2018-07-09

لعبةُ الأحرار: الديمقراطية / كرة القدم؟!

سامي عبد العال

على هامش كأسِ العالم وإخفاق منتخبات العرب في تقديم العروض المنتظرة، رأينا ضعفَ الخطط وعدمَ قدرة لاعبي المنتخبات المذكورة على تحمل المسؤولية ولا مبالاة عجيبة تهزأ بمشاعر الجماهير وغياب الفهم التكتيكي للمنافسين، فضلاً عن انعدام الإبداع وفوضى التمريرات الخاطئة واهتزاز التركيز والافتقار إلى الدقة والمتعة (مصر السعودية وتونس والمغرب). لينتهي الأمرُ بإصابة مرماهم خلال الأوقات الحرجة من المباريات بنيران صديقةٍ كحالتي مصر والمغرب. أي أنَّ لاعبي العرب هم من سجَّل أهدافاً في أنفسهم، بطريق "الخطأ غير المتعمد" من واقع المظاهر السالفة التي هي معالم مجتمعات العرب لا منتخباتها فقط.

مما يستدعي أسئلةً تتعلق بقضايا طريفة لكنها في قلب المشهد هي كالتالي: هل تُوجد علاقة بين كرة القدم والديمقراطية؟ كيف تُلقي كرة القدم الضوء على أبعاد الديمقراطية أو العكس؟ فإذا كان بعض الفشل العربي في المنافسات الرياضية بارزاً، أليس ذلك متصلاً بالفشل في بناء مجتمعاتٍ ودولٍّ تقبل التعدد والتنوع والتنافس الحر للأفكار والأفعال وتداول السلطة؟ وما يستتبع ذلك من ضياع وُجود الفرد وتنمية قدراته على التغيير والفهم والنقد في شتى المواقف.

بمعنى آخر ما وجه التَّشابه بين الملعبين(السياسي والرياضي)، أهما ملعبان أم ملعب واحد، بحيث تصبح كرة القدم سياسةً والديمقراطية رياضةً ؟ الأولى (كرة القدم) هي سياسة لتعليم الشعوب كيف تتنافس وتبدع جسديا ومهارياً وترمم خيالها اليومي، بينما الأخيرة (الديمقراطية) فهي رياضةٌ من جهة المحاولة تلُو المحاولة لإقامة المجتمعات وابتكار حياتها.

والأمر مثير من زاوية كون الألعاب أفعالاً متباينةً المجال والدلالة، لكنها تعكس بنية المجتمعات وتؤلِّف شكلاً ثقافياً لممارسة الحرية على الصعيد الرياضي والسياسي. فهل تمرير الكرات وصناعة الهجمات يختلف عن الحوار وعرض المطالب ونيل حقوق الإنسان في المجتمعات الديمقراطية ؟

بمضمار التنافس يغدو الفرد هو العدسة المجمعة لكل ترسبات وظلال مجتمعه، حتى إذا ما انهمك في ممارسة معينة (ككرة القدم) فإنَّ جسده وخياله يشكلان الستارة الأمامية لتراث بعيد التكوين. هنا ليست المسألة ماذا يمارس الفرد في المجال الخاص، إنما كيف يُمارس، ولماذا يخفق بمجال تحت ضغوط مجالات أخرى؟ 

النتيجة الاستباقية هي: أنَّ الإخفاق في تقديم مباريات جيدة والانخراط ضمن حماسة الإبداع هما محصلة إخفاقات أخرى. قد تكون نائية عن الصورة وسط الأزياء واللقطات والتقنيات العالية أثناء عرض المباريات وبخاصة في مجالات الاجتماع والسياسة والاقتصاد، سوى أنَّها تحمل شفرات وجينات الحياة العامة.

من ثمَّ فالارتباط وثيق بين الديمقراطية وكرة القدم، حتى كادت تختفي أيَّة حدود بينهما. إنَّ ما نشاهده بمونديال كأس العالم هو لوحات حرة تعبر عما وصلت إليه الإنسانية من توحيد طابع (الرياضة والسياسة) في أشكال جادةٍ من الممارسات الحية. كانت الحرية وألعابها هي الوسيط الذي يكشف إمكانيات الدول والثقافات على التفاعل مع بعضها البعض. إنَّ الملعب (كميدان التنافس سواء أكان أرضاً أم مجتمعاً) هو الشكل المتخيل لديمقراطية اللعب واستدارة القوى بحسب استثمارها وإبداعها على نحو مفتوحٍ.

لعبةُ الأحرار (الكرة والديمقراطية) تتعامل مع خلق الفضاءات الحرة وصياغة الخطط والاستراتيجيات المبدعة وصناعة الفراغ المرن وابتكار عمليات الهجوم والدفاع وفرض التكتيكات الخادعة والصادقة وتفكيك الصور النمطية للتفكير والممارسة. بجانب هذا تثير المشاعر والأحاسيس ميلاً نحو شعار عام. وهي عند تقبل قواعدها تفرغ الاحتقان النفسي وتجهض الدجما والمواقف الراسخة، وتلتهم الأوقات التهاماً مع الاستمتاع دون حدود. ومع ذلك يتاح للجميع (اللاعبين والجماهير) الانخراط في حالةٍ من اللاوعي الذي يمثل المطلق بالنسبي ويحدد المجهول بناء على المعطى ويجعل النماذج قيد الاختبار والتصحيح الذاتي.

وما لم تكن هذه هي لعبة كرة القدم لكانت هي الديمقراطية، وما لم تكن هذه هي لعبة الديمقراطية لكانت هي كرة القدم. الوصف السابق هو نقطة الاشتراك الأقصى بين الاثنتين بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ. إنَّ ما نراه بمونديال العالم كل أربع سنوات هو نموذج مصغر للتدريب على قضايا تعانيها المجتمعات الأقل ديمقراطية والأكثر استبداداً.

مثل" التحرر الفردي والجمعي، صناعة المثال (البطل)، التنوع الفكري والثقافي، الإبداع والاختلاف الجمعي، تطبيق الرؤى وتمحيص النتائج، تحقيق الأهداف الدنيا والقصوى في إطار جماعات تتميز بخلفيات ثقافية متباينة تمام التباين. إبراز دور المواطن القادر على تحقيق رغبات سواه.

وهي صور إبداعية قائمةٌ على تشجيع منتخبات الدول من جميع قارات العالم. ابتكار الملذات والمتع الخيالية والحسية على أوسع نطاق، حرية الإرادة في نيل الألقاب الرمزية والرأسمال المعنوي، ملامسة الإنسانية من خلال تشجيع روح رياضية خلاقة وجميلة. كرة القدم بلغة كانط في كتابه "نقد ملكة الحكم" هي الجميل والجليل إجمالاً.
بالتوازي تعد الديمقراطية هي اللعبة الجماهيرية للمجتمعات التي تجسد الغايات العليا والتمثيل الخيالي لمستقبل الناس وتوسيع فرص العيش المشترك والقدرة على تحقيق الانجازات وفتح المجال العام للقوى المختلفة إلى حد التناقض.

وهذا يعني أنَّ بعض المجتمعات الفاشلة ديمقراطياً ستكون علامة استفهام كبرى في مونديال العالم، وليس غريباً أنْ تفشل المجتمعات العربية في ممارسة اللعبة بشكل ابداعي بما يضع لاعبيها على قدم المساواة مع نجوم المجتمعات الذين يلعبون في دوريات متطورة. لأنَّ كرة القدم ليست بلونة جلدية تتقاذفها الأقدام عبثاً إنما هناك أمل آخر تتقاذفه العقول وتحاول كسب الوقت لبلوغه. كيف لمجموعةٍ من اللاعبين يحرزون هدفاً ؟ لما ينتصرون؟ وأي انتصار في اهتزاز الشباك؟ وما المعزى من الفرح الباذخ لدى الجمهور. هل لأنَّ أحد الأقدام ركلَّ الكرة بحيث أصابت الهدف أم لأنَّ هناك دائرةً من الغرائز والأخيلة هي التي تجلب السعادة للجماهير؟!

أولاً: تحتاج الديمقراطية وكرة القدم قدرة من الكائن السياسي والرياضي على أن يقول أنا، أنا الممتلِّك لمهارة الحوار الجسدي وقدرة التخيل وصناعة الحُكم. لأن مجال اللعب (المجتمع والملعب) لا يقبل أية كائنات خارج ذاته، خارج قواعده الحرة. والثقافة العربية تسحق الأنا لصالح الأنا الأعلى الإلهي والسياسي (أنا الدكتاتور). لقد كانت طبيعة المجتمعات تتحدد بمقدار وجود علاقة عكسية بين الأنا الفردي وأنا الحاكم. وانعكس ذلك علي طريقة التفكير وممارسة النقد والحرية واستقلالية الفهم واتخاذ المواقف.

إنَّ اللاعب المهاري يحتاج إلى أناه طالما يستطيع تسجيل الأهداف. هو لا يستطيع التهديف إلاَّ بذلك أثناء الفرص السانحة، واللاعبون العرب أناوات فارغة من الإرادة أمام المرمى وأمام الفرق الكبيرة في مونديال العالم. هم يشعرون بالدونية لكونهم يعيشون في دولهم على هذا الغرار. والديمقراطية تفترض أيضاً كياناً سياسياً مستقلاً اسمه المواطن. وما لم يقل المواطن أنا بمعاني الاختيار والمسؤولية لن يستطيع أنْ يعي ماذا يريد وكيف يسهم في السياسات وينال حقوقه.

ثانياً: لا قيمة للأنا بدون العمل الجماعي، في كرة القدم يكون اللاعب فرداً ضمن الفريق ولا يستطيع أنْ يعبر عن فرديته إلاَّ من خلال المجموع، فاللعب الجماعي ليس كلمة عابرة بل تجسيد للمفارقة القائلة بأنَّ طاقة الفرد تتخلق بواسطة المجموع والمجموع يدعم الفرد ويبرزه، ولا مجال هناك لفك هذا الارتباط. واللاعبون الغربة لا يدركون هذه المعضلة، لأنَّ العمل الجماعي مفقودٌ في حسهم اليومي، فكيف سيطبقونه في الرياضة ؟

لقد تابعنا نرجسية بعض اللاعبين حيث تتحول من قدرة على التماسك إلى فقدان التركيز وإهدار أكبر الفرص المحققة أمام المرمى. ويبدو سلوك اللاعب هي خبرة الحياة السياسية عندما يتفنن القادة العرب في إضاعة فرص تطور المجتمع. إنَّ السياسي العربي مثله مثل اللاعب العربي كلاهما عنوان لتفكيك العمل الجماعي، لقد نفذت بعض المنتخبات هذا المعنى بحرفية شديدة التأثير، فالفريق المصري هو فريق "محمد صلاح" والفريق المغربي هو فريق "المهدي بن عطية" وغيرهما!!

وهذا انعكاس لمقولات سياسية ونمط حياة قائم على ديكتاتورية السلطة وفكرة القائد الأوحد والملهم والرئيس الخارق. اللاعب العربي هو بشحمه ولحمه ديكتاتوره السياسي بصورة مقلوبة، إنَّه التأويل المسخ له في إطار مثيرٍ وشائق. وهذا ما لا يعلمه الديكتاتور الوقح من أنه حين يستبد بالسلطة ويستعبد شعبه المقهور، فإنه يخرج كائنات وأجيالاً مشوهة وتائهة في الحياة.

ثالثاً: الهروب من المسؤولية. فاللاعب العربي لا يرى فرصا يجب اقتناصها بدقة أمام المرمى رغم اتساعه. وليس ذلك مصادفة أنْ يهدر الفرص السهلة كأنَّه خارج السياق المطلوب لإنهاء الهجمات. واللطيف أنَّه عكس ما يقال لو أعطي هذه الفرص عديد المرات لن يحرزها ولن يترجمها إلى أهداف، لا لشيء إلاّ لأنه يعاني من فوبيا المسؤولية. وهذا يغني عدم القدرة على اتخاذ القرار واهتزاز الثقة بالنفس وضعف الرؤية الواضحة وتقليص الخيارات السهلة.

كيف يقتنص المهاجم العربي فرصةَ إحراز الأهداف وهو لا يمتلك أيَّة فرص اجتماعية وسياسية لإحراز أهدافه العامة في المجتمع. والمسؤولية واحدة لا تتجزأ، تحتاج فهماً وتصميماً وثقة. المسؤولية أنَّ يصنع الإنسان حياته بكل امتلاء وقوة نتيجة القوى المتخيلة المفتوحة أمامه، وحين تخور قُواه بـ" فعل فاعل " في كافة المجالات لا ينبغي انتظار أنْ يحرز أهدافاً كروية إزاء منتخبات أخرى.

رابعاً: اللعب غير الممتع من المنتخبات العربية، هو أشبة بأعمال السخرة والسخرية. كأن المهم أنَّ يقال عن اللاعب أنه يلعب فقط وذلك نتيجة القهر الواقع عليه ليلاً ونهاراً. لأنه لا يقدم قطعة فنية من المهارات والعروض الجسدية والعقلية المبتكرة. بل يعتبر اللعب واجباً ثقيلاً مثلماً أنَّ وجوده في المجتمع زائد عن الحد. والإنسان العربي يسير في حياته كأنَّه محشور في فوهة مدفع من الفقر والقمع والعنف باسم الدولة.
خامساً: اللاعب العربي امتداد مسخ لأنظمته السياسية الممسوخة، المهترئة، المتداعية، المشوهة. هو محتار لا يدري ماذا يريد من الكُرة غير قادر على خلق الفراغات والتلاعب بالامتلاء إنْ ممكن. كما أنَّه تقليدي لا يستطيع رؤية المجهول والأفضل، بل يخضع لخصمه في محاولاته الكئيبة لرد الفعل فقط. أي يأخذ موقف الدفاع طوال المباراة دون جديد. ومثلما هو مشوش الفكر رغم وضوح الهدف ورغم أهمية حسم النتيجة، ينزل إلى الملعب وهوة فاقد الاتزان يترنح غير واصح المعالم.

خامساً: نتيجة الهزائم السياسية المتكرر، فاللاعب العربي يفترض هو بنفسه كونه مهزوما قبل أنْ ينزل إلى الملعب. فجميع التوقعات قبل المباريات العربية تتوقع الهزيمة سلفاً بل وتسعى إليها عن كثب، حتى شاع بين العرب قاطبة القول بفكرة الأداء المشرف عكس المنتخبات الأفريقية السمراء التي تركض كالوحوش في للغابات. وهذا التفكير تحول إلى قدر إلهي يحتاج التبرير من أقرب اللاعبين وأفضلهم. وكأنَّ الملعب لا قيمة له، لا يعترف بالمجهود وإبداع الفرص وإخراج الطاقات الكامنة.

وهذه الهزيمة هي هزيمة لاهوتية- في جذورها - نتيجة استبعاد الإنسان العربي ورعايته في المضمار السياسي والاجتماعي. تجده خانعاً باسم الدين لطبقة الفقهاء والمرتزقة من الحكام والمسئولين. وحتى طريقة جري اللاعب العربي طريقة تنم عن الأثقال النفسية التي يحملها جراء تلك العبودية.

إنَّ التعامل مع كرة القدم كإبداع وممارسة ممتعة يقتضي تحرير الإنسان العربي من الفقر والجهل والمرض، تحرير خياله من الخوف والتسول والاستجداء، وإراحته من استنفاد طاقاته جرياً وراء لقمة الخبر والحياة الكريمة وتوفير متطلبات العيش. لأنَّ اللاعبين الرئيسيين (الحُكام والملوك والسلاطين والأمراء) هم من يقطعون أنفاس مواطنيهم في الركض والهرولة طوال اليوم بلا طائل، ولذلك عندما تذهب منتخبات دول السادة المستبدين إلى منافسات دولية تحت ثقف الحضارة الراهنة، يكون مصيرها الأصفار النكراء.