.

لا اريد الدخول في مناقشة النصوص المقدمة في مسودة وثائق المؤتمر القادم لحزب الشعب الفلسطيني ولكن عند النظر في عجالة الى  المواقف المسبقة للكثير من الاشخاص وهم يناقشون الاوراق (لاسباب مختلفة) يكون التشبث بالنصوص واعطاءها الهاله الدينية والاستشهاد بما قاله الاولون او ما قاله كبار الفلاسفة والمفكرين الكلاسيكيين منهم وعلى وجه الخصوص المفكرين الماركسيين فتجد البعض يقتبس مما قاله ماركس او انجلز في اربعينات القرن التاسع عشر في محاولة لاثبات ان الخروج عن نص ماركس يعتبر خروجاً عن السراط ويغرد خارج القالب المصنوع او هو الكفر والانحراف والتخلي عن المبادىء.

وفي التمعن في نصوص ماركس وانجلز ولينين (في النمط الروسي وما تلاه من النمط السوفييتي) وفي نصوص الآخرين مثل روزا لوكسمبرغ وتروتسكي وغرامتشي وغيرهم (نمط يقدم على انه طابع راديكالي في الحركة الشيوعية العالمية) وفي جميع النصوص التي نشرت لهؤلاء وغيرهم ستجد ما يقنع الجمهور بصواب رأيهم وصحة تنبؤاتهم سواء بخصوص الموقف من الثورات او الحياة الحزبية اومساحة الحرية الداخلية ولم تتوقف السجالات بينهم في محاولة للوصول الى حلول لما واجهوه من مشاكل الواقع. هل تحققت تنبؤات او احلام هؤلاء ام لا ربما تحتاج الى اعادة النظر فيها لنعرف.

هل كان لينين على صواب وتروتسكي على خطأ مثلاً وماذا لو فاز معسكر تروتسكي؟ هنا المقارنه لا تجوز ولكن فكرة الصحيح المطلق والخطا المطلق لم تكن واردة في العلوم وأن الاصل بالنسبة لنا هي الشك وليس اليقين مما يحفز على الابداع والتطوير وقبول الراي الاخر.

ماذا لو بقي ماركس على قيد الحياة الى ما بعد الحرب العالمية الاولى وشاهد التناقض الذي عاشه النظام الراسمالي العالمي والتفاوت في التطور الراسمالي لمختلف الدول الاوروبية في ما بعد الحرب؟ واعادة تقسيم العالم وبروز دول وغياب اخرى ربما سيتغير الموقف؟؟ او ربما يزيد الاغناء للنظرية ولكن ذلك لم يحصل وبقي على من يريد الاستمرار في هذا النهج تحدي البحث والابداع لانتاج افكار مرتبطة بالواقع وظروفه وهذا ما نحتاجه من مفكرينا ومبدعينا.

المشكلة أننا نتحدث عن عبقرية لينين في البناء الحزبي ومفهوم الدولة وفهم الماركسية وتحويلها الى واقع ولم نشير الى ما تعلمناه او ما قدمه الاوائل من المفكرين العرب والفلسطينيين في خدمة المبادىء الشيوعية والماركسية. لذلك الانطلاق الاساس من الواقع الموجود اعتماداً على المنهج العلمي الجدلي في القرن الواحد وعشرون. وأما من يريد الاحتفاظ بماركس فالسؤال اي ماركس سيختار؟ ماركس الشاب الهيغلي (انضم الى جماعة أطلقت على نفسها الهيغليين الشباب عام 1837) أم ماركس العصبة الشيوعية (الرابطة الشيوعية) وصائغ البيان الشيوعي أم ماركس صاحب الاقتصاد السياسي ام ماركس الذي كتب حول المسألة الالمانية أم ماركس الذي حلل وفضح النظام الراسمالي - مؤلفة المهم راس المال - ، قد يقول احدهم انه كل هؤلاء وهذا بالضبط ما يجعله غير مقدس ونصوصه قابلة للنقد والتحليل والقبول بعد الاخذ بها.

ما اريد قوله ان الاساس في الفهم ليس النصوص وانما في تسويغها ولي عنقها لتصبح قادرة على استيعاب ما نريد في القرن الحادي والعشرين وهذا هو التحدي النظري والعملي للحزب بعد كل هذه السنوات. ويكمن الخطر الحقيقي في صنمية النصوص واعتبارها مقدسة او انها ستصبح كذلك عند اقرارها في الحزب.

واريد الاشارة على هامش الموضوع الى ان ماركس لم يتحدث في كل كتاباته عن الاشتراكية وانما تحدث عن النظام الاجتماعي الانتقالي الذي سيؤدي الى الشيوعية. وجاء بعده آخرين تحدثوا عن الاشتراكية وقاموا بصياغة واقعهم السياسي والاجتماعي ضمن الرؤية المشتركة التي قادها الحزب (كما جرى في روسيا مثلاً). اي ان المستقبل ليس للنصوص وانما لما يمكن ان يقدمه رفاقنا ومفكرينا في بحثهم عن المستقبل والحرية والاجابة الواقعية لاسئلته.

أما ما يخص الصياغة للبرنامج والنظام الداخلي لحزب وباقي المسودات المقترحة تحضيرا للمؤتمر يمكننا ترجمه ونسخ اي نظام داخلي لحزب شيوعي عربي او عالمي مع بعض التعديلات ليصبح لدينا افضل نظام داخلي مع الاسترشاد بكل التراث الماركسي العالمي والعربي وبنسخته الفلسطينية.

لذلك اقتراحي ان يحاول الجميع العمل على تحديد ما نريده او بمعنى آخر مضمون اهداف ومبادىء الحزب مستقبلا وهنا يمكننا اقتراح قائمة الفحص المطلوبة او قائمة الامور التي نحتاجها ليكون لدينا حزباً للمستقبل والاجابة على الاسئلة المطروحة مثل هل نريد حزباً ايدولوجياً ام حزباً سياسياً، المهم ان نوضح ما نريد سياسيا واجتماعيا وطبقياً، حزباً ينحاز الى الفقراء والعمال والفلاحين والعاملين وفي نفس الوقت مواجهة راس المال والاحتكارات والتشريعات الغير منصفة والاحتلال الاسرائيلي.

وفي سياق الدفاع عن شعبنا وطموحاته في الحرية والاستقلال والاشتراكية والتقدم هل نريد الوصول الى السلطة وحكم فلسطين لتصبح دولة اشتراكية يتم فيها فصل الدين عن الدولة أم اننا نحاول البقاء ولو اكلينيكياً وعلى هامش النظام السياسي الفلسطيني.

من المهم الوضوح في "قائمة الفحص" لما نريد لنعرف محتوى الوثائق التي نريد اقرارها وهنا بعض هذه النقاط:

  1. الوصول الى السلطة في فلسطين وبناء دولة اشتراكية
  2. فصل الدين عن الدولة
  3. العمل على مستقبل افضل لجميع فئات المجتمع واحترام القانون والحريات العامة
  4. التخلص من الاحتلال
  5. اساليب النضال من اجل التحرر والاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية
  6. بناء دولة تحقق طموحات ابناء الوطن وتعزز احترامه للكرامة والعمل وضمان الحقوق،
  7. وأخيراً ابقاء باب الاجتهاد مفتوحا،

وليس عيباً ان نعارض سياسة او قرار او قائدا او نتخذ موقفا مغايراً. وقبول الاخر،

وتطول القائمة بناء على ما يرغب فيه أعضاء الحزب والمؤتمر. فهل تتضمن اوراق المؤتمر مثل هذه القضايا فاذا كانت الاجابة نعم لناخذها الى نقاشاتنا ونحملها الى المؤتمر دون التشبث بالنص والخوف من الخروج عليه.

اننا نعرف ماهي الكوارث التي يجلبها اتفاق الجميع وبدون معارضة والتصويت 100% مع ما تقره اي قيادة.

دعونا ننفض الغبار عن الصخرة لنراها بوضوح ونرسم عليها مستقبل افضل.