2018-07-12

كي لا ينهار الحلم

 "النداء" اللبنانية

 كتب د. حسن خليل في  افتتاحية العدد الأخير من مجلة "النداء" التي يصدرها الحزب الشيوعي اللبناني يقول:

ثمة أشياء نختارها بحكم الواجب، وأخرى بفعل الواقع، وغالباً بحكم القناعات. ربما تكون ردة فعل على فعل، أو انتصاراً لقضية أو فكرة أو مبدأ، ويمكن أن تكون بمجموعها مزيجاً من كل هذا، يلتقي فيه الخاص بالعام، الفكر بالممارسة النضالية، ليصبح فعلاً ثورياً خالصاً، متخفّفاً من شوائب المصالح الخاصة، ومنطلقاً نحو فضاء الهموم والقضايا الكبرى وموجباتها.

فإذا كان الحزب هو الإطار الذي يحوي ذاك المزيج الصافي من المبادئ والأفكار والبرامج والمشاريع، مراكماً التجارب والممارسات، واضعاً إيّاها في خدمة من قام لأجلهم، فإنه، في الوقت نفسه، يُعبّر عن تاريخ كُتب ويُكتب بمداد، هو دم مناضليه وعرقهم: أولئك الذين ساروا تلك الدرب غير آبهين بمخاطرها وبأشواكها، متخذين من نور الشمس مسلكاً نحو فضاءات من الحرية، وامتداداً لفكر راكم على مظلومية واكبت الإنسانية منذ بدء الخلق ولمّا تزل، كما هو أيضاً، ممارسة لمناضلين، أنكروا الذات لمصلحة العام، يتقدمون الصفوف دون أدنى التفاتة إلى الوراء. قدرهم أن يكونوا كذلك، حيث لا يجرؤ كثيرون، وما قوافل الشهداء، التي عُلقت أقدامهم فوق رقبة جلاديهم، إلّا دليلاً على صحة موقفهم ودقّة خياراتهم ونبل مبادئهم.

*****

هل ثمة عاقل لا يدرك أن الأمور في المنطقة متجهة اليوم بشكل واضح وجلي نحو فرض ما يسمى "صفقة القرن"، أي التصفية الكاملة للقضية الفلسطينية. الصفقة التي تتقاطع حولها ولأجلها مسارات أكثرية ملفات المنطقة، المشتعلة والباردة والمؤجلة.

ألا يوجب ذلك، على كل القوى المعارضة لهذه الصفقة، وتحديداً اليسار العربي، العمل لإسقاطها ومواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني والملتحقين به من أنظمة رجعية عربية، الذي تقوده وتنفذه الولايات المتحدة الأميركية، لتفتيت الدول العربية وشعوبها إلى كيانات طائفية ومذهبية، تتقاتل فيما بينها خدمة لأهدافه، في نهب الثروات، وإقامة القواعد العسكرية، وضرب كل القوى العربية المقاومة وتصفيتها. ألا يستوجب هذا الأمر، بناء وإطلاق جبهة مقاومة عربية نصرة للقضية الفلسطينية ولقضايا التحرر الوطني، كي لا يُترك الشعب الفلسطيني وحيداً في هذه المعركة

هي أسئلة بطبيعتها وجودية، مرتبطة، ليس بمضمونها، وإنما بجوهرها، المرتكز على فكرة رفض الظلم والاحتلال والقهر والقتل والتهجير والسلب والنهب... أليس ذلك كافياً لدق جرس الإنذار عن ذلك الصمت القاتل؟ والقصد هنا، ليس صمت العالم ومؤسساته الدولية، الراعية للسلم، لأنها عاجزة ومتواطئة، وإنما القوى العربية الحيّة، وتحديداً اليسار العربي، الذي يغط في سبات عميق، وإمكانية خروجه منه تبدو شبه مستحيلة. من هنا، وجب علينا، كقوى معنية في خوض هذه المواجهة، أن نبادر مع القوى المقاوِمة المتنوعة في المنطقة العربية إلى مواجهة المشروع الأساس، الذي ما برح يدمر ويقتل ويسلب ويفتت دون رادع أو وازع، وذلك بتوحيد كل الجهود والطاقات لإسقاط تلك الصفقة المشتبه فيها، لتصفية القضية الفلسطينية.

فالضرب على رأس الأفعى هو الأجدى والأفعل وليس على الذيل، لأن ذلك المشروع، والذي هو مصدر الخطر، لا يواجه بالبيانات السمجة والمكررة منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم. يكفي تراجعاً وتهرّباً من تحمل المسؤولية وتنفيذ المهام؛ فالمطلوب تطوير أساليب النضال وتنويعها وتدرجها، وتحديداً في بلدان الطوق المعرّضة، من دون شك، للعدوان المباشر نتيجة لمفاعيل تلك الصفقة، والتي من المحتمل أن تكون عسكرية، وهنا يأتي دورنا كقوى مقاومة بإمكانياتها المتاحة وبالتنسيق فيما بينها لتأمين أفضل شروط المواجهة، بالإضافة، إلى ضرورة التحركات الأهلية والشعبية بهدف تحشيد وتعبئة الجماهير والإعلام ومواجهة التطبيع بكل أشكاله، ما سيؤدي، حتماً، إلى توسيع دائرة المنخرطين في تلك المعركة، لتشمل قوى سياسية وشبابية واجتماعية متنوعة.

من جهة أخرى، فإن النضال الوطني لتغيير النظم السياسية الحاكمة في بلداننا، هو جزء لا يتجزأ من النضال القومي التحرري العربي، لإسقاط ذلك المشروع الإمبريالي-الصهيوني. فالمعركة، في هذا المجال، واحدة ولا تقبل التجزئة، خصوصاً وأنّ المشروع الأساس يقوم على التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي ونهب الخيرات وقهر الشعوب وشل الاقتصاد المنتج لمصلحة الزبائنية، والذي يؤدي إلى قيام نظم تابعة ومرتهنة سياسياً واقتصادياً، ويجعل من مهمة تغييرها ضرورة تفرضها مصلحة البلدان؛ فليكن هذا الأساس منطلقاً لبناء المشروع السياسي، وبالنتيجة، تصبح المواجهة السياسية الداخلية في أي بلد، ضد نظامها الحاكم وسلوكياته، هي مواجهة للمشروع الأم، وذلك عبر ضرب آلياته المحلية

*****

إن المشاكل التي تواجه لبنان اليوم، ليست إلّا تعبيراً واضحاً عن أزمة نظامه السياسي الطائفي، ومعالجة هذا الأمر لا تتم بتدوير الزوايا معه لأنه مصدر الفساد السياسي، ومحاربة الفساد لا تكون إلّا على قاعدة تغيير النظام، لا على قاعدة الدفاع عنه أو الحفاظ عليه. من هنا، يصبح العمل على بلورة جبهة واحدة ضد هذا النهج المدمّر، وضد سياسات الاحتكار والنهب والتبعية المذلَّة للخارج، عبر إملاءات الهيئات الدولية التي تدور في فلك الغرب الإمبريالي، فعل واجب على كل القوى الوطنية والتقدمية واليسارية، وكل المنظمات النقابية والهيئات المدنية والشبابية والنسائية والثقافية، من أجل توحيد طاقاتها وصفوفها، على أساس موقف سياسي مُعلن وواضح، في وجه هذا النظام السياسي الحاكم والمتحكم بكل مفاصل البلد، والمدعوم باصطفاف مذهبي واسع

هناك الكثير من القضايا مطروحة أمامنا اليوم: التهديدات الصهيونية، الفساد السياسي، المحاصّة، الفقر، البطالة، العقوبات، شروط مؤتمرات باريس والجهات المانحة، التدخل الأجنبي الواضح في السياسة والاقتصاد والعسكر... فليكن منطلق المواجهة نابعاً من الأساس السياسي لهذه القضايا ولسلوك النظام السياسي الحاكم.

فمهما كانت الظروف، لا يجب مواجهة العوارض الناتجة من النهج المتبع، بل مواجهة المرض الأساسي المستحكم والمتحكَّم في مفاصل السلطة. وعلى ذلك المنطق يجب أن يُبنى المشروع السياسي التغييري: هذا يعني مقاربة القضايا من زاوية الفكرة مقابل الأخرى، والموقف مقابل الموقف، وفصل النيات عن الأعمال، أي بمعنى أوضح محاكمة "الفعل" وليس "الافتراض" أو النيّة؛ إذ لا يجوز الإبقاء على حالة الغموض كأساس للخطاب السياسي المستخدم، ولا البقاء على ضفاف الحياة السياسية أو على هامشها، وإنما الأخذ في الاعتبار، توحيد كل القوى الحاملة والرافعة لذلك المشروع؛ قوى صاحبة مصلحة حقيقية تستطيع حمل لوائه والسَّير فيه، وتحمّل تبعاته، وإدراك كيفية استخدامه واستثمار نتائجه، مع ضرورة إيجاد الحاضنة الاجتماعية وتحديدها، القادرة على تأمين البيئة الملائمة لنموه. من هنا يصبح بناء جبهة شعبية معارضة في لبنان، مرتكزة على مشروع سياسي-اقتصادي –اجتماعي واضح، أمراً ملزماً، مع ضرورة بناء أطر متابعة مناطقية وقطاعية، وذلك لعدم إغفال الشق المحلي المتعلق بقضايا تختلف بين منطقة وأخرى. جبهة تواجه الجوهر والأصل وليس العوارض.

*****

إن التصدي لكل تلك القضايا، يتطلب جهداً وعملاً وبرنامجاً سياسياً وتحالفات، لأن المواجهة، بطبيعتها، سياسية. من هنا تصبح مهمة تأمين شروط تلك المواجهة منوطة بالقوى التغييرية في المجتمعات، ومن الطبيعي أن يكون اليسار، وفي المقدمة منه، الحزب الشيوعي، في طليعتها. المطلوب اليوم، من كل الشيوعيين والوطنيين والحريصين على كسب الرهان في تلك المواجهة، العمل، وبشكل مشترك، ولو كل واحد من موقعه، على تأمين أفضل شروط للمواجهة، واستكمالاً للانتصار

أيها الشيوعيون، عليكم، وكما كنتم في الطليعة، أن تتقدموا لتكسروا الحلقة المفرغة التي وقعتم فيها. اكسروها وانطلقوا إلى فضاء نظيف خال من أوبئة الطوائف والمذاهب والتنقير والنقاش العقيم والفردانية المفرطة والأنوية القاتلة والمصالح الضيقة... انطلقوا إلى حيث القضايا والمهام الكبرى، إلى حيث يجب أن تكونوا. لا تبقوا نزلاء الغرف المغلقة والظلام الدامس، بل اجعلوا، من نور الفكر الذي تنتمون إليه منارة لكل تائه، ومن تاريخكم المقاوم إنذاراً لكل جاهل أو حاقد أو معتد... اجعلوا من هذا المسير الطويل الذي كُتب بدمائكم، مثالاً لخطّ مستقبل جميل، آت لا محالة، وخذوا من قضايا شعبكم وهمومه وفقره وقلقه وبساطته مهامَّ تناضلون بها ومن أجلها، وأدوات لاجتراح التغيير الديمقراطي الحقيقي، فلا يضيركم شيئ بأن تبدأ أعمال مؤتمركم الثاني عشر في الشارع وأنتم تهتفون للمقاومة، وضد التبعية والارتهان، وللخبز والعلم والحرية... 

افعلوها... قبل أن ينهار الحلم ويندثر