2018-07-01

القدس منذ اتفاقية أوسلو حتى إعلان ترامب .. واقع وتحديات

* د. منصور النصاصرة

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل أثار موجة من الاحتجاجات في العالم ومواجهات مباشرة مع الفلسطينيين. هذا الإعلان أتى بعد ضعف عربي وفلسطيني في مواجهة تهويد القدس منذ اتفاقيات أوسلو حتى اليوم. هذا الإعلان ما هو إلا محاولة ترامبية لترسيخ الإقصاء المدروس للقدس من اتفاقيات أوسلو وعدم طرح القدس للمفاوضات، أي فرض حال من جانب واحد، وليس كما نصت عليه اتفاقية أوسلو.

أوسلو أنهكت المدينة المقدسة وسكانها الفلسطينيين في كافة المجالات الحياتية. فإعلان ترامب ما هو إلا تأكيد على فرض الأمر الواقع في القدس الذي سعت له اتفاقية أوسلو وهو بتغيير الوضع القائم في القدس عن طريق فرض حقائق على أرض الواقع وتغيير الوضع الديموغرافي والاقتصادي والسياسي في المدينة لكي لا تتم مناقشة ملف القدس في أي مفاوضات مستقبلية. فإعلان القدس عاصمة إسرائيلية هو مرفوض فلسطينياً ودولياً حتى إنه مخالف لكل القوانين الدولية خصوصاً عندما نتحدث على أن القدس الشرقية هي مدينة محتلة وتحت حماية القانون الدولي الذي لم يحترمه ترامب بنفسه. ستبين المقالة أن إقصاء مدينة القدس من اتفاقيات أوسلو في عام 1993 أدى إلى تسريع عملية تهويدها المستمر دون أي رادع فلسطيني أو عربي، مما مهد الطريق إلى إعلان ترامب عنها كعاصمة إسرائيلية، مستفيداً بذلك من أن القدس تحولت إلى مدينة مجزأة بحدود غير معلنة ازدادت وتيرتها منذ اتفاقيات أوسلو. فلولا التهويد المستمر لشرقي القدس الذي أثرى السياسات الكولونيالية الاستيطانية الإسرائيلية، والغياب القيادي الفلسطيني عن الساحة المقدسية لما استطاع ترامب أن يعلن عنها كعاصمة إسرائيلية رغم معارضة قوية من غالبية دول العالم.

أوسلو عزلت القدس عن محيطها الفلسطيني والآن بتوقيع من ترامب!

منذ اتفاقيات أوسلو في عام 1993 وحتى اليوم تتّبع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسات ممنهجة لضم شرقي القدس إلى سيادتها الكاملة مما يتناقض مع كل المواثيق الدولية المتعارف عليها. حيث تسعى تلك السياسات إلى محاولات ضم القدس الشرقية للسيادة الإسرائيلية بدون سكانها الفلسطينيين، أي بتفريغها من سكانها بوساطة التهجير الصامت. تشير الأبحاث العديدة إلى أن إسرائيل انتهجت منذ اتفاقيات أوسلو سياسات كولونيالية استيطانية لفصل القدس عن الحيز الفلسطيني من الناحية الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، وذلك بواسطة سياسات إقصاء ممنهحة لتهجير صامت للمقدسيين للأحياء المجاورة للقدس، حيث تفاقمت الأزمة مع إعلان الرئيس ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل. إقصاء مدينة القدس من اتفاقيات أوسلو سنح لإسرائيل فرصة لعزل القدس الشرقية عن الحيّز الفلسطيني وضمّها لسيادتها الكاملة لكن بدون سكانها المقدسيين، أي بواسطة سياسة تهجير كولونيالي صامت يهدف إلى الحد من عدد المقدسيين في المدينة. القدس العربية التي كانت عاصمة فلسطين الثقافية والاقتصادية والسياسية أصبحت شبه منفصلة عن حيزها الفلسطيني وذلك جراء السياسات الإسرائيلية منذ اتفاقية أوسلو والآن معززة بإعلان ترامب.

رغم أن أوسلو كانت أملاً للكثيرين، لكنها تركت موضوع البت في ملف القدس إلى مراحل الحل النهائي، حيث سرعان ما تبين أن استراتيجية إقصاء القدس من هذه الاتفاقية كانت دبلوماسيةً أمريكية - إسرائيليةً تسعى إلى ترسيخ الاحتلال للقدس الشرقية. ترتب على إقصاء القدس الشرقية من اتفاقيات أوسلو نتائج وخيمة على المدينة ومستقبلها. حيث إن أوسلو فصلت القدس بشكل غير مُعلن عن محيطها الفلسطيني الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. في أثناء إجراء مقابلات عديدة في السنوات الأخيرة في القدس مع السلك الدبلوماسي الفلسطيني والإسرائيلي والمحلي، تبين أن أوسلو فصلت القدس عن حيزها الفلسطيني الطبيعي. فقد جاء في حديثٍ لنا مع السيدة هند خوري، وزيرة القدس السابقة حين قالت إن "أوسلو كانت بمثابة تقطيع أواصل الشعب الفلسطيني وإضعافه. أوسلو رسخت فصل القدس عن بيت لحم وعن الضفة الغربية وأضعفت التواصل الاجتماعي لأهل القدس مع سائر المجتمع الفلسطيني ".
ازداد الأمر تعقيداً في القدس بعد بناء جدار الفصل العنصري. تدل نتائج البحث الذي أجريته في السنوات الأخيرة على أن بناء الجدار العنصري فصلَ بشكلٍ فعلي الكثير من أحياء المدينة العربية عن مركزها التجاري والحياتي اليومي مما يجعل المدينة مقسمة بشكل غير مُعلن. فقد رسخ جدار الفصل العنصري البعد الاجتماعي والاقتصادي في القدس وأبعدها جغرافياً عن محيطها الفلسطيني الطبيعي. لقد حول جدار الفصل العنصري أحياء القدس الشرقية إلى أجزاء عديدة منفصلة عن قلب مدينة القدس، حيث الحواجز والصعوبات العديدة التي تعيقُ حرية الحركة والوصول إلى المدينة. جدار الفصل العنصري كان له تأثير على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في القدس، حين فُصلت عائلات كاملة عن محيطها المقدسي الطبيعي.
يبدو أن محاولات تفريغ القدس من سكانها الفلسطينيين كانت بطرقٍ كولونيالية أخرى حيث تشير معطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية أنه تم سحب إقامات 14200 مقدسي حتى عام 2013.

هذا بالإضافة إلى ما ذكرته الخبيرة في شؤون القدس، بروفيسورة نادرة شلهوب كوفيركيان من ازدياد ظاهرة الأطفال غير المسجلين في القدس والتي وصلت إلى الآلاف كظاهرة جديدة من أشكال تفريغ القدس من سكانها. أما عمليات التهجير الممنهجة والصامتة فقد استمرت في القدس بواسطة عدم منح تراخيص البناء، حيث تشير الإحصائيات إلى أنه فقط 9% من إجمالي تصاريح البناء التي منحت في المدينة في السنوات الأخيرة كانت من نصيب المقدسيين، أما غالبية التصاريح فقد منحت في بيت حنينا وليس في أنحاء استراتيجية أخرى من المدينة. هذا بالإضافة إلى دفع مبالغ طائلة للحصول على رخص البناء، حيث وصلت كلفة رخصة البناء إلى مبالغ بلغت 30 ألف دولار. هذه العوائق الخيالية التي تفرض على المقدسيين من أجل الحصول على رخص بناء اضطرتهم في بعض الأحيان إلى البناء غير المرخص أو الهجرة إلى الأحياء المقدسية المهمشة.

محاولات تفريغ القدس من سكانها كانت أيضاً بواسطة السياسات العنصرية لبلدية القدس التي لا تقدم أي خدمات للكثير من الأحياء التي تقع في حدودها الإدارية. حيث تسعى السياسات الإسرائيلية إلى فصل بعض الأحياء العربية عن القدس دون ضمها إلى إسرائيل أو الضفة الغربية مما يخلق واقع العيش دون خدمات وعلى هامش المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي. فهناك أحياء مقدسية فلسطينية مفصولة بشكل كامل عن القدس بواسطة سياسات فصل عنصرية مثل كفر عقب، وشعفاط، ورأس خميس، ورأس شحادة وضاحية السلام «عناتا». ويسكن في هذه الأحياء اليوم ما يقارب 150 ألف فلسطيني مقدسي دون أي خدمات ملموسة من بلدية القدس وهم معرضون لفقدان حقوقهم القانونية والمقدسية.

سياسات التهجير الصامت ضمّت الجانب الاقتصادي في القدس حيث عزلت اتفاقية أوسلو القدس اقتصادياً عن الضفة الغربية وغزة. تاريخياً كانت القدس المركز الاقتصادي لفلسطين حيث إن اقتصادها قبل أوسلو شكل 15% من إجمالي الاقتصاد الفلسطيني أي ما يقارب 250 مليون دولار في عام 1990. أما في فترة ما بعد أوسلو فقد شهدت خسارة القدس لملايين الدولارات سنوياً كنتيجة مباشرة لبناء جدار الفصل العنصري وصعوبة الحصول على تصريحات للتجار الفلسطينيين لدخول المدينة. هذا بالإضافة للديون الطائلة التي يجب على التجار المقدسيين دفعها لبلدية القدس والتي أدت إلى إغلاق الكثير من المحلات التجارية. فعلى سبيل المثال انخفض عدد محلات الخزف الفلسطيني بشكل ملحوظ بسبب الضرائب الطائلة المفروضة على أصحابها. وبموجب تقارير مؤسسة المقدس لتنمية المجتمع في القدس،

فإن ما يقارب من 5 آلاف محل تجاري في القدس أغلقت أبوابها منذ عام 1999. هذا الأمر أدى بشكل مباشر إلى نزوح الكثير من التجار المقدسيين إلى الضفة الغربية، وبيت لحم، وأريحا والخليل للاستثمار هناك بدلاً من القدس. ويبدو أيضاً أنه نتيجة للحواجز المختلفة وفصل الأحياء العربية عن المدينة بواسطة الجدار، فقد انخفضت أيضاً نسبة المتسوقين الفلسطينيين في المدينة. هذا بالإضافة إلى عدم تطوير مناطق صناعية عربية في القدس مثل وادي الجوز وغيرها، مما أرغم رجال أعمال في القدس إلى الاستثمار في مناطق صناعية محتلة في القدس مثل، ميشور أدوميم وعطاروت أو الاستثمار في بلدان فلسطينية أخرى.

إن سياسات التهجير الصامت ضمت الجانب الاقتصادي في القدس حيث عزلت اتفاقيّة أوسلو القدس اقتصادياً عن الضفة الغربية وغزة. تاريخياً كانت القدس المركز الاقتصادي لفلسطين حيث إن اقتصادها قبل أوسلو شكل 15% من إجمالي الاقتصاد الفلسطيني أي ما يقارب 250 مليون دولار في عام 1990. أما في فترة ما بعد أوسلو فقد تميزت بخسارة القدس لملايّين الدولارات السنوية نتيجة مباشرة إلى بناء جدار الفصل العنصري وصعوبة الحصول على تصاريح للتجار الفلسطينيين لدخول المدينة. هذا بالإضافة للديون الطائلة التي يجب على التجار المقدسيين دفعها لبلدية القدس والتي أدّت إلى إغلاق الكثير من المحلات التجارية. فعلى سبيل المثال فقد انخفض عدد محلات الخزف الفلسطيني بشكل ملحوظ بسبب الضرائب الطائلة المفروضة على أصحابها. بموجب تقارير مؤسسة المقدس لتنمية المجتمع في القدس، إنما يقارب الـ5000 محل تجاري في القدس أغلقت أبوابها منذ عام 1999.

هذا الأمر أدى بشكل مباشر إلى نزوح الكثير من التجار المقدسيين إلى الضفة الغربية، بيت لحم، أريحا والخليل للاستثمار هناك بدلاً من القدس. يبدو أيضاً أنه نتيجة للحواجز المختلفة وفصل الأحياء العربية عن المدينة بواسطة الجدار، فقد انخفضت أيضاً نسبة المتسوقين الفلسطينيين في المدينة. هذا بالإضافة إلى عدم تطوير مناطق صناعية عربية في القدس مثل وادي الجوز وغيرها، مما أرغم رجال أعمال من القدس إلى الاستثمار في مناطق صناعية يهودية في القدس مثل، ميشور أدوميم وعطاروت أو الاستثمار في بلدان فلسطينية أخرى.

إغلاق المؤسسات الفلسطينية والفراغ القيادي السياسي في القدس

بالإضافة إلى الفصل الكولونيالي الممنهج للقدس عن محيطها الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، ففي سنوات ما بعد أوسلو قامت الحكومة الإسرائيلية بإغلاق العشرات من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في شرق المدينة ضمت بيت الشرق، رمز القيادة الفلسطينية في القدس.

رغم أن اتفاقية أوسلو نصت على الحفاظ على المؤسسات الفلسطينية في القدس وكما جاء في مكاتبات يوغان هولتس، وزير الخارجية السويسري، وشمعون بيريس، وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك. رغم وثيقة هولتس، فبعد أوسلو مباشرة، سنّت الكنيست الإسرائيلي في عام 1994 قانوناً يقضي بإغلاق مؤسسات فلسطينية في القدس التي لها أي صلة مع السلطة الفلسطينية. وتشير الإحصائيات المختلفة إلى أن العشرات من المؤسسات الفلسطينية في القدس أغلقت مثل جمعيات إغاثة، مؤسسات سياحية واقتصادية، مؤسسات إعلامية، وخدماتية، وثقافية، ومراكز شبابية ونسوية، مؤسسات ترعى شوؤن الأسير الفلسطيني ومؤسسات أخرى مثل مسرح القصبة، اتحاد الكتاب ونقابة الإعلاميين في القدس. وتدل تقارير جمعية الدراسات العربية، أنه أغلقت أكثر من 60 مؤسسةً في القدس منذ اتفاقية أوسلو حتى اليوم. فقد نقلت كثير من هذه المؤسسات مكاتبها إلى رام الله أو خارج حدود بلدية القدس.

بعد أن تمكنت الحكومة الإسرائيلية من إغلاق العشرات من المؤسسات الفلسطينية في القدس، فقد تم تفريغ القدس من القيادة السياسية الفلسطينية. تشير نتائج البحث الذي قمت به في السنوات الأخيرة إلى أن إسرائيل لم تسمح بعد وفاة فيصل الحسيني والشيخ حسن طهبوب إلى نمو قيادة فلسطينية في القدس مما أدى إلى فراغ قيادي وسياسي في أوساط المقدسيين. فالقيادة الحالية المتمثلة بمحافظ ووزير القدس الفلسطيني، عدنان الحسيني، لا يسمح لها العمل المباشر من داخل القدس. فالحسيني يعمل من خارج القدس، من رام الله، مما يدل على إقصاء ممنهج خلقته أوسلو للقيادة الفلسطينية وللوجود السياسي الفلسطيني في المدينة.

غياب القيادة الفلسطينية أدى إلى سيطرة اليمين الإسرائيلي على دائرة القرار بخصوص ميزانيات القدس الشرقية. هذا الغياب القيادي والسياسي الفلسطيني في القدس أدى أيضاً إلى دخول لاعبين جدد للحلبة السياسية المحلية مثل الحركة الإسلامية ونواب القائمة المشتركة. رغم إفراغ القيادة في القدس، فقد استطاعت مؤسسة الأوقاف الإسلامية والمرجعيات الدينية في المدينة خلق قيادة محلية في المدينة تحدت السيادة الإسرائيلية وفرضت أمراً واقعاً أجبر الحكومة الإسرائيلية على إزالة البوابات الإلكترونية التي وضعت على بوابات الأقصى بفضل المقدسيين والهبة الشعبية المحلية التي كانت في الأشهر الأخيرة.

الجدير بالذكر أيضاً أن إعلان ترامب يناقض بشكل واضح اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل التي تم توقيعها عام 1994، حيث تنص الاتفاقية بشكل واضح على أن الأردن هي الراعية للمقدسات الإسلامية والمسجد الأقصى، فهذا أيضاً يفتح ملف الاتفاقية مع الأردنيين على مصراعيه، ويطرح السؤال هل يعلم ترامب بمضمون اتفاقية وادي عربة والبنود التي تتعلق بالقدس أو أنه حتى لا يعي أي أهمية لتلك الاتفاقيات.

رغم إعلان ترامب الذي هو بمثابة ضربة للقوانين الدولية ستبقى القدس عربية فلسطينية. لن يكون هناك دعم أوروبي لهذا القرار ولن تقوم دول عديدة بنقل سفاراتها إلى القدس حيث إن غالبية دول الاتحاد الأوروبي تلتزم بحل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين. هي مسألة وقت ونرى أن القرار الترامبي لن يصمد كثيراً في وجه الحراك الفلسطيني والإسلامي والعالمي.

ختاماً نقول إن إعلان ترامب يناقض كل المواثيق الدولية والعالمية المتعارف عليها وأيضا ينافي حل الدولتين الذي تتمسك به غالبية دول العالم. فما قام به ترامب الآن هو ما خططت له إسرائيل حين استطاعت إقصاء القدس من اتفاقيات أوسلو من أجل فرض حقائق على أرض الواقع الذي مازال يتحداها المقدسيون بشكل يومي. إعلان ترامب سيفتح أيضاً ملفات اتفاقية وادي عربة مع الأردن من جديد وسيفتح من جديد الحوار حول مصداقية القوانين والمواثيق الدولية بخصوص القدس وغيرها.

* محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية