2018-06-03

* كتاب التطهير العرقي في فلسطين "إيلان باببه"

التطهير العرقي فلسطين

عرض وتقديم: سعيد مضية

ترجمة/ أحمد خليفة

قال عنه جون بلغر انه أشجع مؤرخ إسرائيلي، وأكثرهم تمسكا بالمبادئ وأحدّهم مضاءً. ولا شك ان الخروج على الرواية الرسمية في أشد القضايا التصاقا بالإيديولوجية الصهيونية يتطلب تلك الشجاعة التي ألهمت إيلان بابه تسجيل شهادته الموثقة عن حرب التطهير العنصري التي تصر إسرائيل على تسميتها حرب التحرير.

واعتبر الدكتور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي وممارسته في جامعة برينستون، ومقرر حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية سابقا، أن "بابه ألف كتابا مدهشا ذا أهمية كبرى بالنسبة إلى ماضي العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية وحاضرها ومستقبلها". النظرة الثاقبة التي وظفها اليروفيسور بابه في بحثه، وكذلك شجاعته وجهتا خطاه للتنقيب والكشف عن أكبر عدد من الجرائم.

 شجاعة بابه تحرس نقاء الضمير وإنسانية الموقف. رجل الاستقامة المبدئية ينظر إلى جريمة حرب غزة بمنظور جرائم التطهير العراقي، فلا يتخلف في اعتبار مقال غولدستون بصحيفة واشنطون بوست، الذي أعلن غيه تراجعه عن تقرير يدين إسرائيل بجرائم حرب إثر عدوانها على غزة  أقرته لجنة تحقيق برئاسته، واعتب بابه ما ورد في مقال البوست كلاما "سوقيا" وهو مجرد طلب تصريح بالعودة إلى حظيرة الصهيونية المريحة ؛وبالفعل عاد غولدستون الى الحظيرة وأنكر في مقال لاحق نشر العام 2012 وجود نظام أبارتهايد في إسرائيل. وحسب كلام بابه، "لن يُسمح لغولدستون أن يستنكف عن تقديم أي خدمة ممكنة لإسرائيل". ومن مثال غولدستون نصح بابه الفلسطينيين والعرب "أن لا يصدقوا صهيونيا يدعي العمل من أجل السلام أو يتضامن مع قضيتهم.. إما أن تكون صهيونيا أو تتهم إسرائيل بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. أما أن تجمع الاثنتين فستنهار عاجلا وليس آجلا". فالقول" أنا صهيوني" تعني الولاء المطلق لإطار ذهني لا يستوعب تقرير غولدستون، كما لا يستوعب نقاء الوجدان والتمسك بحس العدالة فيما يتعلق بالفلسطينيي.

تعلق بابه بقضايا الحرية والإنسانية تجلى في ابتهاجه بالثورات الأخيرة في العالم العربي . "إنها لحظة حاسمة بالنسبة للغرب ولموقفه الكولنيالي تجاه العالم العربي. وهي المرة الأولى التي أتذكر طوال حياتي ترد أخبار سارة من العالم العربي ويسيطر نمط من الإحساس الحاد بالإيجابية أو الطاقة الإيجابية التي تهب علينا من تلك البقعة. لكنه استدرك وهو العارف بمطبات الطريق، "بصفتي مؤرخا سأظل أتذكر أن من الواجب الحذر، فهناك العديد من القوى وعدد من الفاعلين، بمن فيهم إسرائيل، سيبذلون أقصى طاقاتهم لتغييب هذه اللحظة. غير أنها لحظة درامية وفانتازية اعتقد أنها على المدى البعيد ستؤثر ايجابيا جدا جدا على فلسطين".

رأيت أن أستهل عرض كتاب على درجة كبيرة من الأهمية بتقديم مؤلفه في لقطتين تفصحان عن المعدن النفيس لهذا الإنسان. يدمغ أحداث حرب 1948بطابع المؤامرة المدبرة والمخطط لتنفيذها بموجب خطة "دالت"." لقد وضع هذا الكتاب بقناعة راسخة بأن التطهير العرقي الذي حدث في فلسطين يجب أن يتجذر في ذاكرتنا ووعينا بصفته جريمة ضد الإنسانية [13]. هو لا يأمل إخراج المسئولين من قبورهم لمحاكمتهم؛ إنما يود أن يكشف ما تختزنه الأراشيف. إن استعمال موشور التطهير العرقي يمكّن المرء بسهولة من اختراق عباءة التعقيدات التي يلفع الديبلوماسيون الإسرائيليون الحقائق بها بصورة شبه غريزية والتي يختبئ الأكاديميون الإسرائيليون تحتها عندما يتصدون للمحاولات الخارجية لانتقاد الصهيونية، أو الدولة اليهودية....ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة استعدادها لتبني هذه المقاربة المشوهة والقبول بالغطرسة الكامنة وراءها..[8].

نشر مايكل بالومبو كتابه "النكبة الفلسطينية" عام 1987، وظهرت مجموعة "المؤرخون الجدد" .. نجح المؤرخون الإسرائيليون التصحيحيون قبله باستخدام الأرشيفات العسكرية أساسا في إظهار سخف وكذب الادعاء الإسرائيلي أن الفلسطينيين غادروا البلاد بمحض إرادتهم. فقد طردوا نتيجة عمليات عسكرية قامت بها وحدات الهاغاناة. "عندما أذكر أسماءهم لا أريد أن أراهم يحاكمون بعد وفاتهم؛ إنما كي أستحضر مرتكبي الجرائم والضحايا بصفتهم بشرا، كي أحول دون إرجاع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل إلى عوامل زئبقية مثل ’ الظروف'، او’ الجيش'، او كما قال بني موريس ’في الحرب تجري الأمور كما في الحرب'". [5].التطهير العرقي جهد يرمي إلى تحويل بلد مختلط عرقيا إلى بلد متجانس من خلال طرد جماعة من الناس وتحويلهم إلى لاجئين، مع هدم البيوت التي تم إجلاؤهم عنها[11] والرغبة في الاضطهاد تحيل المقهور في نظر القاهر شيئا بلا قيمة ، كانوا جزءا من عقبات الطبيعة التي يجب التغلب عليها أو إزالتها. اما جريمة التطهير التي وقعت عام 1948 فقد تم اقتلاعها من الذاكرة العالمية الجماعية ..."تخيل الآن أن لا يجد مثل هذا الحدث المفجع ، لسبب ما، طريقه إلى كتب التاريخ، و تتفاداه، إن لم نقل تتجاهله ، جميع الجهود الديبلوماسية لحل النزاع [17].

يشير الباحث الى نقطة هامة ومحورية، إسرائيل تخشى السلام وترنو دوما للصراع الميلح

كان لا بد أولا من تفجير الصراع المسلح . أقلق المخططين هدوء ساد الوسط الفلسطيني، خافوا أن يكون تسليما بالأمر الواقع. فكم تناوب على هذا الممر الضيق من غزاة! "راوغت القيادة الصهيونية فرحبت باعتدال ردود الفعل العربية؛ لكن ردود الفعل اللامبالية والمتقاعسة (من جانب الفلسطينيين) تقريبا أزعجتهم"[ 61]؛ فقد عولوا على عسكرة الصراع" وسيلة تمكنهم من تنفيذ عمليات إرهابية يحملون الجماهير العربية من خلالها على الهجرة..

ثم بدأت المناوشات التي ردت عليها الميلشيات المنظمة والمدربة. بدأت الحرب مناوشات متبادلة ثم "انتقلت الميليشيا الصهيونية من الانتقام إلى مبادرة منهجية لتطهير عرقي للبلد بأكمله[3]. ومما يؤكد النية المبيتة منذ أكثر من عقد من الزمان أن الصندوق القومي اليهودي أعد سجلا ديموغرافيا شمل معلومات مفصلة عن القرى مع دراسات اجتماعية لطبيعة كل قرية.

المشروع مؤشر إلى نوايا التهجير التي أخذت تتبلور في أذهان القيادة الصهيونية منذ ثلاثينات القرن العشرين. ونفذ مشروع المخططات الطوبوغرافية بصورة سرية عن سلطات الانتداب. لم يعلن عن المختبر إلا عام 1947، حين نقل إلى دائرة رسم الخرائط. "تضمن ملف كل قرية تفصيلات دقيقة عن موقعها الطوبوغرافي وطرق الوصول إليها ونوعية أراضيها، والينابيع ومصادر الدخل الرئيسية وتركيبتها الاجتماعية ـ الاقتصادية والانتماءات الدينية لسكانها، وأسماء المخاتير، والعلاقات بالقرى الأخرى، وأعمار الرجال ( 16ـ 50 عاما)ومعلومات أخرى كثيرة. ومن فئات المعلومات المهمة درجة العداء للمشروع الصهيوني بناء على مدى المشاركة في ثورة 1936. وهناك قائمة بأسماء المشاركين بالثورة، وأعطي الأشخاص الذين زعم أنهم قتلوا يهودا اهتماما خاصا.

وكما سنرى لاحقا فإن هذه الأجزاء الصغيرة من المعلومات نجم عنها عام 1948 أشد ألأعمال وحشية في القرى وقادت إلى إعدامات جماعية وتعذيب ضحايا" [ بابه: 28]. "لدى احتلال قرية عين الزيتون أحضروا مخبرا مغطى الرأس؛ أخذ يتمعن في الرجال المصفوفين في ساحة القرية ، وتم التعرف على الأشخاص الذين كتبت أسماؤهم في القائمة المعدة سلفا والتي أحضرها ضباط الاستخبارات معهم. ومن ثم أخذ الرجال إلى مكان آخر وأعدموا [123]. وقد كلف فيما بعد المهندس هانس ليبرخت بتحويل مجرى نبع عن القرية إلى معسكر للجيش وقال أنه أثناء العمل وجد جثث عدد من النساء والأطفال والأطفال الرضع بين الأنقاض بالقرب من الجامع الحالي، وقام الجيش بإحراق الجثث. تظهر وثائق الجيش أن الذين أعدموا في القرية يبلغ سبعين شخصا. [124]. وتكرر المشهد في قرى أخرى كثيرة.

راودت فكرة تهجير العرب من ديارهم أذهان القادة الصهاينة منذ ثلاثينات القرن الماضي. "كانت رؤية الدولة القومية اليهودية المحضة راسخة في صميم الإيديولوجيا الصهيونية منذ أن برزت الحركة أواخر القرن التاسع عشر" [51]. وكتب يوسف فايتس في مذكراته عام 1941" أليس الآن هو الوقت الملائم للتخلص منهم؟ لماذا نستمر في ترك هذه الأشواك بيننا وهي خطر علينا؟ يجب ألا تترك حتى قرية واحدة ولا عشيرة واحدة"[ 72]. ومباشرة بعد صدور قرار التقسيم في 28 نوفمبر 1949، شرع بن غوريون ولجنته الاستشارية يتجاهلون حدود التقسيم. لم يشعر بن غوريون والمجموعة الصغيرة من الشخصيات المحيطة به، في أية لحظة بين تشرين الثاني / نوفمبر 1947 وأيار / مايو 1948 بأن مستقبل دولتهم في خطر، أو أن العدد الضخم من العمليات العسكرية التي يجب القيام بها يمكن أن يؤثر سلبيا في مهمة طرد الفلسطينيين. رسم قادة المجتمع في العلن سيناريوهات مرعبة، وفي نفس الوقت راحوا "يحذرون جمهورهم من’ محرقة ثانية'" وشيكة.[ 56].

يتتبع المؤرخ بشجاعة ونزاهة العمليات العسكرية والاستفزازات وأساليب الشحن التي اتبعت طوال عام 1948 حتى كانون ثاني 1949 لطرد العرب من ديارهم ومنع عودتهم. ولدى مهاجمة قرية الخصاص الصغيرة ذات المركز الاستراتيجي في 18 كانون أول /ديسمبر 1947 راقب مراسل نيويورك تايمز نسف البيوت على أصحابها وهم نيام ، فأصيب بالصدمة، وتوجه إلى القيادة العسكرية يستفسر. أنكروا في البداية، ولدى إصرار المراسل اضطروا للاعتراف بوقوعها. وأصدر بن غوريون اعتذارا علنيا دراميا مدعيا أن العملية لم يكن مصادقا عليها.

لكن بعد نيسان 1948 أدرجت ضمن العمليات الناجحة" [67]. يأتي المؤرخ على وصف تفجيرات حيفا وإلقاء القنابل المتفجرة وسط الحشود، وطرد الناس تحت التهديد بالموت. في بداية الاشتباكات في يافا توجه إلى منزل بن غوريون وفد من الموظفين يشكون من تغير موقف الهاغاناه من يافا، إذ تم الاتفاق على تعايش يافا وتل أابيب، وأن الجنود يبطشون بالعرب دون أن يصدر عنهم أي استفزاز ويسرقون العرب ويصادرون الأملاك ويطلقون النار بقصد الإرهاب؛ وكتب بن غوريون في مذكراته أن احتجاجات مماثلة وردته من بيتاح تكفيا وريشون لتسيون ورحوفوت وغيرها. غير أن شهرا واحدا من تلك الممارسات العنفية أعقبه توحيش عام؛ الجميع راحوا يشاركون في ممارسات مماثلة. نفس الموظفين الذين اشتكوا طالبوا "يجب أن نضرب يافا بكل وسيلة ممكنة" [76].

ويذكر المؤرخ أن غولدا مائير قد زارت حيفا بعد تهجير سكانها، " وجدت من الصعب عليها أن تكبت إحساسا بالرعب عندما دخلت البيوت، حيث الطعام المطبوخ ما زال على الطاولات، والألعاب والكتب التي تركها الأطفال على الأرض، وحيث بدت الحياة كأنها تجمدت مرة واحدة .. ذكرتها بطفولتها حين هربت عائلتها من روسيا، والقصص التي سمعتها من عائلتها عن الوحشية الروسية ضد اليهود قبل عقود[107]. ثم مضت الأمور واستساغت غولدا مائير سفك الدم الفلسطيني، لتجهر بالسؤال العنصري المشحون بعربدة القوة "أين هو الشعب الفلسطيني؟".

أكاذيب غوبلز استولت على التفكير الصهيوني. أجل هزمتهم الهتلرية وسيطرت على عقولهم، كما لاحظ أبراهام بورغ في كتابه "لنتحرر من هتلر". وفي جلسة للجنة الاستشارية، هي الوحيدة التي سجل محضر لها حفظ في أرشيف الهاغاناه، اقترح فايتس خطة لترحيل الفلسطينيين من المناطق المنوي احتلالها. " وغادر فايتس الجلسة وبيده إذن بإنشاء زمرة تابعة له تحت الاسم ’لجنة الترانسفير'؛ وأتى إلى الاجتماع التالي وبيده خطة تنفيذ الترانسفير [73].

استخدمت أسلحة فتاكة وجرى تطوير أسلحة كيماوية وأخرى بيولوجية، والفلسطينيون "غير مدركين لما سيطرأ على حياتهم من تغيرات دراماتيكية وحاسمة . ولم يكن لدى قادتهم أو لدى الصحافة الفلسطينية، أي فكرة عما كان يجري تداوله خلف الأبواب المقفلة في البيت الأحمر" (مبنى الهستدروت حيث تعقد الجلسات السرية للجنة الاستشارية) [84] وتتذكر شولاميت ألوني المجندة حينذاك برتبة ضابط كيف’كان المفوضون السياسيون يأ تـون إلى الجنود ويحرضونهم؛ فيصورون الفلسطينيين شياطين، ويستحضرون الهولوكوست وضرورة العمل على منع تكرارها في إشارة إلى العمليات المتوقعة'"[94].صدرت الأوامر بنسف مباني الشيخ جراح في نيسان / إبريل 1948؛ لكن البريطانيين أوقفوا تنفيذ الأمر .. "بيّن الموقف البريطاني كم كان مصير كثير من الفلسطينيين سيختلف لو أن القوات البريطانية تصرفت نفس الشيء في أمكنة أخرى[المصدر:110].

فالقوات البريطانية وقفت تتفرج على أعمال القتل الجماعي والتدمير في مدن حيفا ويافا وصفد وطبرية". في الحقيقة ، امتنع البريطانيون من القيام بأي تدخل جدي منذ تشرين أول / أكتوبر 1947، ولم يحركوا ساكنا بوجه محاولات القوات اليهودية للسيطرة على المخافر الأمامية، كما لم يحاولوا إيقاف تسلل متطوعين عرب بأعداد قليلة"[137]. لقد سمحت بريطانيا بحدوث تطهير عرقي جرى تحت سمع وبصر جنودها وموظفيها .. كما أعاقت جهود الأمم المتحدة للتدخل بطريقة كان من الممكن أن تؤدي إلى إنقاذ كثيرين من الفلسطينيين . اما الأمم المتحدة فلا يمكن تبرئتها من ذنب التخلي بعد 15 أيار عن الشعب الذي قررت تقسيم أرضه وسلمت أرواحه وأرزاقه إلى اليهود ، الذين كانوا منذ القرن التاسع عشر يريدون اقتلاعه والحلول مكانه في البلد الذي اعتقدوا أنه ملك لهم" [138].

وفي وقت لاحق غض المراقبون من الأمم المتحدة النظر عن عمليات التهجير . ومن المتعذر تفسير لماذا لم تبحث الأمم المتحدة قط في مسألة الوضع القانوني لإسرائيل في المناطق المخصصة للدولة العربية عندما أظهر المجتمع الدولي لفترة وجيزة اهتماما بمصير فلسطين بعد الانتداب وبمصير سكانها الأصليين. [203] .

و"تحت بصر مراقبي الأمم المتحدة الذين كانت دورياتهم الجوية تحوم في سماء الجليل بدأت المرحلة النهائية من عملية التطهير العرقي في تشرين اول / أكتوبر 1948، واستمرت حتى صيف 1949. لم يكن بقدرة أي امرئ أن لا يرى جموع الرجال والنساء والأطفال، وهم يتدفقون يوميا نحو الشمال. وكانت النساء والأطفال المرهقون العنصر الطاغي في هذه القوافل البشرية، إذ غاب الشبان بالقتل أو الاعتقال. قلوبهم تحجرت؛ وإلا كيف نفسر القبول الصامت بمثل هذا الترحيل الجماعي القسري، الذي كان يجري تحت سمعهم وبصرهم ... وظلت الأمم المتحدة تتبنى بلا إبهام لغة أبا إيبان، مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة ، الذي كان يتحدث عن اللاجئين كأنهم " مشكلة إنسانية" لا يمكن اعتبار أحد مسئولا عنها أو محاسبته عليها [218].

ينقل المؤرخ باستغراب طقوسا رافقت عمليات التطهير. في أثناء تطهير القطمون بدأ النهب والسرقة، وشارك فيهما المواطنون والجنود. اقتحموا البيوت وأخذوا الأثاث والملابس والأدوات الكهربائية والأطعمة[111]. ومع ذلك لا يفتأون يرددون أن العرب بدائيون، جهلة ومتوحشون!! أتقن الجنود عمليات التهديم التام لبيوت كل قرية يفرغون من تصفية الوجود السكاني فيها. " البكاء بصوت مرتفع بينما هم منهمكون في قتل وطرد أناس أبرياء كان واحدا من التكتيكات للتعامل مع المضامين الأخلاقية لخطة دالت" [122].

في 24 أيار انعقدت جلسة اللجنة الاستشارية، "بدا بن غوريون في مدونته بعد 24 أيار مبتهجا بالنصر شرها إلى السلطة أكثر من أي وقت مضى: يجب إقامة دولة مسيحية في لبنان يكون حدها الجنوبي نهر الليطاني ...عندما نحطم قوة الفيلق ونقصف عمان سنقضي أيضا على (قوة) شرقي الأردن، وعندها تسقط سوريا. وإذا تجرأت مصر على مواصلة القتال سنقصف بورسعيد والاسكندرية والقاهرة[156]. ثم راودته أفكار نقض الاتفاق مع الأردن والاستيلاء على الضفة الغربية . "انطلقت عملية يتسحق في 1حزيران لاحتلال طولكرم وجنين وقلقيلية والاستيلاء على جسور الأردن؛ لكن الكتيبة العراقية نجحت في الدفاع عنها[ 177]. وقبل أن تدخل الهدنة الأولى حيز التنفيذ عجلت القوات اليهودية احتلال القرى الموضوعة على البرنامج ، ولم يتوقف الاحتلال والتطهير أثناء الهدنة. وخلال الهدنة الأولى (بدأت في 8 حزيران) قام الجيش الإسرائيلي بعمليات تدمير لعدد من القرى وطرد سكانها، منها المزار في الجنوب وفجة قرب بتاح تكفا وبيارعدس ومسكة وهوشة والسميرية والمنشية بالقرب من عكا. ودمرت قرى دالية الروحاء والبطيمات وصبارين في يوم واحد[177].

شاور بن غوريون خمسة من أعضاء لجنته الاستشارية بصدد احتلال الضفة لغربية في المستقبل. وينقل يتسحق غرينباوم الذي سيشغل فيما بعد منصب وزير الداخلية أنه أشار على بن غوريون، "سيكون من المستحيل أن نفعل هناك ما فعلناه من تطهير عرقي. إذا قمنا باحتلال أمكنة مثل نابلس فسيطالبنا العالم اليهودي بالاحتفاظ بها وسنكرر أعمال الطرد الجماعي".

 دفع بابه حسه الرفيع بالمسئولية إلى القول "إن مرويات التاريخ الشفهي التي زودت إلياس خوري بمادة من أجل روايته ’باب الشمس' تعزز الانطباع أن المادة الأرشيفية لا تخبرنا بالقصة كاملة؛ إنها مقتضبة فيما يتعلق بالوسائل المستخدمة" [125].

استطاع الباحث أن يوثق من خلال المصادر الفلسطينية مضافا إليها الأرشيفات العسكرية والشهادات الشفهية الإسرائيلية لما مجموعه "إحدى وثلاثون مجزرة مؤكدة ـ ابتداء من المجزرة في طيرة حيفا في 11 كانون أول / ديسمبر 1947، وانتهاء بخربة علين في منطقة الخليل في 19 كانون ثاني / يناير 1949ـ وقد يكون هناك ست مجازر أخرى على الأقل. ولا يتوفر لدينا حتى الآن أرشيف معد بصورة منهجية لتخليد ذكرى النكبة يسمح لنا بمعرفة أسماء جميع الذين قضوا في المجازر. وهذا عمل مؤلم يجري حاليا القيام به بالتدريج " [288].

تزعم الدعاية الإسرائيلية أن العرب غادروا بمحض إرادتهم ريثما تدخل الجيوش العربية وتحرر البلاد. ودعاية أخرى زعمت أن الجموع اندفعت إلى الرحيل بسرعة بتأثير التحريض العربي؛ غير أن البروفيسور بابه يسجل أنه عندما صدر قرار الجامعة العربية في نيسان 1948 بإرسال جيوش إلى فلسطين كان قد تم "تدمير مائتي قرية وطرد ربع مليون فلسطيني وإخلاء عدد من المدن" [130].

في العمليات الأخيرة لوحظ صمود القرويين . "كانت الأغلبية السكانية تصمد بشجاعة في الأيام الأخيرة من تشرين أول، إلى أن تطرد بالقوة . وفي النهاية سمح لأهالي القرى ذات الكثافة السكانية العالية بالبقاء. وهذا يفسر لماذا لا يزال سكان ترشيحا ودير حنا وعيلبون موجودين إلى الآن. [210] ولم تخفّ بشاعة الجرائم. شموئيل لاهيس أعدم خمسة وثلاثين شخصا؛ أحيل إلى المحاكمة وأصبح لاحقا المدير العام للوكالة اليهودية. اما القائد العسكري دوف يرمياهو، الذي شارك في التطهير العرقي ما بين أيار ويوليو 1948، فكان واحدا من الذين راعهم ما أدركوه لاحقا من عمليات أدت إلى التطهير. شرع في الاحتجاج بشدة ضد الأعمال الوحشية التي كان يشاهدها، أو يسمع بها؛ وكان هو من قدم لاهيس إلى المحاكمة، وحكم على لاهيس بالسجن سبعة أعوام؛ لكن رئيس الدولة عفا عنه على الفور تقريبا وأعتقه، وارتقى لاحقا إلى مناصب عليا في الحكومة" [220].

احتلت مدينتا أسدود والمجدل في تشرين ثاني وطرد عدة آلاف من سكانهما في كانون أول 1949... كرس شهر كانون أول لتطهير النقب. سمح لألف فرد من قبيلة الترابين بالبقاء وطرد الباقي. شطرت قبيلة التياهة إلى قسمين أحدهما شرد إلى غزة والثاني في اتجاه الأردن. طردت قبيلة العزازمة وعادت ثم طردت ثانية في خريف 1948 وبذا شرد تسعون بالمائة من بدو النقب.

القتلة يكافأون

بعد أن هدأت المعارك شرع العسكر تنظيم وتنفيذ حملات تفتيش ومداهمة؛ راحت تعتقل وتكدس المعتقلين في أماكن ضيقة وتسومهم العذاب، وأحيانا القتل. "شرعت قوات الاحتلال تفتش البيوت بحثا عن مختبئين كي تعتقلهم او تطردهم . وكانت التهمة الأسوأ عدم الحصول على بطاقة هوية من البطاقات التي أصدرتها السلطات حديثا. كان هؤلاء يرحّلون فورا لأقرب مركز اعتقال. وفرض على كل من ينتقل من موقع سكنه إلى مكان العمل أو لزيارة أقارب، الحصول عل تصريح خاص تحت طائلة الاعتقال، ولو أنه كان يحمل البطاقة[229].

أخضعت مراكز الاعتقال لحراسة جماعة الأرغون وشتيرن، وكانوا لا يتورعون عن القتل لأتفه الأسباب" ... أدين ضابط سابق في الهاغاناه يدعى بشكا شيدمي، بقتل سجينين فلسطينيين؛ وهو نفسه الذي قاد حملة كفر قاسم عام 1956، وأمر بقتل تسعة وأربعين من سكانها... وتكشف قضيته عن سمتين ما زالتا موجودتين حتى الآن: من يدانون بارتكاب جرائم ضد العرب من الأرحج أن يستمروا في شغل وظائف ذات تأثير كبير في حياة الفلسطينيين؛ والثانية أن لا يحاكمون على جرائمهم... كتب ضابط في الجيش أقلقه ما شاهده في معسكرات الاعتقال "إن السلوك البربري الوحشي الذي تكشف عنه هذه الحالات يقوض الانضباط العسكري" [230].

فما أقلق الضابط انضباط الجيش وليس المصير الأسود للضحايا. شهادة سجلها محمد نمر الخطيب لأحد المعتقلين: "كنا ثلاثمائة رجل والقبو لا يتسع لنا ونحن وقوف مهما التصقنا ببعضنا. (...) بقينا على هذه الحال ثلاثة أيام كاملة، لم نذق فيها شيئا من الطعام (..)؛ من هنا أبت على الصهاينة ديمقراطيتهم إلا إشباع الرؤوس المرفوعة ضربا وتنكيلا ، فسرى الدم وسال وتلطخت الثياب (..) وصلنا المعسكر الجديد، وإذا هو بقايا قرية عربية محتلة هي أم خالد. [231].

وتكرر في يافا ما حصل في ضاحية القدس، القطمون، هجمت جموع النهب والقتل. بعد مرور شهرين على احتلال يافا اكتشف مندوبو الصليب الأحمر كومة من الجثث، فطلبوا عقد اجتماع عاجل مع الحاكم العسكري في يافا الذي اعترف لمندوب الصليب الأحمر، السيد غوي، بأن أصحابها ربما قتلهم جنود اسرائيليون [232]. كتب حاكم يافا العسكري، اسحق تشيزيك،إلى وزير المالية أنه لم يعد قادرا على السيطرة على أعمال النهب؛ واستمر في الاحتجاج؛ لكنه عندما شعر في نهاية تموز أن احتجاجاته يتم تجاهلها قدم استقالته... وفي واحد من تقاريره لم يشطب الرقيب كما يجب ، نجد تشيزيك متفاجئا من وحشية الجنود غير المحدودة: "إنهم لا يكفون عن ضرب الناس " [233].

واستدعى حاكم عسكري حيفا أعيان العرب، وكثير منهم شيوعيون . كانوا يمثلون 3000ـ 5000 نسمة بقوا في حيفا بعد رحيل حوالي سبعين ألفا. أمهلهم الحاكم مدة أيام أربعة كي يبلغوا الأهالي بالانتقال من أماكن سكنهم في أطراف المدينة إلى حي وادي النسناس. اعترض توفيق طوبي وأنهى احتجاجه بالقول "نطالب أن يبقى الناس في بيوتهم". واحتج بولس فرح ووصف الخطوة بأنها حقا حصر فلسطينيي حيفا في غيتو". [235]. أما الحاكم العسكري فقد أصرعلى طلبه.

اغتصاب

ذكر الباحث حالات عديدة من اغتصاب النساء بصورة جماعية ، أو بصورة فردية ." لدينا ثلاثة أنواع من المصادر تنبئ عن وقوع حالات اغتصاب؛ وبالتالي فإننا نعرف عن عدة حالات مشينة. ولكن يبقى من الأصعب تكوين فكرة عن عدد النساء والفتيات اللواتي اعتدت القوات اليهودية عليهن بهذه الطريقة "[236].

يروي تقرير للصليب الأحمر عن حادثة مروعة بدأت في 9 كانون أول 1948، عندما اقتحم جنديان يهوديان منزل الحاج سليمان داود، وضربا زوجته واختطفا ابنته البالغة من العمر ثمانية عشرعاما . تمكن الوالد بعد سبعة عشر يوما من الوصول إلى ملازم إسرائيلي واشتكى له، واتضح أن الخاطفيْن كانا من اللواء السابع. ومن المستحيل التأكد مما جرى للفتاة خلال أيام الاختطاف.(..) حالة في عكا حاول الجنود اغتصاب فتاة فقتلوا أباها وجرحوا والدتها، وغطى الضباط على فعلتهم، واغتصب جندي واحد على الأقل الفتاة [237]. بدت حوادث الاغتصاب ظاهرة مؤرقة للأسر المتبقية في قراها ومدنها. "كان بن غوريون يسمع ويكتفي بتسجيلها في يومياته [237، 38]. وحادثة اغتصاب أخرى جرت في ذلك الحين ونشرت عنها صحيفة هآرتس في 29 تشرين أول 2003، اثنان وعشرون جنديا شاركوا في عملية اغتصاب بربرية اختتمت بالقتل. "كان أقسى حكم أنزل بالمعتدين سنتا سجن لمن قتل الفتاة" [238]. وسجلت الحادثة في مذكرات بن غوريون.

غنائم الحرب

عندما هدأت رياح الحرب وتم التوقيع على اتفاقيات الهدنة خفت وطأة الاحتلال، و"أنشئت في آب / أغسطس 1948 هيكلية جديدة للتعامل مع نتائج التطهير العرقي دعيت باسم ’لجنة الشئون العربية'. ضمت الهيئة موشه شرتوك وبيخور شطريت ، وهما من الحمائم؛ لكنها ضمت أيضا يوسف فايتس وغاد ماخنيس وعزرا دانين وجميعهم ساهموا في تدبير الطرد. [239].

قدر دافيد هوروفيتس، رئيس بنك إسرائيل وعضو اللجنة، القيمة الإجمالية للأملاك التي ’تركها العرب، بمائة مليون جنيه فلسطيني. وتساءل شطريت بسذاجة عن مصير الأراضي المزروعة، وهذه لا يمكن بيعها بموجب القانون الدولي .. تابع فايتس عن كثب كل عملية استيلاء في المناطق الريفية سواء شخصيا أو من خلال نائبه المخلص يوسف نحماني [240].

فاقم من قلق شطريت أن الأرض التي سوف تصادر أكثر بثلاثة أضعاف من المليون دونم كان قد قدرها ... استعجل بن غوريون محو آثار العرب تماما قبل أن تنتبه دول العالم وتفرض عليه عقوبات؛ شكل لجنة من دانين وفايتس، وخولها اتخاذ القرارات اللازمة بالتدمير والمصادرة [241]. عارض خبراء وزارة الخارجية الأميركية في بادئ الأمر وأجابت إسرائيل برفض مطلبهم، وهددوا بالعقوبات؛ اقترحت إسرائيل إرجاع 75000 لاجئ وقبول 25000 ألفا آخرين بموجب جمع شمل الأسر ورفضت الخارجية الأميركية .غير أن طاقم وزارة الخارجية استبدل في ربيع 1949؛ ومضت السياسة الأميركية في اتجاه مختلف [242]. اعترض شاريت وكابلان على مصادرة الأراضي، فأوعز بن غوريون لهيئة شبه سرية لتشجيع المهاجرين من أوروبا ومن البلدان العربية على الاستيلاء على البيوت المتروكة في البلدات والمدن ، وعلى بناء المستعمرات على أنقاض القرى التي طرد سكانها[242].

وجد الصندوق القومي اليهودي نفسه مضطرا للدخول في منافسة بشأن توزيع غنائم الحرب. وكسب المعركة في نهاية المطاف. استولت إسرائيل على 3,5مليون دونم من الأراضي في الريف الفلسطيني [242].

دع الصحراء تزدهر!!"

عرف أنه في أعقاب صدور قرار الأمم المتحدة رقم 194 في 11 كانون أول 1948، والذي يقضي بعودة غير مشروطة للاجئين، فإن استيلاء إسرائيل رسميا وقانونيا على الأراضي من شأنه أن يسبب مشكلات لها [243]. تم اللجوء إلى شعوذات قانونية تزعم أنه لم يتخذ قرار نهائي بعد، وبات بالإمكان تمليك الأرض بصورة تكتيكية للجيش أو الحركة الكيبوتسية أو الصندوق القومي. في هذه العملية المصطنعة كان البائع هو القيم على أملاك الغائبين. وجد الصندوق نفسه أمام منافسة شرسة؛ لكنه حقق إنجازا لا يستهان به؛ إذ اشترى تقريبا جميع أراضي القرى المدمرة مع بيوتها. باع القيم مليون دونم بسعر بخس ثم عاد وباع ربع مليون دونم  [243].

صادرت إسرائيل جميع الأوقاف. ولم تسلم الكنائس المسيحية داخل القرى. كان من بين العقارات المصادرة تحف معمارية مثل مسجد الخيرية الذي طمر تحت مستعمرة غفعتايم، وأنقاض كنيسة البروة تحت أراضي مستعمرة أحيهود، وجامع صرفند (قرب حيفا) نسف عام 2000 في عهد حكومة باراك [245]. فرض الحكم العسكري على العرب الذين منحوا الجنسية لإسرائيلية [248]. دائرة الاستيطان في الصندوق القومي هي التي قررت تسوية القرى المدمرة بالأرض وبناء مستعمرات على أنقاضها أو زراعة أشار حرجية[248]. وأثناء عمليات الهدم "لم تتحرك أي مشاعر لدى فايتس". وأثناء البناء أو التشجير ارتفعت شعارات ’دع الصحراء تزدهر' و"جعل البلد أخضر "[249].

شرعوا عام 1953 يقرون القوانين التي تخولهم استملاك الأراضي : قانون الصندوق القومي منح مكانة كمالك للأرض نيابة عن الدولة , وقانون أراضي إسرائيل ، وقانون سلطة أراضي إسرائيل، والأخيران تم إقرارهما عام 1960[249]. وأقر الكنيست قانون الاستيطان الزراعي عام 1967، بموجبه منع تأجير الأراضي التي يملكها الصندوق لغير اليهود. "والهدف منع الفلسطينيين من استعادة ملكيتهم لأراضيهم أو أراضي شعبهم. ... وقد اضطرت الأقلية العربية ونسبتها 17% من السكان إلى تدبير أمرها ب 3% من الأرض فقط خصص منها للزراعة واحد بالمائة واثنان بالمائة للسكن. [250].

محو ذكرى النكبة

بذلت المساعي المثابرة لطمس المعالم القديمة في الأراضي المحتلة، وكذلك الأعمال التي اوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. بعض المساعي نفذت بجهود الهيئات المحلية فوق الأراضي المغتصبة ، وجهود أخرى بذلت على الصعيد الدولي.

اضطلع الصندوق القومي اليهودي بالعبء الأعظم من الجهد الذاتي . فقد اختارت الهيئة التنفيذية للصندوق القومي زراعة الصنوبريات بدل الزيتون والنباتات الملائمة لمناخ فلسطين[255] . تكفل الصندوق القومي بمهمة إخفاء جريمة التهجير واغتصاب الأرض عن طريق الزراعة ونسج الروايات المختلقة كي يقدم البلاد قطعة من اوروبا( ..) أدخل مرويات تعرضها الدعايات الإليكترونية عند كل موقع في سياق الرواية المتخيلة عن البلد الذي كان خاليا من السكان والصحراء المستصلحة والمخضرة[256]. وتشاء المعالم المتجذرة إلا أن تفضح الكذب. أحيانا كثيرة نبتت أشجار التين والصبار واللوز والزيتون من جديد، شواهد على وجود قرية عربية في الماضي. وأحيانا كان ساق شجرة زيتون ينبثق من ساق شجرة الصنوبر. وفي صيف العام الماضي اندلعت حرائق عجزت إسرائيل عن إخمادها لأن مناخ فلسطين الحار يختلف عن مناخ أوروبا البارد.

زرعت أربع غابات شاسعة ، منها(1) غابة بيريا في منطقة صفد وتغطي نحو 20000 دونم فوق ست قرى هي ديشون ، علما ، قديتا ، عمقا ، عين الزيتو ، بيريا. [258]، و(2) حديقة رامات منشيه جنوبي بيريا وتغطي أنقاض قرى اللجون ، المنسي ، الكفرين ، البطيمات خبيزة ، دالية الروحاء صبارين ، بريكة ، السنديانة ، أم الزينات.. يشير الدليل الإليكتروني إلى ست كيبوتسات وسط الغابة وليس ست قرى[259]...3ـ منخفضات القدس وتقع على 4500 دونم تحيط القدس بحزام أخضر، وتصل جنوبا خرائب قرية عين كارم وغربا تهبط حتى أراضي بيت حورش المدمرة وتمتد فوق أراضي دير ياسين وصوبا وصطاف والجورة وبيت أم الخميس.[260] ثم (4) غابة صطاف فوق أراضي قرية صطاف من أجمل المواقع في جبال القدس. وتزعم المرويات الإليكترونية أنه جرى إحياء الطرق والمعالم القديمة؛ وابتكر الصندوق القومي أسماء مثل بستانوف ( منظر بستان ) كدعاية سياحية للمواقع [261].

على الصعيد الدولي وقفت إسرائيل والمنظمات الصهيونية خلف إبعاد اللاجئين الفلسطينيين عن المنظمة الدولية للاجئين.، وكانت المنظمة بالذات هي التي ساعدت اليهود اللاجئين من أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، وحرصت المنظمات الصهيونية عل منع أي شخص من أن يقيم ارتباطا أو مقارنة بين الحالتين. [263]. هكذا ولدت الأونروا ولم تكلف بإعادة اللاجئين إلى ديارهم ؛ إنما لتوفير المساعدات لهم. .. واكتنف الموضوع مظهران: إنكار النكبة لدى محاولات التسوية ورفض إسرائيل مطلقا الاعتراف بالنكبة او تحمل مسئولياتها [264].

سارعت وسائط الإعلام الإسرائيلية والكنيست إلى بلورة إجماع كلي ( يلتزم به الأحزاب الصهيونية بمن فيهم يسارها) يحظر على أي مفاوض إسرائيلي حتى أن يناقش حق عودة اللاجئين ذلك. [272]. حيل دون عودة الفلسطينيين إلى البيوت التي كانت ملكا لهم قبل عام 1948وأقر الكنيست قانونا يؤكد ذلك.

* كتاب التطهير العرقي في فلسطين إيلان باببه - إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى ـ بيروت، تموز 2007